الكليات والجزئيات ... بدل العموم والخصوص
محمد عابد الجابري
كان الشاطبي يطمح إلى الارتفاع بـ"علم أصول الفقه" من مستوى "العلم" الذي تندرج تحته العلوم البيانية (نحو، فقه، كلام، بلاغة) إلى مستوى العلوم البرهانية التي تتعامل مع الكليات وتعتمد البرهان وتطلب اليقين (كالطبيعيات). والانتقال من المستوى الأول إلى المستوى الثاني يستلزم الانتقال من الزوج اللغوي البياني: "العام والخاص"، إلى الزوج المنطقي البرهاني: "الكلي والجزئي". ذلك أن مفهوم "العام"، في اصطلاح الأصوليين يحيل إلى اللفظ، فالمقصود هو "عموم اللفظ"، كما أن مفهوم "الخاص" يحيل إلى خصوص السبب (إلى "النازلة" : سبب النزول). وبهذا الانتقال إلى مستوى "الكلي والجزئي" يصبح للقاعدة الأصولية "الاعتبار لعموم اللفظ لا لخصوص السبب" وضع آخر! وسنرى فيما بعد كيف يتعامل الشاطبي معه. أما الآن فعلينا أن نتتبع الشاطبي في مشروعه الانتقال بـ"أصول الفقه، وبالتالي بـ "فهم القرآن"، إلى مرتبة المعرفة البرهانية.
يبدأ الشاطبي بتقرير شروط العلم البرهاني وبيان كون الشريعة تستجيب لها. هذه الشروط هي :
(1) "العموم والاطراد": وأحكام الشريعة في نظره تتصف بهما، فهي جارية "في أفعال المكلفين على الإطلاق": إما على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم، فهي عامة لجميع جهات الحكم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فأحكام الشريعة لا تخص زمانا دون زمان ولا مكانا دون مكان ولا حالا دون حال، وهذا هو معنى الاطراد. وإذا كانت هناك استثناءات فهي رخص من الشريعة نفسها، لا من خارجها.
(2) "الثبوت من غير زوال"، والشريعة ثابتة لا تتغير! فمنذ أن كملت لم يعد فيها مجال للنسخ ولا لرفع حكم من الأحكام، "بل ما أثبِت سببا فهو سبب أبدا لا يرتفع، وما كان شرطا فهو شرط، وما كان واجبا فهو واجب أبدا، أو مندوبا فهو مندوب، وهكذا جميع الأحكام، فلا زوال لها ولا تبدل".
(3) "كون العلم (=المعرفة اليقينية) حاكما لا محكوما عليه"، وهذا معناه بالنسبة لعلم الشريعة أنه مفيد لعمل (عبادة) يترتب عليه ما يليق به، فلذلك انحصرت علوم الشريعة فيما يفيد العمل أو يصوب نحوه لا زائد على ذلك، ولا تجد في العمل (العبادات) أبدا ما هو حاكم على الشريعة".
ولما كانت الشريعة تتوافر فيها شروط العلم البرهاني تلك، فهي تفيد القطع، وليس مجرد الظن. ذلك أنها وإن كانت "وضعية" (أي تكليف وضعها الشارع)، بمعنى أنها ليست معرفة عقلية مجردة، فإن الوضعيات قد تجاري العقليات في إفادة العلم القطعي، خصوصا عندما يكون العلم المستفاد منها مبنيا على الاستقراء العام، الناظم لأشتات الجزئيات حتى تصير في العقل مجموعة في كليات مطردة عامة، غير زائلة ولا متبدلة وحاكمة غير محكوم عليها، مثل الكليات العقلية. وأيضا فإن الكليات العقلية مقتبسة من الوجود (الطبيعة) وهو معطى وضعي لا عقلي (=الوجود ليس من إنشاء العقل بل هو معطى للعقل) فاستوت مع الكليات الشرعية بهذا الاعتبار".
كيف يمكن الحديث عن "الكلي" في الشريعة، ونحن نعلم أنها عبارة عن أحكام تخص جزئيات معينة كأحكام العبادات من صلاة وصيام وزكاة الخ، وأحكام المعاملات من زواج وبيوع الخ؟ يجيب الشاطبي انطلاقا من فهم عميق للعلاقة الجدلية بين الكلي والجزئي فيقول : "إن تلقي العلم بالكلي إنما هو من عرْض الجزئيات واستقرائها (الكلي نحصل عليه بالتجريد من الجزئيات)، فالكلي من حيث هو كلي غير معلوم لنا قبل العلم بالجزئيات، ولأنه ليس بموجود في الخارج (خارج الذهن) وإنما هو مضمن في الجزئيات (مثل مفهوم الإنسان نُجرِّدُه من زيد وعمرو...). وأيضا فإن الجزئي (زيد) لم يوضع جزئيا إلا لكون الكلي (مفهوم الإنسان) فيه على التمام وبه قوامه". وهكذا، فلما كنا في العقليات نستخلص الكلي من استقراء الجزئيات كلها أو أكثرها، فلماذا لا نفعل ذلك في النقليات، وستكون لدينا حينئذ "كليات شرعية"، توازن "الكليات العقلية"، أي لها نفس الخصائص.
صحيح أن الكليات العقلية تؤسسها مبادئ العقل (مبدأ السببية، مبدأ عدم التناقض الخ)، ولكن صحيح أيضا أن الكليات الشرعية لها هي الأخرى ما يؤسسها، إنه "قصد الشارع". فكل حكم جزئي من أحكام الشريعة إلا وهو يحمل معه معنى الكلي، أي قصد الشارع منه، وقد علمنا، باستقراء أحكام الشريعة، أن مقصد الشارع منها هو مصالح الناس. "وإذا دل الاستقراء على هذا وكان في مثل هذه القضية مفيدا للعلم فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة"، وبالتالي فجزئيات الشريعة تنتظمها كلها كليات هي مقاصد.
وإذا نحن استقرينا مقاصد الشارع وجدناها أربعة أنواع :
1- أما النوع الأول فيقع تحت القاعدة الكلية التالية، وهي أن الشريعة إنما وضعت لحفظ مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وهذه المصالح ثلاثة : ضروريات وحاجيات وتحسينيات. أما الضروريات فهي خمسة: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل. وأما الحاجيات فهي ما يا يحتاج إليها في التوْسعة ورفع الحرج والمشقة، مثل الترخيص للمسافر بالإفطار في نهار رمضان بسبب ما يلحقه من المشقة. وأما التحسينيات "فمعناها الأخذ بمكارم الأخلاق.
- وأما النوع الثاني من مقاصد الشارع فيتمثل في كون الخطاب الشرعي موضوع كي يفهمه المخاطَبون، وبما أن شريعة الإسلام قد نزلت باللسان العربي، فعلى أسلوب العرب ومعهودهم يجب أن تُفهم. وعلى هذا تنبني جملة قواعد، منها "أنه ليس كل العلوم (المعارف) لها أصل في القرآن كما زعم كثير من الناس"، بل فقط ما كان يدخل في معهود العرب.
- وأما النوع الثالث من مقاصد الشرع فهو أن الشريعة وضعت للتكليف، ومن ثمة فالمعرفة بشروط التكليف ومجالاته أمر ضروري.
وأما النوع الرابع فهو "إخراج المكلف من داعية الهوى"، أي تحريره من سيطرة الهوى عليه. وهذا لا يعني إخراجه من دائرة العوائد، فالعوائد معتبرة للشارع وهي كليات وجزئيات. العادات الكلية مطردة قطعا، لا تختلف حسب العصور. ولذلك يُقضَى بها على الماضي والمستقبل، بخلاف العوائد الجزئية التي تختلف باختلاف الزمان والمكان.
كيف ثبتت هذه الأنواع الأربعة من الكليات؟ هل بالعقل المجرد (وهذا لا مدخل له هنا)، أم بنص شرعي قطعي؟ الجواب لا،.بل دليل ذلك استقراء الشريعة والنظر في أدلتها الكلية والجزئية وما انطوت عليه من الأمور العامة، على غرار "الاستقراء المعنوي" الذي لا يثبت بديل خاص بل تشهد له أدلة متعدد، ينضاف بعضها إلى بعض، من جهات متباينة، بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة.
ليكن ذلك! ولكن هل جميع الأحكام الشرعية موضوع الاستقراء تحقق هذه المقاصد؟ ألسنا نجد أشخاصا يعودون مرات متكررة إلى الإتيان بأعمال منافية لمصالح الدين والدنيا رغم أنهم قد طبق عليهم العقاب المنصوص عليه بحكم شرعي؟ الجواب : إذا ثبت الأمر الكلي، فتخلَُّف بعض الجزئيات عن مقتضاه لا يخرجه عن كونه كليا. وأيضا فإن الغالب الأكثري (الذي يعطيه الإحصاء) مُعتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي، لأن المتخلِّفات الجزئية (أو الاستثناءات) لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت! ويضيف الشاطبي : "هذا شأن الكليات الاستقرائية (الإحصائية)، فهي تبقى صحيحة وإن تخلف عن مقتضاها بعض الجزئيات. ذلك أن الجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها راجعا لأمور خارجة عن مقتضى الكلي فلا تكون داخلة تحته أصلا، أو تكون داخلة لكن لم يظهر لنا دخولها، أو داخلة عندنا لكن عارضها على الخصوص ما هي أولى به. وبالجملة فـ "تخلف آحاد الجزئيات عن مقتضى الكلي إن كان لغير عارض، فلا يصح شرعا. وإن كان لعارض، فذلك راجع إلى المحافظة على ذلك الكلي من جهة أخرى، أو على كلي آخر.
من هنا ضرورة اعتبار الجزئيات بكلياتها والكليات بجزئياتها عند التطبيق. "فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة فلا بد من الجمع في النظر بينهما، لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد، إذ كلية هذا معلومة ضرورة بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة".
وبناء عليه فلا تعارض بين عموم اللفظ وبين خصوص السبب، فكل منهما اعتباره! ويبقى بيان ذلك بشيء من التفصيل.