ص1     السابق

 

نص القرآن ليس موضوعا لا للتبديل ولا للنسخ ولا للمحو.

 

محمد عابد الجابري

تناولنا في المقال السابق معنى لفظ "آية" في القرآن الكريم، مؤكدين أن هذا اللفظ يدل، في جميع السياقات التي ورد فيها، على معنى العلامة أو المعجزة أو العبرة أو الحجة وما أشبه. أما لفظ "الآية" بمعنى "قطعة من القرآن" فقد بينا أنه لم يرد في الذكر الحكيم قط، وبالتالي فلا نسخ في القرآن إلا بمعنى أن الله يبدل معجزة نبي سابق أو شريعته ككل بمعجزة أو شريعة أخرى لنبي لاحق، أو ينسخ أو يمحو ظاهرة طبيعية مثل الليل ليجعل مكانها ظاهرة طبيعية أخرى مثل النهار الخ... وهذا المعنى هو المقصود بالنسخ في جميع السياقات في القرآن بما في ذلك تلك التي ورد فيها لفظ آية مقرونا بألفاظ تفيد التلاوة "نتلو، تتلى"، مثل قوله تعالى: "تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ"،  وقوله : "يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ" (الجاثية 6-8)، فالمقصود بالتلاوة هنا ليس النطق بألفاظ القرآن بل الإخبار بصنع الله ومقدوراته الخ، كما هو واضح، جلي، من سياق تلك الآيات.

هناك أربع آيات يلتمس فيها القائلون بـ "النسخ" في القرآن مشروعية هذه المقولة، ندرجها هنا حسب ترتيب نزولها وضمن سياقها لنتمكن من مناقشة مضمونها، على أساس ذلك المبدأ المثالي القائل : "القرآن يفسر بعضه بعضا". أما روايات "أسباب النزول" فسيكون لنا حديث خاص بها، فليمسك عنا أصحاب البضاعة بضاعتهم إلى حين!

- الآية الأولى من سورة النحل وهي سورة مكية تقع تحت رقم 70 في ترتيب النزول. ونصها: "وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ، قَالُوا (قريش) إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ! بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (النحل 101) . قال الواحدي في كتابه أسباب النزول : "نزلت حين قال المشركون: إن محمداً عليه الصلاة والسلام سخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً، أو يأتيهم بما هو أهون عليهم، وما هو إلا مفتر يقوله من تلقاء نفسه، فأنزل الله تعالى هذه الآية". وهذا "السبب" (سبب النزول) يكرره الواحدي نفسه، فضلا عن المفسرين، بصدد آيات أخرى تفيد "النسخ" في نظر القائلين به، وهذا ما يضعفه لأن المفروض في "سبب نزول" آية ما أن يكون خاصا بها وحدها وإلا لما صح اعتباره سببا في نزولها.

لعل هذا ما جعل القرطبي يعرض عن الرواية السابقة ليشير بصدد قوله تعالى: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ"، إلى رأي آخر، فكتب بقول:  "قيل المعنى: بدلنا شريعة متقدمة بشريعة مستأنفة"، ونحن نرى أن هذا تفسير يحتمله السياق فعلا. فالآية التي تلي السابقة وهي قوله تعالى: "قُلْ نَزَّلَهُ (القرآن) رُوحُ الْقُدُسِ (جبريل) مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (النحل 102) تشير إلى القرآن ككل، وتتكامل مع السابقة.

على أنه إذا أمكن صرف معنى "الآية" هنا إلى "الشريعة" (شريعة موسى مثلا)، كما فعل القرطبي وغيره، فلا شيء يمنع من صرفها إلى معنى "العلامة" و"المعجزة"، وهو المعنى الغالب الذي وردت فيه هذه اللفظة في القرآن. وفي هذه الحالة يكون معنى قوله تعالى : "وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ" الخ، هكذا: إذا كنا قد جعلنا العصا التي تنقلب ثعبانا علامة على صدق نبوة موسى، مثلا، فقد بدلنا هذه المعجزة بأخرى لتكون علامة على صدق نبوة عيسى، وهي منحه القدرة على الكلام إلى الناس وهو صبي في المهد. ونحن نعتقد أنه بهذا النوع من الفهم يكون المعنى أقوى، خصوصا ومجال الخطاب هنا هو الجدل مع المشركين في مكة، وليس الجدل حول التشريع.

- أما الآية الثانية التي يستشهدون بها لإثبات مشروعية القول بالنسخ في القرآن فهي من سورة الحج، وهذه السورة مصنفة في المصحف مع القرآن المدني، وهناك من المفسرين والمهتمين بترتيب النزول من يقولون إنها مكية. وتقع الآية التي تعنينا هنا ضمن سياق واحد يتألف من الآيات التاليات: "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ (مغالبين معاندين) أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ" (الحج 49-51).

 وواضح أن المقصود بـ "آياتنا" هنا ليس "قطعة" أو "قطعا" من القرآن، لأنه ثبت أن قريشا عجزت عن معارضته ومعاندته بعد أن تحداهم بالإتيان بسورة مثله، بل المقصود في رأينا هو : العلامات التي تشير إلى قدرة الله وبديع صنعه الخ، والتي تحمل الذين يتأملونها على الإيمان بالخالق الأحد، وبالبعث والثواب والعقاب، وتدفعهم إلى القيام بالعمل الصالح، مما يجعلهم يستحقون المغفرة والرزق الكريم (كما هو منصوص عليه قبل). وهذا بخلاف الذين يعاندون في وحدانية الله وخلقه العالم والبعث والحساب الخ، وذلك بإثارة أسئلة وشكوك مثل قولهم : "أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (ص 5)، وقولهم: "أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ" (الواقعة 27-48). وهذا المعنى الذي قررناه هنا تشهد له بالصحة آيات أخرى (أنظر: سبأ 1-6-38).

ومباشرة بعد آيتي سورة الحج (49-51) موضع كلامنا نقرأ قوله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" الخ (الحج 52-54).

لا مجال هنا لتفسير لفظ "ينسخ" في قوله تعالى في الآية السابقة  "فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَان" بالمعنى الذي يعطيه القائلون بالنسخ في القرآن لهذه الكلمة. ذلك أن معنى "ينسخ" هنا هو : "يمحو"، أي يضع حدا لمشاعر من التمني كانت تدور في وجدان النبي عليه السلام من حين لآخر، وأساسها تشوقه إلى أن يؤمن به قومه قريش. وسياق الآيات أعلاه يشير بوضوح إلى أن النبي قد خطر له –هنا- كما حدث في مناسبات أخرى، تلبية بعض مطالب قريش التي طرحوها عليه في إطار مساوماتهم التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة. وقد نزلت في ذلك آيات أخرى مثل قوله تعالى: "وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا. وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا. سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا" (الإسراء 73-77).

 واضح إذن أن معنى قوله تعالى في سورة الحج "أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ"، يشرحه ما ورد أعلاه في سورة الإسراء: الله يمحو التمنيات التي تخطر على قلب النبي أثناء دعوته لقريش وتلويحهم له بإمكانية اتباعهم له إذا هو فعل كذا أو قال كذا. وبهذا المحو للتمنيات التي من شأنها إيقاع الفتنة (والفتنة من الشيطان) تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي وتستمر الدعوة في دربها المحكم الذي وضحته آيات سابقة، فيكون هذا المحو بمثابة إحكام جديد لمنهج الرسالة وأدلتها ومقاصدها. فالنسخ والإحكام لا يعودان هنا إلى ألفاظ هذه الآية (القرآنية) أو تلك، بل يعودان إلى مسار الدعوة المحمدية، إلى سيرورتها الفعلية المقررة في محكم الكتاب. (وللمقال صلة).