محمد عابد الجابري
يندرج الوضع التاريخي للصحراء المغربية تحت ظاهرة عامة ترجع إلى بدايات القرن الخامس عشر الميلادي حين دشنت كل من البرتغال وإسبانيا، متنافستين، حركة التوسع الاستعماري متجهة صوب الشواطئ المغربية على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، مباشرة بعد سقوط الأندلس. ومنذ ذلك الوقت أضحت معظم المدن الشاطئية المغربية، شمالا وغربا، هدفا للتوسع الاستعماري الأوروبي نجح المغرب في مقاومته ورد الغزاة على أعقابهم مرات كثيرة إلى أن تكالبت عليه الدول الاستعمارية في القرن التاسع عشر متنافسة، ثم متراضية بعد أن تفاهمت واتفقت على تقسيم الأقطار التي تتنافس عليها في إفريقيا، مما كانت نتيجته أن بات المغرب من نصيب فرنسا (ومعها إسبانيا) الشيء الذي كرسته معاهدة الحماية المبرمة بين السلطان عبد الحفيظ ووزير خارجية فرنسا عام 1912.
اعتبرت كل من فرنسا وإسبانيا أن معاهدة الحماية تخص فقط الأراضي المغربية التي كانت تحت سيادة السلطان حين توقيعها. أما الجانب المغربي وبالتخصيص السلطان عبد الحفيظ ومخزنه فليس واضحا ما إذا كان قد طرح قبل توقيع معاهدة الحماية الحدود التاريخية للمغرب أو لا. وكيفما كان الحال فقد كان لثورة المغاربة ورفضهم لهذه المعاهدة، ثم لتنازل السلطان عبد الحفيظ عن العرش محتجا على كون فرنسا تتصرف كدولة محتلة وليس طبق معاهدة الحماية، أن أصبحت قضية الاحتلال الاستعماري للمغرب مسألة واحدة في نظر المغاربة: لا فرق في ذلك بين الأراضي التي سبق لفرنسا أن احتلتها شرقا (مثل تندوف وتوات وكولومب بشار والقنادسة الخ) وضمتها لإدارتها في مستعمرتها الجزائر، والأراضي التي اقتطعتها من المغرب جنوبا (شنقيط =مريتانيا) وجعلتها مستعمرة مرتبطة بمستعمرتها السينغال والسودان الغربي (مالي)، ولا بين الأراضي التي كانت تحتلها إسبانيا شمالا (سبتة ومليلية) وجنوبا (طرفاية وإيفني وطنطان والساقية الحمراء ووادي الذهب)، والأراضي التي أخذت كل من فرنسا وإسبانيا تحتلها بموجب معاهدة الحماية.
ولم تكن هذه الرؤية التي يتحدد فيها المغرب، في نظر أهله ووجدانهم ومؤرخيهم، بحدوده التاريخية الممتدة إلى نهر السينغال وتمبكتو ، مبنية على مجرد الذاكرة أو العاطفة، بل كان ذلك مؤسسا على استمرار المقاومة. فمنذ بداية القرن العشرين والمقاومة الشعبية المغربية تتصدى للاحتلال جنوبا وشمالا. وكانت "ثورة" السلطان عبد الحفيظ على أخيه عبد العزيز داخلة هي الأخرى في هذا الإطار أو على الأقل استمدت شرعيتها من الانخراط في عملية مقاومة الاحتلال الأجنبي.
هذا جانب، وهناك جانب آخر لابد من إبرازه لفهم التطورات التي حصلت، ويتعلق الأمر باستمرار التنافس بين فرنسا وإسبانيا حتى بعد توقيع معاهدة الحماية واستلام إسبانيا المنطقة الشمالية بموجب هذه المعاهدة. كانت إسبانيا (هي والبرتغال) سباقة إلى التوسع الاستعماري منذ بدايات القرن الخامس عشر كما ذكرنا، ولكن تضاءل شأنها أمام كل من فرنسا وإنجلترا اللتين تقدمتا عليها تقنولوجيا وبالتالي اقتسمتا العالم فيما بينهما ولم تتركا لإسبانيا في القارة الإفريقية إلا "الفتات". ومن الطبيعي والحالة هذه أن يبقى في "نفس" إسبانيا شيء ضد فرنسا التي هيمنت على المغرب جارها هيمنة تضاءل معها الوجود الإسباني في المنطقة الشمالية التي كانت تديرها إسبانيا، طبقا لمعاهدة الحماية، باسم سلطان المغرب ممثلا في خليفته في تطوان.
كان من جملة ردود الفعل الإسبانية على الهيمنة الفرنسية عدم اعترافها بعزل الملك الوطني محمد الخامس وتنصيب آخر مكانه فأعلنت أن خليفة السلطان الشرعي في تطوان –عاصمة منطقة حكمها- هو الخليفة لمحمد الخامس. ليس هذا وحسب بل لقد جعلت إسبانيا من راديو "درسة تطوان" الذي تشرف عليه –كما كانت فرنسا تشرف على (راديو ماروك بالرباط)- جعلت منه صوتا مناصرا للوطنية المغربية، كما سمحت لحزب الإصلاح في منطقتها بالتحرك ضد السياسة الفرنسية فأصبح امتدادا علنيا (بعد أن كان سريا) لحزب الاستقلال قائد الحركة الوطنية بالمنطقة الفرنسية.
ليس هذا وحسب بل لقد فتحت إسبانيا باب اللجوء السياسي أمام رجال حركة المقاومة التي قامت في "المنطقة الفرنسية" غداة نفي محمد الخامس، فكان المقاومون الذين ينكشف أمرهم يهربون إلى المنطقة الشمالية وإلى إيفني جنوبا (التي كان تحت الإدارة الإسبانية)، وأكثر من ذلك سمحت لهؤلاء المقاومين اللاجئين بتأسيس جيش التحرير تحت مسمعها ومرآها في تطوان كما كان الذين قصدوا إيفني من المقاومين المغاربة ينشطون في تزويد المقاومة بالسلاح وفي تنظيم المقامة الشعبية للوجود الفرنسي في المناطق الجنوبية من المغرب. أضف إلى ذلك أن "مركز الاتصال" والتزويد بالسلاح من الخارج كان في مدريد بعلم من السلطات الإسبانية.
أعتقد أننا الآن في وضع يمكننا من الجواب عن سؤال قلما يطرح مع أنه أساسي في فهم التطورات اللاحقة التي عرفتها قضية الصحراء المغربية! هذا السؤال يمكن صياغته كما يلي: لماذا اتجه المغرب عند بداية الاستقلال إلى المطالبة بموريتانيا ولم يتجه أولا إلى تحرير المناطق الجنوبية الشاطئية التي تفصله عنها : إيفني، طرفاية، طنطان، وبالخصوص الساقية الحمراء ووادي الذهب (الصحراء الغربية حاليا)، وهي المناطق التي لابد من المرور عبرها إلى موريتانيا!؟
فعلا إنها مفارقة شبيهة بتلك التي تحكى عن جحا حينما سئل "أين أذنك؟" وأشار إلى أذنه اليسرى بيده اليمنى! (وقد ينتج عن ذلك حجب النظر بالذراع!). إنها مفارقة تاريخية فعلا، كما يبدو لنا الأمر الآن! غير أن المفارقات التاريخية كثيرا ما تكون في وقتها خططا سياسية مقصودة، وفي كثير من الأحيان معقولة ومبررة! وفي الفقرة التالية "شيء" من البيان.
كانت الحركة الوطنية في المغرب على صلة بسكان الأقاليم الجنوبية التي وضعتها فرنسا خارج معاهدة الحماية, ومنها تندوف وإقليم شنقيط (موريتانيا) الذي يليها. ومعلوم أن السلطات الفرنسية لم تضم إقليم تندوف إلى إدارتها في الجزائر إلا في أواخر الأربعينات، وكان هذا الضم بدوافع اقتصادية واستراتيجية. أما موريتانيا فقد كانت مستعمرة فرنسية ولكنها ظلت على صلة بالمغرب منذ القدم، وقد تكفي الإشارة إلى أن المؤسسين للدولة المغربية –بعد إمارة الأدارسة- هم المرابطون الملثمون وهم من الصحراء الجنوبية التي تمتد إلى السودان (السينغال ومالي حاليا) أي من موريتانيا الحالية. ومعروف أن الملك المغربي أحمد المنصور السعدي قد فتح السودان في أوائل القرن السادس عشر. وقد بقي هذا الإقليم تابعا للمغرب، يحكمه باشاوات وكاهيات إلى سنة 1893، سنة احتلال فرنسا لتك المنطقة.
كان المغرب حاضرا إذن في المناطق الصحراوية التي تمتد إلى النيجر، حضورا معنويا تارة وفعليا تارة أخرى، وهذا نتج عنه أمران: فمن جهة كانت حدود المغرب تمتد، على صعيد الذاكرة الحية، إلى ما وراء نهر السينغال، ومن جهة أخرى كان سكان الصحراء إلى السينغال مرتبطين بالمغرب دينيا (البيعة، الخطبة باسم ملك المغرب، الطرق الصوفية، الخ)، وسياسيا وعاطفيا وتجاريا، لأنه لم يكن ينافس المغرب على هذه الناحية غير الأجنبي الأوربي ( الاستعمار الفرنسي).
وكما كان لثورات الأقاليم الجنوبية وثورات الريف والأطلس أصداء واسعة في مختلف ربوع الصحراء كان لإقدام فرنسا على عزل الملك الشرعي محمد الخامس صدى كبيرا في المناطق الصحراوية عموما. وكان ذلك منطلقا لنشأة حركة وطنية في موريتانيا ذات توجه مغربي عربي إسلامي ضدا على حركة أخرى أنشأتها فرنسا. وعندما أعلن استقلال المغرب كان على رأس الحركة الأولى (حزب النهضة) المرحوم حرمة ولد بابانا وعلى رأس الحركة الأخرى المضادة والمنافسة حزب المختار ولد دادة الذي كان عضوا في البرلمان الفرنسي ومواليا للسياسة الفرنسية.
كان من الطبيعي أن تتوافد الوفود الصحراوية من موريتانيا وغيرها على الرباط عند إعلان الاستقلال للتهنئة وتأكيد الولاء للمغرب. وكان أهم وفد هو الوفد الموريتاني برئاسة حرمة ولد بابانا الذي قدم ليس للتهنئة وحسب بل لإعلان ولاء الشعب الموريتاني للمغرب وملكه وطلب المساعدة لتأسيس جيش للتحرير لمقاومة الوجود الفرنسي في موريتانيا والصحراء. لم يكن من الممكن أن يرفض محمد الخامس تجديد البيعة له من أهل شنقيط ولم يكن من الممكن أن تتغاضى الحركة الوطنية عن مبادرة أهل شنقيط. وهكذا تبنى حزب الاستقلال قضية موريتانيا. وعندما أعلن الجنرال دوكول عن تنظيم استفتاءات في الأقطار الإفريقية التي تستعمرها فرنسا لتقرير مصيرها والاختيار بين الانفصال عن فرنسا أو الاستقلال مع الارتباط بفرنسا، هب المغرب ملكا وحكومة وشعبا يطالب رسميا ودوليا بموريتانيا بوصفها أرضا مغربية لا ينطبق عليها ما ينطبق على المستعمرات الفرنسية الإفريقية. لقد كان هناك إجماع وطني على هذا الاختيار الذي كان يفرض نفسه.