ابن خلدون: كيف تنشأ الدول ... كيف تنشأ
السياسة؟
محمد عابد الجابري
كيف تنشأ الدول وما
عوامل انهيارها وسقوطها؟ ذلك هو السؤال المركزي في "علم العمران
الخلدوني"! إنه سؤال يطرحه ابن خلدون على السياسة من أجل فهم التاريخ. فكيف
تنشأ السياسة؟
نشأ السياسية عند ابن خلدون
–كما عند بعض الأنثروبولوجيين المعاصرين- مع أول وحدة اجتماعية. والوحدة الاجتماعية المقصودة
عند ابن خلدون هي "العَصَبة" وليس القبيلة كما يتوهم بعض الناس. ذلك لأن
القبيلة في اللغة العربية هي تجمع أكبر يشتمل على عصبات (أكبر تجمع قبلي هو الشَّعْب
تليه –نزولا- القَبِـيلة، ثم العِمارة، ثم البَطْن، ثم الفَخِذ). هذا من جهة، ومن
جهة أخرى القبيلة أساسها النسب، حقيقيا كان أو وهميا، فكل جماعة من أب واحد قريب
أو بعيد، حقيقي أو متوهم، تسمى قبيلة. أما العَصَبة (والجمع عصب وأعصاب) فهي
"أطناب المفاصل" و "أَطْنَابُ
الشجر": بمعنى أن "العروقُ تَتَشَعَّبُ من أَرُومَتِها". "وعَصَبَ
الرجل الشجرةَ: ضَمَّ ما تَفَرَّقَ منها بحبل"، وفي الاصطلاح الفقهي (وابن
خلدون يوظف المصطلح الأصولي الفقهي): "العَصَبة : الذين يَرِثونَ الرَّجُلَ
عن كَلالَةٍ من غيرِ والدٍ ولا وَلدٍ". وإذن فالعصبة هي القرابة دون اشتراط
النسب فيها. ذلك أن النسب عند ابن خلدون ليس مقصودا لذاته بل من "أجل
ثمرته" وهو التناصر. وهذا التناصر داخل العصبة الواحدة أو بين مجموعة عصبات
هو ما يقصده ابن خلدون بـ "العصبية". وهو أساس نظريته فيها.
ينطلق ابن خلدون، في
دراسته للعصبية وبيان الأساس الذي تقوم عليه والدور الذي تلعبه في الحياة
الاجتماعية عموما وحركة التاريخ خصوصا، من فكرته في "الوازع" الذي جعله
ضرورة من ضرورات الاجتماع والتعاون. إن فكرة "الوازع" عند ابن خلدون
يمكن اعتبارها بمثابة حل- ولنقل مع قليل من التجاوز، بمثابة تركيب- للتناقض
التالي:
أ- هناك من جهة ما يمكن
التعبير عنه بـ "اجتماعية الإنسان". فالإنسان مدني بالطبع، لا يصح
وجوده، ولا تستقيم أحواله إلا بالعيش مع غيره من بني جنسه. إن اجتماعية الإنسان
تفرضها ضرورة التعاون من أجل تحصيل الغذاء الذي به قوام وجوده الخ.
ب- وهناك من جهة ثانية:
"الطبع العدواني الذي في البشر"، وهو من آثار "القوى
الحيوانية" فيهم، فمن "أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان بعض على بعض،
فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه، امتدت يده إلى أخذه إلا أن يصده وازع".
إن الحاجة إلى
"الوازع" إذن، تفرضها طبيعة الإنسان نفسه، باعتباره كائنا مجبولا على الخير
والشر معا: على التعاون والعدوان. إن قيام الحياة الاجتماعية، وبالتالي بقاء الإنسان،
يتطلب وجود نوع من السلطة تحفظ للمجتمع تماسكه وتعمل على تقوية التعاون بين
أفراده، وكبح عدوان بعضهم على بعض سواء كأفراد أو جماعات.
ولكن ماذا يقصد ابن
خلدون، بـ "الوازع" هنا؟ هل يعني به السلطة المادية التي تتجسم في
الدولة وأجهزتها؟ أم أنه يعني به فقط السلطة المعنوية التي يمارسها بعض الأفراد
على بعض في أحوال خاصة؟
الواقع أن فكرة الوازع عنده
تنطبق على هذا وذاك معا. فهي تتدرج عنده من مجرد السلطة المعنوية التي لشيوخ البدو
وكبرائهم، إلى السلطة المادية التي تقوم على "الغلبة والسلطان واليد
القاهرة" وبكلمة واحدة "الملك". ويمكن القول بصفة عامة إن الوازع
الذي يتحدث عنه ابن خلدون هو وازع اجتماعي، بمعنى أنه سلطة اجتماعية تستمد خصائصها
من نوع الحياة الاجتماعية السائدة. إن ابن خلدون هنا لا يهتم بالوازع "الذاتي"
النابع من ضمير الفرد كالوازع الأخلاقي أو الديني، وإن كان يبرز دور هذا الأخير في
تقوية الروابط الاجتماعية في ظروف خاصة، ولكنه يهتم بالدرجة الأولى بالوازع
الخارجي أو "الأجنبي" الذي تجسمه وتؤكده القوة، سواء كانت قوة فرد أو
قوة جماعة. وهذا شيء طبيعي ومعقول، فما دامت الحاجة إلى الوازع إنما تفرضها
الطبيعة العدوانية التي في البشر، والعدوان يعتمد دوما على القوة والغلبة، فإن
الوازع الذي يراد به دفع هذا العدوان لا بد أن يكون هو الآخر قوة غالبة ويدا
قاهرة.
هذا بخصوص فكرة الوازع
على العموم. ولكن لما كان هذا الوازع، تفرضه، كما قلنا، ضرورة الاجتماع والتعاون
لتحصيل الغداء، ولما كانت طرق كسب العيش وبالتالي أسلوب المعاش، يختلف في البادية
عنه في المدينة، كما شرحنا ذلك قبل، فإنه من المنتظر أن يختلف الوازع هنا عن الوازع
هناك. إن الحياة في البادية قائمة على البساطة والفطرة، لأن الفلاحة، وهي النحلة
المعاشية السائدة هناك "بسيطة وطبيعية فطرية لا تحتاج إلى نظر وعلم".
أما في المدن فإن الحياة جد معقدة، إذ هي تقوم أساسا على الصنائع وهي "مركبة
وعلمية تتصرف فيها الأفكار والأنظار بمختلف التصرفات والحيل". وكما ينعكس هذا
الاختلاف في أسلوب المعاش بين البادية والمدينة، على طباع الناس وأخلاقهم وعاداتهم
ومختلف أنماط سلوكهم، كما بينا ذلك من قبل، فهو ينعكس أيضا على الروابط الاجتماعية
التي تشد الأفراد بعضهم إلى بعض للتعاون على أمور العيش، بل على شؤون الحياة عموما،
ومن ضمنها مسألة الوازع هذه. وهكذا فإن بساطة الحياة في البادية لا بد أن تجعل من
الوازع فيها وازعا طبيعيا فطريا، مثلما أن تعقد الحياة الحضرية سيضفي نوعا من
التعقيد والتركيب على الوازع السائد فيها.
هذا من جهة، ومن جهة
أخرى، فإنه لما كانت الحاجة إلى الوازع إنما تفرضها الطبيعة العدوانية التي في
البشر، فإن الوازع سيختلف سواء في البادية أو في المدينة، باختلاف نوع العدوان:
عدوان الأفراد بعضهم على بعض داخل المدن أو أحياء البدو، أو عدوان جماعات على
أخرى. وهذا ما يقرره ابن خلدون إذ يقول: "... فأما المدن والأمصار فعدوان
(الناس) بعضهم على بعض تدفعه الحكام والدولة بما قبضوا على أيدي من تحتهم من
الكافة أن يمتد بعضهم على بعض، أو يعدو عليه، فإنهم مكبوحون بحَكمة القهر والسلطان
عن التظالم، إلا إذا كان ذلك عن الحاكم نفسه. وأما العدوان الذي من خارج المدينة
فيدفعه سياج الأسوار عند الغفلة أو الغرة ليلا، أو العجز عن المقاومة نهارا، أو
يدفعه ذياد الحامية من أعوان الدولة عند الاستعداد والمقاومة. هذا فيما يتعلق
بالوازع في العمران الحضري وأما أحياء البدو فيزع بعضهم عن بعض مشايخهم وكبراؤهم
بما وقر في نفوس الكافة لهم من الوقار والتجلة. وأما حللهم فإنما يذود عنها من
خارج، حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم. ولا يصدق دفاعهم
وذيادهم إلا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد، لأنهم بذلك تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم،
إذ نصرة كل واحد نسبه وعصبيته أهم". إن تصنيف ابن خلدون العدوان، هنا، إلى
عدوان داخلي وعدوان خارجي هو من الأهمية بمكان بالنسبة إلى فهم منطلق نظريته في
العصبية والدولة. وبصفة عامة بمكن القول إن صاحب علم العمران، لا يعنى إلا بـ
"العدوان الخارجي" الواقع على المدينة أو على أحياء البدو، ومن ثمة فإن
اهتمامه مركز على دراسة علاقة الدولة بمن يهاجمها من الخارج من جهة، وبالعصبية من
حيث إنها رابطة طبيعية تشد أفراد "حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم" عند
دفاعهم ضد المعتدين عليهم. وهذا ما يؤكد ما أشرنا إليه من قبل، من أن ابن خلدون لا
يعنى كثيرا بالعصبية من حيث إنها رابطة اجتماعية تنظم علاقات الأفراد بعضهم مع بعض
داخل القبيلة، بل ينظر إليها، فقط، من حيث إنها قوة مواجهة، تنتظم العلاقات
الخارجية للمجموعات المتساكنة في البادية، خصوصا علاقاتها مع الدولة. ومن هنا كانت
"الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك"!