المغرب وموريتانيا: وجهة نظر سياسية تقدمية بقيت يتيمة!
محمد عابد الجابري
أبرزنا في المقال السابق كيف أن الظروف الموضوعية قد فرضت على المغرب غداة استقلاله مباشرة الاعتراض على قرار فرنسا/ديجول إجراء استفتاء في المستعمرات الفرنسية في إفريقيا ومنها موريتانيا لتقرير ما إذا كانت تريد الاستقلال أو البقاء مع فرنسا. كانت حجة المغرب أن وضع موريتانيا يختلف عن وضع المستعمرات الفرنسية، أولا للروابط التي تربطها بالمغرب (روابط البيعة والخطبة والعلاقات القبلية والتجارية والثقافية الخ، وهي العناصر التي كانت تؤسس ما سيطلق عليه في العصر الحديث مفهوم "السيادة")، وثانيا، وهذا هو أساس الظرفية التي جعلت المغرب يتخذ ذلك القرار، هو موقف الحزب الوطني الموريتاني آنذاك بقيادة زعيمه حرمة ولد بابانا الذي قدم إلى المغرب مع وفد كبير لتهنئته الملك محمد الخامس بالاستقلال وتجديد البيعة والمطالبة بالمساعدة لتحرير موريتانيا الخ.
كانت الاستجابة تفرض نفسها ليس فقط لأن علال الفاسي زعيم الحركة الوطنية المغربية قد رفع شعار استرجاع المغرب في حدوده التاريخية، أيضا وبالدرجة الأولى بسبب قدوم زعيم وقيادات الحزب الوطني الموريتاني إلى الرباط وتجديده البيعة الخ. لقد تكون إجماع وطني فعلي في المغرب بضرورة تلبية نداء توريتانا، فقدمت الحكومة المغربية قضية موريتانيا لهيأة الأمم المتحدة وعملت من أجلها. صوت واحد ارتفع يقرر خيارا آخر أفضل وأقرب إلى تحقيق المطلب المغربي هو صوت الشهيد المهدي بن بركة، وفي نفس الاتجاه كان رأي المرحوم عبد الرحيم بوعبيد. وكان كاتب هذه السطور آنذاك من الأطر العليا للحزب الذي كان من قادته هذان الرجلان. كان ذلك في أواخر الخمسينات من القرن الماضي وكان هذا الحزب يمثل المعارضة الوطنية التقدمية. لقد أعلن الشهيد المهدي بن بركة في منفاه الاختياري، خارج المغرب، أنه لابد من ترك الشعب الموريتاني يقرر مصيره. كما عبر المرحوم عبد الرحيم لاحقا عن رأي الحزب (الاتحاد الوطني للوات الشعبية) في القضية بعد أن جرى الاستفتاء واختارت موريتانيا البقاء مع فرنسا طبقا لبرنامج الجنرال يجول. قال بالحرف الواحد: "إن الشعب المغربي في موريتانيا قد اختار الحرية وقد قاوم الاستعمار في سبيلها. وما دام قد آمن بالحرية إلى هذا الحد فليس من المعقول أن يقبل العبودية تحت أي شكل من أشكالها" (يشير بذلك إلى الوضع الاستبدادي الذي كان يعيشه المغرب في السنوات الأولى من عهد المرحوم الحسن الثاني). ثم أضاف: "وإذن فلإثارة حماس الشعب المغربي في موريتانيا من جديد لقضية الوحدة الوطنية يجب أن تسود الحرية في الوطن الأم، يجب أن نكون نحن هنا أحرارا ليكون من حقنا أن ندعو إخواننا في موريتانيا إلى الحرية التي نتمتع بها".
كان موقف الاتحاد من قضية موريتانيا آنذاك يتلخص في القول إنه من غير الممكن للمغرب وهو لم ينته بعد من ترتيب علاقته مع فرنسا التي انتزع منها الاعتراف باستقلاله الذي لم يتوطد بعد أن يخوض حربا ضدها في منطقة تبعد عن مركز الثقل المغربي بآلاف الكيلومترات، بينما كانت موريتانيا قريبة من مركز ثقل الوجود الفرنسي في السنغال وتندوف. ولذلك كان من الأجدى القبول بالاستفتاء في موريتانيا ودفع حزب النهضة لخوض معركة الاستقلال من خلال الاستفتاء، حتى إذا لم يفز –وهو ما كان متوقعا- فسيكون في إمكان المغرب التعاون معه بوصفه معارضة قوية في عين المكان. ولا شك أن مسؤوليات الاستقلال ومشاكله ومطالبه ستجعل الحزب الحاكم في موريتانيا (حزب ولد دادة) يعاني من تراجعات قد تنتهي بفوز حزب النهضة في انتخابات لاحقة تحت شعار الاتحاد مع المغرب.
كان هذا النوع من "السباحة ضد التيار" هو ما كان يفرضه المنطق الوطني التقدمي المتفتح. وسيتكرر هذا النوع من السباحة ضد التيار، وبنفس المنطق، عندما اقترح كاتب هذه السطور في أواسط السبعينات من القرن الماضي وعلى صفحات جريدة الحزب التي كان يشرف عليها، تغيير استراتيجية المغرب بشأن الساقية الحمراء ووادي الذهب (الصحراء الغربية) وذلك بمنح الاستقلال الذاتي لهذه المنطقة كحل للمشكل الذي كان قد بلغ أوجه، سواء على الصعيد السياسي أو العسكري.
تلك قصة أخرى سنعود إليها بتفصيل في مقال مقبل. أما الآن فلنواصل الحديث عن موقف المغرب من ما كان يسمى بـ"قضية موريتانيا". لقد بقيت وجهة نظر الاتحاد يتيمة معزولة أمام الواقع الذي فرض نفسه بالطريقة التي شرحناها قبل. لقد قرر المغرب الرسمي تلبية طلب الوفد الموريتاني برئاسة حرمة ولد بابانا، فوافق على انتقال فصائل من جيش التحرير المغربي إلى الجنوب: فريق اتجه إلى الحدود الشرقية وقد اتخذ مقرا لقيادته مدينة أرفود بالرشيدية، وفريق آخر اتجه إلى أكادير ومنها سيتجه إلى تندوف المطلة على الأراضي الموريتانية التي كانت هي الهدف الرئيسي.
بدأ جيش التحرير بفتح باب الانخراط لأبناء الجنوب ولما أكمل استعداداته بدأ حملاته على القوات الفرنسية المرابطة قريبا من تندوف. وفي الوقت نفسه تحركت جماهير السكان بقيادة أطر الحركة الوطنية بعرقلة تحركات الجيش الفرنسي بإقليم أكادير ومحاصرة قواته في ثكناتها (فالجلاء لن يكن قد تم بعد)، وتنظيم عملية إمداد جيش التحرير بالمئونة والمتطوعين. أما الفريق من جيش التحرير الذي عسكر في أرفود ونواحيها فقد كانت مهمته القيام بمناوشات ضد القوات الفرنسية لعرقلة تحركاتها إلى تندوف من الجزائر.
لم تكن الطريق بين أكادير وتندوف تحت السيادة المغربية، بل كان معظمها تحت حكم إسبانيا (إيفني، طنطان، طرفاية، الساقية الحمراء ووادي الذهب). لقد اعتمد جيش التحرير المغربي في هذا المجال على السابقة التي وقعت في الشمال. فكما أن إسبانيا قد ساعدت المغاربة -أو على الأقل غضت الطرف- عن تأسيس جيش التحرير في المنطقة التي كانت تحكمها ضدا على فرنسا، فقد كان يعتقد أن الموقف نفسه ستقفه إسبانيا في الجنوب لنفس السبب. ومن هنا بادر قادة جيش التحرير إلى ربط الصلات مع الحاكم الإسباني في سيدي إفني والساقية الحمراء، خصوصا والمسافة من قواعد جيش التحرير إلى موريتانيا كانت نحو 700 كيلومتر. كان المغرب الرسمي وجيش التحرير يتوقعان أن ما حدث في الشمال يمكن أن يحدث في الجنوب! وهكذا غادرت قوات جيش التحرير كولميم في أكتوبر 1956 وعند وصولها إلى حدود موريتانيا لم تكن قد أنشأت لها بعد قواعد تصلح لانطلاق عملياتها العسكرية فتعرضت للانكشاف أمام القوات الفرنسية التي هاجمتها فكانت معركة خاسرة عسكريا، ولكن خلقت جوا وطنيا جديدا في موريتانيا. ولم تمر سوى أيام حتى وقعت معركة أخرى مع القوات الفرنسية في الجانب الشرقي من موريتانيا في المنطقة المجاورة لتندوف فانتصر جيش التحرير فيها وأسر ضابطا وجنودا. وأمام هذا الخطر الذي صار يهدد شعرت القوات الفرنسية في موريتانيا قررت جر إسبانيا إلى جانبها والتحالف معها. وذلك ما حصل.
هكذا حدث ما كان لا بد أن يحدث : الاصطدام مع القوات الإسبانية. لقد نظم جيش التحرير الهجوم على القوات الإسبانية في 23 نوفمبر 1957 بمنطقة سيدي إفني فحرر المناطق السبعة التابعة لمدينة إيفني كما تم تحرير كل من طنطان والسمارة وقرية أوسرد، وحوصرت القوات الإسبانية في طرفاية والعيون ووادي الذهب. وقد استمرت المعارك إلى حدود 10 فبراير 1958 وهو تاريخ الهجوم المشترك بين فرنسا وإسبانيا والمعروف بـ "إيكوفيون"(المكنسة) والذي استعملت فيه الدولتان، علاوة على السلاح الثقيل والطائرات، بعض القبائل الشيء الذي أدى إلى هزيمة جيش التحرير.
هنا دخلت الحكومتان المغربية والإسبانية في مفاوضات أدت إلى تنازل جلاء القوات الاسبانية عن المدينتين المغربيتين طرفاية وطنطان (شمال الصحراء الغربية على المحيط الأطلسي)، وفي المقابل قررت الحكومة المغربية جعل حد لنشاط جيش التحرير وإنهاء مهمته وتصفيته، وبالتالي الانتقال بقضية الساقية الحمراء ووادي الذهب (الصحراء الغربية) إلى الأمم المتحدة.