دولة العصبية... ورحيل العلوم العقلية
محمد عابد الجابري
تعرفنا في المقال
السابق على مفهوم الدولة عند ابن خلدون، بعد مقدمة قصدنا منها استحضار إشكالية
شغلت عقول بعض المفكرين الأوربيين، وتشغل بالتبعية أذهان بعض المفكرين العرب
والمسلمين، الإشكالية التي يطرحها السؤال المزدوج التالي: لماذا لم تتطور الأوضاع
في العالم العربي وبعض الأقطار الإسلامية الأخرى إلى ما أفرزه التطور في أوروبا من
قيام الدولة الحديثة، الرأسمالية الديمقراطية، مع أن الأوضاع في العالم العربي في القرون الوسطى كانت مهيأة،
أكثر من الأوضاع في أوربا، لإفراز ما أفرزته التطورات في هذه الأخيرة؟ إنها نفس
الإشكالية التي طرحها رواد "النهضة العربية الحديثة" تحت عنوان:
"لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم"؟ فكانت إجاباتهم جميعا أقل عمقا
ومصداقية من جواب ابن خلدون، كما سنرى في مناسبة قادمة.
استحضرنا هذه الإشكالية
التي تنتمي إلى الفكر الأوربي الفكر المعاصر، ونحن نقرأ واقعنا الراهن بعيون ابن
خلدون، لا لنطلب منه الجواب، فهذه الإشكالية لم تكن في زمانه من "المفكَّر
فيه"، ولا من "القابل للتفكير فيه"، لأن الظاهرة التي مكنت من
إثارة هذه الإشكالية، أعني قيام الرأسمالية والدولة الحديثة، لم تكن أوروبا ولا
غيرها قد "حبلت" بها بعد. وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك بالفعل، فلماذا
هذا الاستطراد من ابن خلدون إلى زمان غير زمانه؟! الواقع أننا فعلنا بوعي وقصد:
1- لأن عالم الأفكار
كعالم الحوادث الطبيعية والإنسانية مليء بالأشباه والنظائر. نعم، لم يفكر ابن
خلدون في هذا المولود الجديد الذي نسميه "العالم الحديث"، ولكنه فكر في
سبب قيام وازدهار، ثم في سبب تراجُع وانحطاط ذلك المولود "الجديد" في
العالم العربي، الذي كان قد بدأ، في زمان ابن خلدون، رحلة التراجع والانحدار والدخول
بالتالي في "دائرة القديم"، أعني بذلك: الحضارة العربية الإسلامية. وما
أراد ابن خلدون أن يشرحه في مقدمته هو هذه الظاهرة بالذات: أعني أسباب قيام الدول
وأسباب سقوطها وأطوار حياتها، في العالم الإسلامي لا خارجه. لقد طرح ابن خلدون
بحدة نصف السؤال : "لماذا تأخر المسلمون"؟ ولكنه لم يطرح -ولم من
"المفكر فيه" في زمانه أن يطرح- النصف الآخر: "وتقدم غيرهم".
2- هذا من جهة، ومن جهة
أخرى يشهد التاريخ لابن خلدون، وله وحده، أنه الوحيد الذي وقف، في العالم الإسلامي
كما في العالم الأوروبي، شاهدا ببصره وعقله ووجدانه ثم بقلمه، ليس فقط على تراجع الحضارة العربية الإسلامية، بل شاهدا أيضا
على بداية انتقال العلوم العقلية من العالم العربي إلى أوروبا. لقد على وعي تام
بأن رحلة هذه العلوم من مكان إلى آخر تشكل بداية لنهاية عالم قيام عالم آخر:
انتقلت العلوم العقلية من النيل وبلاد الرافدين إلى الجزر اليونانية فارتحلت
الحضارة معها، حتى إذا تمزقت "المدينة اليونانية" وضاعت في عالم
إمبراطورية الإسكندر المقدوني جاء دور بغداد التي أنقذتها من الضياع الكلي
لتحتضنها في "بيت الحكمة" ولتنتقل بها إلى قرطبة ورفيقاتها في الأندلس
حيث طال بها المقام في البلاد العربية الإسلامية، ضعف المدة التي قضتها في
اليونان... ومن هناك، من العالم العربي والإسلامي، الذي اعتبره التاريخ الأوربي
الحديث –المكتوب لا الفعلي- مجرد جسر، بدأت العلوم العقلية رحلتها المتواصلة إلى
أوربا، من زمن ابن خلدون (القرن الرابع عشر الميلادي) إلى زمن الفيلسوف الألماني
الكبير "إيمانويل كانط" الذي طرح، في القرن الثامن عشر، سؤالين غابا عن
ابن خلدون فعلا هما: "ما التقدم؟" و"ما التنوير"؟ لم يطرح ابن
خلدون هذين السؤالين اللذين كانا يطلان على كنط من أفق مستقبلي، لأن الأفق
المستقبلي كان ضبابا في ضباب عند صاحب المقدمة. إن ما كان واضحا أمام ناظريه هو
"المستقبل الماضي"، ولذلك طرح السؤال الذي يفرضه ذا الأخير: لماذا وكيف
تقوم الدول؟ ولماذا وكيف تسقط؟
ومع أن صاحب المقدمة تحدث،
بوعي ومعرفة، عن رحلة العلوم العقلية، باختصار أوسع من الإيجاز الذي تحدثنا به عنها
هنا، ومع أنه فصل القول تفصيلا في كتابه "العبر وديوان المبتدأ والخبر"
عن الحضارات السابقة للحضارة الإسلامية والمتزامنة معها، فإنه لم يهتم
بـ"الدولة"، مفهوما وواقعا، لا في الحضارة المصرية والبابلية، ولا في
الحضارة اليونانية، ولا في الحضارة الرومانية (مع أنه استعمل مراجع أجنبية مترجمة
إلى العربية)! ذلك لأن ما كان يهمه هو "الدولة" التي عاش في أواخر
خريفها، الدولة التي أرخ لبدايتها وبلوغها أو ازدهارها مع كل من الطبري والمسعودي،
والتي أصيبت في زمانه بداء الهرم، فانحل عقدها وتشتت شملها ولم تستطع، لا مقاومة
"الطاعون الجارف"، ولا الاستعداد لمقاومة الأطماع الأوربية التي أفصحت
عن نفسها خلال الحروب الصليبية وفي زمن
ابن خلدون نفسه لقد عبر ابن خلدون عن الضباب الذي كان يحول بينه وبين المستقبل
بقوله: "وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول
والانقباض فبادر بالإجابة"، ولذلك لم يعد في إمكان ابن خلدون المسلم السني
الأشعري إلا يقول : "والله وارث الأرض ومن عليها"، ولكنه أضاف، بعد الاعتراف
بهذه الحقيقة الدينية، فكتب يقول: "وإذا تبدلت الأحوال جملة فكأنما تبدل
الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره، وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث".
وواضح أن هذه الأوصاف إنما تنطبق على النهضة الأوربية، وبالتحديد النهضة الإيطالية
التي عرفها القرن الرابع عشر الميلادي عصر ابن خلدون، فبدافع من هذا التحول في
"العالم بأسره"، الذي وقف ابن خلدون شاهدا عليه كتب يقول: "فاحتاج
[الناس] لهذا العهد من يدون أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها، والعوائد والنحل التي
تبدلت لأهلها، ويقفوا مسلك المسعودي لعصره، ليكون أصلا يقتدي به من يأتي من
المؤرخين من بعده"!
عندما ننظر إلى مشروع
ابن خلدون من هذا المنظور "المتوسطي"، الذي كان يؤطر رؤيته للحاضر
والماضي والمستقبل، قد يخطر بالبال أنه يريد أن يقول –من طرف خفي- للأجيال العربية
والإسلامية القادمة: تعالوا فانظروا : هذا هو السبب الحقيقي في انهيار حضارة
أجدادكم! هذا هو الجواب الواقعي والحقيقي للإشكالية الفكر الأوربي "لماذا لم
تتطور الأوضاع في العالم العربي إلى الرأسمالية والديمقراطية والدولة الحديثة، إنه
نفس الجواب الذي ينبغي تقديمه لسؤالكم :
"لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم"!
***
بعد هذا الاستطراد –وهو
من جنس الاستطرادات التي "تَطَفَّلَتْ" على المقالات السابقة التي نحاول
فيها قراءة الواقع السياسي العربي الراهن بعيون أخرى، وعبر تشققات مرآته المهشمة، نعود
إلى تعريف ابن خلدون للدولة كما اقترحناه في المقال السابق بكونها: الامتداد
المكاني والزماني لحكم عصبية ما. وانطلاقا من هذا التعريف صنفنا آراءه فيها إلى
قسمين: ما يتناول امتداد الدولة في المكان، وما يتناول امتدادها في الزمان. لنترك
هذا الجانب الأخير إلى المقال القادم ولننظر في أحوال "الدولة العصبية" بعلاقتها
بالمكان.
1- يؤكد أن "الدولة بالحقيقة الفاعلة في مادة العمران إنما هي
العصبية والشوكة"، بمعنى أن العنصر الذي يمنح الدولة قوة التأثير في العمران
هو العصبية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني الالتحام والكثرة في العدد. وهكذا فإذا
كانت عصبية الدولة شديدة الالتحام، والقائمون بها كثيرو العدد، وكانت العصبيات
التي يريدون استتباعها أو إخضاعها ضعيفة، إما لقلة عددها أو لعدم التحامها، فإن
ملك هذه الدولة سيكون أكثر اتساعا، وسلطتها أقوى نفوذا. أما إذا حصل العكس بأن
كانت عصبية الدولة ضعيفة، والعصبيات الأخرى المناوئة لها ممانعة، فإن رقعة الدولة
حينئذ ستبقى ضيقة، ونفوذها سينحصر في الغالب في مركزها، أي في المدينة التي اتخذت
منها عاصمة لها.
2- ويقرر ابن خلدون نتيجة لذلك أن "كل دولة لها حصة من
الممالك والأوطان لا تزيد عليها"، ولكن دون أن يعني بذلك أن هناك حدودا
سياسية أو طبيعية دائمة هي المانعة من امتداد سلطة دولة ما خارج تلك الحدود، بل إن
الأمر بالعكس من ذلك، فالعصبية المؤسسة للدولة لا تقف في زحفها إلا حيث تقف بها
قوتها. ففي المجتمع القبلي حيث الارتباط بالعصبية أقوى من الارتباط بالأرض، لا معنى
للوطن ذي الحدود الطبيعية بالمفهوم الحديث. إن الدولة أو الوطن أو الأمة أو الشعب،
هذه المفاهيم التي تقترن في أذهاننا اليوم بوجود إقليم معين ذي حدود معلومة، لم
تكن، أيام ابن خلدون وبالنسبة إلى المجتمعات التي جعلها موضوعا لدراسته، تعني إلا شيئا
واحدا، وهو جماعة من الناس يرتبطون فيما بينهم بقرابة النسب، قريبا كان أو بعيدا، دونما
إعارة كثير اعتبار لمناطق سكناهم، لأن هذه المناطق كانت تتغير أو كان من الممكن أن
تتغير في أي وقت...
3- وإنما كان لكل دولة حصة من الممالك والأوطان، لأن العصبية الغازية
لا بد أن تجد نفسها يوما، في وضع لا يسمح لها بمتابعة الغزو، إذا ما هي أرادت
الاحتفاظ بالمناطق التي اكتسحتها وأخضعتها، ذلك لأن "عصابة الدولة وقومها
القائمين بها، لا بد من توزيعهم حصصا على الممالك والثغور التي تصير إليهم ويستولون
عليها، ... وبالتالي فعِظم الدولة واتساع نطاقها وطول أمدها على نسبة القائمين بها
في القلة والكثرة (...) فما كان من الدولة العامة قبيلُها وأهل عصبيتها أكثر، كانت
أقوى وأكثر ممالك وأوطانا، وكان ملكها أوسع".
لنقل باختصار: إن كل
شيء في الدولة مرتبط بالعصبية: إن اتساع نطاق الدولة واستحكام سلطتها، واحتضانها
للعلوم العقلية وبالتالي مساهمتها في التشييد والعمران الخ، كل ذلك راجع إلى حال
عصبيتها، وحال عصبية الأقوام التابعة لها.