ص1         السابق

 

 

البادية :"مركز الثقل" في التاريخ العربي كله!

 

محمد عابد الجابري

أوضحنا في المقال السابق كيف أن الدين، منظورا إليه من زاوية نظام الحكم القبلي العصبي الذي شيد باسم الإسلام، قد لعب دورا مهما ضمن مقتضيات الوضع الاجتماعي العام. ومن هذه الناحية يمكن النظر إلى حوادث التاريخ الإسلامي، وإلى عدم الاستقرار السياسي الذي طبع هذا التاريخ، منذ حرب صفين إلى أيام ابن خلدون، يمكن النظر إلى ذلك كله كنتيجة للتناقض بين البناء الفوقي (وحدة الدين والدولة العصبية: الخلافة) وبين أساسه التحتي (مجتمع الكثرة واقتصاد الغزو).

إن ربط الدين بالدولة العصبية كان يمهد الطريق دوما أمام كل حركة إقليمية أو طموح سياسي: فمبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وهو مبدأ ديني، كان يستغل باستمرار، لإخفاء الدوافع والأهداف الحقيقية لكثير من الحركات السياسية "الثورية"، والانتفاضات العصبية، والصراعات شبه الطبقية. ولما كان هذا المبدأ يقتضي دوما الرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح، أي إلى أسلوب الحكم أيام الخليفتين أبي بكر وعمر، ونظرا لكون الدعوة الدينية تجد صداها العميق في البادية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمطالبة بالرجوع إلى حياة البساطة، حياة التقاليد البدوية، ونظرا لتناقض مصالح البدو ووضعهم الاجتماعي مع دولة المدينة ... نظرا لذلك كله، فقد كانت البادية تقدم باستمرار القوة العسكرية اللازمة لنجاح كل محاولة سياسية أو حركة عصيان تنجح في الظهور بمظهر الدعوة الدينية الحق.

من هنا بقيت البادية (والأرياف) دوما "مركز الثقل" في سياق أحداث التاريخ في الإسلام، فبقيت تحتفظ بأهميتها، وخطورتها. ومن هنا أيضا كانا "المُلك الأعظم" خاصا كما يقول ابن خلدون بـ"العشائر والقبائل والعصبيات" وكانت "الدول العامة الاستيلاء العظيمة الملك، أصلُها الدين (من نبوة أو دعوة حق". ولكن لا "الملك الأعظم"، ولا "الدول العظيمة الاستيلاء"، وهما شيء واحد- كان يمكن لهما التوفيق بين تلك الكثرة وهذه الوحدة: كثرة "العشائر والقبائل والعصبيات"، ووحدة "الدين والدولة العصبية" التي تجسمها "الخلافة".

الأزمة الاقتصادية الدورية التي أبرزنا معالمها في مقال سابق، اقتصاد الغزو الذي كان يحركها دوما بسبب من طبيعته ذاتها التي لا تقبل الاستقرار ولا تسمح بالتطور والنمو، الصراعات العصبية التي كانت تتغذى من تناقض المصالح ومن الخلافات الدينية سواء بسواء، التداخل بين الدين والدولة وأزمة الخلافة الملازمة له، والمتجسمة في محاولة التوفيق بين مثل أعلى في الحكم يقوم على الوحدة والإخاء، وبين واقع اجتماعي ممزق... كل ذلك كان عبارة عن مظاهر مختلفة، ولكنها مترابطة متداخلة، للتناقض الأساسي في التجربة الحضارية في الإسلام إلى عهد ابن خلدون، والذي عبرنا عنه با التناقض بين خشونة البداوة ورقة الحضارة"، بين بنيات فوقية وحضارة استهلاك سطحية، مستوردة في الغالب، وبين الأسس الواهية التي أقيمت عليها، أسس متموجة متوترة باستمرار:

- أساس اجتماعي: يأبى الوحدة والانسجام، تأبى وحداته الاندماج بعضها في بعض: مجتمع الكثرة، النظام القبلي، تعدد الفئات العرقية والدينية الخ.

- أساس اقتصادي: رخو مائع، "غير طبيعي"، غير قابل للنمو الذاتي: اقتصاد الغزو، تجميع الثروات، استهلاكها لا استثمارها...

- أساس ديني في الحكم: مفروض من فوق: فرض "وحدة الدين والدولة العصبية" على مجتمع الكثرة، مجتمع العصبيات والفئات المختلفة المتنافرة التي لا تلتئم إلا لتتفرق وتتشتت، كل ذلك في وقت لم يكن الناس فيه قد تغلبوا بعد على المسافات الطويلة، الجغرافية والطبيعية والاجتماعية والعرقية التي كانت تفصل بينهم.

- أساس تشريعي جامد: سد باب الاجتهاد، تفصيل الحاضر وفق وقائع الماضي عل ما بينهما من تباين واختلاف كبيرين.

- أساس ثقافي: غير موحد ولا منسجم، لا يعكس الحاضر ولا مشاكله بقدر ما يعكس اهتمامات قديمة وقضايا جانبية: الخلافات الفقهية، الفلسفة اليونانية، الآداب والحكم الفارسية، الشعر الجاهلي.

هذه الأسس المتموجة المضطربة دوما، والمتنافرة والمتوترة باستمرار لم يكن من الممكن أن يندمج بعضها في بعض بشكل من أشكال الاندماج، ليتشكل منها بناء متماسك قابل للتطور والنمو الذاتي، كما لم يكن من الممكن أن تقوم عليها حضارة تستطيع أن تضمن لنفسها التقدم المطرد... ولذلك بقيت مظاهرها تطفو على السطح، وتدور مع الدورات العصبية، مع دورات أزمة الخلافة، مع حركة اقتصاد الغزو، تلك الحركة غير المنظمة غير الهادفة.

لقد قامت الدولة العربية الإسلامية على أساسين متنافرين متناقضين: الدين الموحد، والعصبية المفرقة.. لقد وحد الدين العصبيات يوم كان يوفر مغانم كثيرة بفضل الفتوح... وفرقت العصبيات وحدة الدين يوم توقفت الفتوح، يوم قام مقام تجنيد القبائل من أجل الجهاد، تشتيت هذه القبائل نفسها، واسترضاء بعضها بالمال، وضرب بعضها الآخر ببعض، من أجل الحفاظ على الحكم... لقد قامت وحدة الدين والدولة العصبية على أساس اقتصاد الغزو الذي ارتكز على فتوح واسعة ومغانم كثيرة خلقت منذ البداية بنيات جديدة، تحتية وفوقية معا. فلم تكن هذه وليدة تلك، ولا كانت تلك أساسا لهذه... وعندما توقفت الفتوح، أي عندما توقفت الغنائم ووقفت الجبايات، انقلب الغزو الخارجي (الجهاد)، إلى غزو داخلي. فكان الصراع العصبي/الاقتصادي، وكان قيام الدول وسقوطهـا وتعاقبها وتزاحمها... ولم يحن القرن الثامن الهجري حتى استفحل ذلك "المرض المزمن"، مرض هرم الدول، وضعف القبائل، وتفشي الأمراض، وانحطاط الدين، وتقهقر الحضارة، و"كأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة" كما قال ابن خلدون!

تلك هي الصورة التي تقدمها لنا تحليلات صاحب المقدمة عن التجربة الحضارية في الإسلام إلى عهده: صورة قاتمة حقا، متأثرة فعلا بالتجربة السياسية والاجتماعية التي خاضها صاحبها... ولكنها مع ذلك تعبر عن جانب هام من الحقيقة الموضوعية، الاجتماعية والتاريخية.

لقد أطل ابن خلدون من قلعة ابن سلامة (بالجزائر حيث كتب المقدمة) على تجربته الشخصية، وعلى التجربة الحضارية في الإسلام إلى عهده، فمزج بينهما، والتمس الحل لمشاكل هذه من وقائع تلك، فصاغ من ذلك نظرية امتزج فيها الذاتي بالموضوعي، الفلسفة بالتاريخ.

وبمغادرة ابن خلدون قلعة ابن سلامة تكون تجربته قد اكتملت، وباتصاله بتيمورلنك في دمشق تكون التجربة الحضارية في الإسلام قد دخلت بدورها طورا آخر من أطوارها، طور الانحطاط المفجع والجمود القاتل.

إن الاهتزازات المستمرة التي كان يحركها ذلك التناقض المزمن، والتي بلغت مداها في عصر ابن خلدون، قد جعلت الناس ينظرون إلى الدنيا وكأنها في كف عفريت: الماضي عبارة عن حلقات متوالية من الأحداث والفتن والحروب، الحاضر جامد ومهتز في آن واحد، الحياة رتيبة ولكن الأحداث والمفاجآت تتوالى فأصبحت هي نفسها جزءا من رتابة الحياة وعبثها، المستقبل ظلام دامس وغيوم مثقلة بذنوب البشر ماضيا وحاضرا... كل شيء في الحياة عبء على النفس، لغز للفكر، ضباب في الرؤية، فكان الحل، الحل الذي يفرض نفسه هو السقوط في جبرية عمياء قاهرة. والهروب إلى (عالم الملكوت، عالم الشطحات الصوفية، والالتجاء إلى عالم خيالي تبنيه الشحنات الانفعالية التي كان هذا التناقض يقدم ألف وسيلة لاستثارتها...)، كل شيء إذن كان يدفع إلى الانكماش، إلى التراجع والانحطاط...

وهكذا يكون تاريخ ابن خلدون قد انتهى مع نهاية تجربة ابن خلدون. لقد انتهى تاريخ "وحدة الدين والدولة العصبية" ليقوم مكانه تاريخ الزوايا والتكايا، تاريخ الانكماش الذاتي والتدخلات الخارجية... العثمانية فالاستعمارية.

لكن هل هناك انقطاع حقا بين تاريخ ابن خلدون وعهد ما بعد ابن خلدون؟ ألا نجد في تحليلات ابن خلدون ما يلقي بعض الأضواء على جوانب من تاريخنا الحديث وواقعنا الراهن؟ ألا نجد ملامح ذلك التناقض المزمن في حياتنا الجارية الآن؟

إنها مسألة أخرى...! موضوع آخر...!