ا
الجاه المفيد للمال، والحضارة المفسدة للعمران!
كيف كان يحصل ذلك؟
يقول:
"إننا نجد أن صاحب الجاه والحظوة في جميع أصناف المعاش أكثر يسارا وثروة من
فاقد الجاه. والسبب في ذلك أن صاحب الجاه مخدوم بالأعمال يُتقرَّب بها إليه في
سبيل التزلف والحاجة إلى جاهه، فالناس مُعينون له بأعمالهم في جميع حاجاته من
ضروري أو حاجي أو كمالي. فتحصل قيم تلك الأعمال كلها من كسبه. وجميع ما شأنه أن
تبذل فيه الأعواض من العمل يستعمل فيها الناس من غير عوض، فتتوفر قيم تلك الأعمال
عليه. فهو بين قيم للأعمال يكتسبها، وقيم أخرى تدعوه الضرورة إلى إخراجها فتتوفر
عليه؛ والأعمال لصاحب الجاه كثيرة فتُفيد الغني لأقرب وقت ويزداد مع الأيام يسارا
وثروة. ولهذا المعنى كانت الإمارة أحد أسباب المعاش كما قدمناه". والمقصود
بالجاه هنا هو "القدرة الحاملة للبشر على التصرف فيمن تحت أيديهم من أبناء
جنسهم بالإذن والمنع والتسلط بالقهر والغلبة". "ثم إن هذا الجاه متوزع
في الناس ومترتب فيهم طبقة بعد طبقة: ينتهي في العلو إلى الملوك الذين ليس فوقهم
يد عالية، وفي السفل إلى من ليس يملك ضرا ولا نفعا بين أبناء جنسه". على أن
المال الذي يحصل لصاحب الجاه، ليس مصدره: التقرب إليه فقط، بل إن أهم مصدر له هو
استعمال السلطة والقهر في جمع الأموال بمختلف التحايلات: الضرائب، المغارم،
الجبايات، المصادرات بأنواعها المختلفة، والتي تشتد وطأتها على الطبقات المحكومة
فاقدة الجاه"، كما سيبين فيما بعد.
وعلى
العموم فإن المال والثروة ومن ثمة الحضارة والتفنن في الترف، كل ذلك كان خاصا بفئة
معينة، هي الفئة الحاكمة. وبعبارة ابن خلدون "الدولة" أي الأسرة الحاكمة
وحاشيتها. "لأن الدولة تجمع أموال الرعية وتنفقها في بطانتها ورجالها، وتتسع
أموالهم بالجاه، أكثر من اتساعها بالمال. فيكون دخل تلك الأموال من الرعايا،
وخرجها في أهل الدولة، ثم فيمن تعلق بهم من أهل المصر، وهم الأكثر، فتعظم لذلك
ثروتهم ويكثر غناهم، وتتزيد عوائد الترف ومذاهبه، وتستحكم لديهم الصنائع في سائر
فنونه، وهذه هي الحضارة ".
هذا
من جهة ارتباط الاقتصاد بالسياسة الذي استعمل فيه ابن خلدون نوعا من "الجدل
الصاعد" : من الجاه إلى المال إلى "الحضارة". أما من جهة ارتباط
السياسة بالاقتصاد فيشرحه ابن خلدون بنوع من "الجدل النزل" : من
"الحضارة" إلى فساد المجتمع إلى فساد الدولة.
المقصود
"الحضارة"، هنا، هو نمط من الحياة: (كسب، معيشة، أخلاق، طباع، سلوك)،
خاص بالدولة وحاشيتها أي بالارستقراطية الحاكمة. هي أسلوب في العيش يقوم على:
"التفنن في الترف واستجادة أحواله، والكلف بالصنائع التي تؤنق من أصنافه
وسائر فنونه، من الصنائع المهيئة للمطابخ أو الملابس أو المباني أو الفرش أو
الآنية ولسائر أحوال المنزل". كل ذلك من غير إنتاج أو انتحال نحلة طبيعية في
المعاش. إنها (=الحضارة) أسلوب في العيش يعتمد على السلطة والجاه، لا غير.
هذه
هي الحضارة التي يشجبها ابن خلدون ويصفها وأهلها بأقبح النعوت والأوصاف. يقول عنها
إنها: "غاية العمران (النقطة التي لا يتجاوزها) ونهاية لعمره، وإنها مؤذنة بفساده".
ترى
كيف يتم ذلك؟ كيف يفسد العمران بـ"الحضارة"؟
المقصود
بـ "الفساد" هنا هو المعنى الأرسطي للكلمة وهو مقابل "الكون"
: كون الشيء: وجوده، خلقه، صنعه... وفساده: انحلاله، فناؤه، عدمه : (génération, corruption).
إن
الفساد الذي يعنيه ابن خلدون هنا نوعان: فساد العمران من حيث صورته (=الدولة)،
وفساده من حيث مادته (= أهل الاجتماع: المجتمع). أما الفساد الذي من النوع الأول
فهو موضوع "نظرية ابن خلدون في الدولة". وأما الفساد الذي من النوع
الثاني، أي الفساد الذي يصيب الأفراد الذين هم أهل الاجتماع، ومادة العمران،
فسنجمل الحديث عنه فيما يلي:
يقول
ابن خلدون: أما فساد أهل الحضارة "في ذاتهم واحدا واحدا على الخصوص، (أي من
حيث مادته) فمن الكد والتعب في حاجات العوائد والتلون بألوان الشر في تحصيلها، وما
يعود على النفوس من الضرر بعد تحصيلها بحصول لون آخر من ألوانها. فلذلك يكثر منهم
الفسق والسفسفة والتحيل على تحصيل المعاش من وجهه ومن غير وجهه. وتنصرف النفس إلى
الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة له. فتجدهم أجرياء على الكذب والمقامرة
والغش والخلابة والسرقة والفجور في الأيمان، والربا في البياعات، ثم تجدهم أبصر
بطرق الفسق ومذاهبه، والمجاهرة به وبدواعيه واطراح الحشمة في الخوض فيه حتى بين
الأقارب وذوي المحارم". إن هؤلاء "لكثرة ما يعانون من فنون الملاذ
وعوائد الترف والإقبال على الدنيا والعكوف على شهواتهم منها قد تلوثت نفوسهم بكثير
من مذمومات الخلق والشر، وبعدت عليهم طرق الخير ومسالكه بقدر ما حصل لهم من ذلك،
حتى لقد ذهبت عنهم مذاهب الحشمة في ذلك".... "بل نقول إن الأخلاق
الحاصلة من الحضارة والترف هي عين الفساد. لأن الإنسان إنما هو إنسان باقتداره على
جلب منافعه ودفع مضاره واستقامة خلقه للسعي في ذلك. والحضري لا يقدر على مباشرة
حاجاته، إما عجزا لما حصل له من الدعة، أو ترفعا لما حصل له من المَرْبَى في النعيم
والترف، وكلا الأمرين ذميم". ولذلك نجد أهل الحضارة يَكِلُون "أمرهم في
المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت
حراستهم"، مما أذهب من شجاعتهم، وخضد من شوكتهم فـ "تنزلوا منزلة النساء
والولدان". إن الحضارة التي ينعاها ابن خلدون، هنا، هي حضارة الاستهلاك بغير
حساب، ودون إنتاج. حضارة أولئك الذين يعجزون عن العمل والدفاع عن أنفسهم لاستحكام
عوائد الترف فيهم، أو لكونهم يترفعون عن ذلك كله، لأنهم يعتبرون أنفسهم فوق العمل
والعاملين... إنها حياة جماعة طفيلية، طافية على سطح المجتمع، تعيش وتستهلك وتبذر
على حساب الرعية كلها: تستولي على أموالها وعلى قيم أعمالها، وتسخرها تسخيرا. كل
ذلك بفضل الجاه الذي تتمتع به والسلطة التي بيدها...
ولكن
من أين لهذه الجماعة الطفيلية بهذه السلطة وذلك الجاه؟ كيف استولت على الحكم
وأصبحت متمكنة من أموال الناس وأعمالهم ورقابهم؟ وبعبارة أخرى: كيف تنشأ الدول وما
عوامل انهيارها وسقوطها؟ هذه هي المسألة الأساسية التي على علم العمران تبيانها
وشرحها...