ص1      الفهرس     41-50

التنظيمات السياسية

ومسألة التواصل السياسي للانتخابات

محمد الأسعد

التنظيمات السياسية هي الأحزاب والهيئات السياسية التي تؤطر أفرادا يتقاسمون إيديولوجية واحدة. ومن أهم خصائصها استمرارية التنظيم والرغبة في ممارسة السلطة والبحث عن مساندة شعبية[1]. وتلعب الأحزاب وظائف محددة أهمها تأطير وتوجيه الرأي العام وانتقاء المنتخبين وتأطيرهم، علاوة على وظائف المراقبة والتوجيه للأجهزة الحزبية الفرعية وتحديد المواقف السياسية. وترتبط الوظائف السالفة الذكر بنوعية البيئة التي يعمل فيها الحزب، أهمها الثقافة السياسية السائدة لدى المناضلين[2] وعامة أفراد المجتمع ومدى استيعابهم لقواعد اللعبة السياسية التي تتأثر بالإيديولوجية الحزبية والدستور ونظام الانتخابات. وينضاف إلى ذلك البيئة الثقافية في المجتمع ونوعية البنيات الاقتصادية والاجتماعية.

تمارس التنظيمات السياسية التواصل السياسي للانتخابات لإخبار الناخبين بالاستراتيجية المزمع اتباعها[3] في حالة ممارسة السلطة وذلك بهدف كسب مساندتهم. التواصل السياسي للانتخابات يرتكز على أسس وتتحكم فيه محددات مكانية ومجتمعية، علاوة على تدخل السلطة الحاكمة.

1 ـ أسس التواصل السياسي للانتخابات:

يعتمد التواصل السياسي للانتخابات على خمسة أسس وهي المرسل للمعلومات السياسية والخطاب السياسي والمستقبل له وقنوات التواصل السياسي والنتائج المتوقعة. ويتضح أن هذه الأسس تستمد مرجعيتها النظرية من النموذج السلوكي الذي ثبتت فاعليته التواصلية بصفة عامة والمتعلقة بالانتخابات بشكل أساسي.

                       النموذج الخطي للتواصل السياسي الانتخابي

 

المرسل للبلاغات                              التنظيمات السياسية

 

التنظيمات السياسيةالخطاب السياسي                              البرنامج الحزبي

 

المستقبل للخطاب                             مجتمع الناخبين

 

قنوات التواصل                                وسائل إعلام، اتصال شخصي مباشر

 

النتائج المتوقعة                               كسب مساندة الناخبين

 

تعد الأحزاب السياسية المرسل الأساسي للمعلومات السياسية في الانتخابات زيادة على أفراد لا ينتمون إلى هيئة معينة. وتعكس البرامج السياسية مضمون الخطاب السياسي، إلا أنها تطرح إشكالية كبرى تتمثل في مدى استيعاب المرسل للمشاكل المجتمعية والوعي بها اعتمادا على دراسات وأبحاث. لا شك أن استيعاب المشاكل المجتمعية ذو أهمية بالغة لأن مضمون الخطاب السياسي للانتخابات يعطي فكرة تقريبية عن مشروع التدبير المجتمعي لدى الأحزاب السياسية. أما المستقبل لمضمون الخطاب السياسي فيمكن تصنيفه إلى ثلاث فئات. وهي: المستجيب واللامبالي والمحايد. ويقتصر نجاح الحملة الانتخابية على استقطاب هذه الفئات الثلاث والتركيز على الفئتين الأخيرتين. ولا يعني ذلك أن فئة المستجيب للتواصل السياسي تسلك موقفا إيجابيا، بل تقوم بعملية الانتقاء السياسي المبني أساسا على عوامل عدة أهمها الجنس، إذ تبين أن مواقف الناخبين الذكور تختلف عن مواقف الإناث. ويتأثر هذا الاختلاف أيضا بالانتماءين الاجتماعي والسياسي. وإذا تم ضبط المتغيرات فإن الخطاب السياسي يستقبل على نحو أفضل. أما فئة الناخبين اللامبالين فإن مواقفهم تخضع لتقلبات ظرفية لا تحددها ضوابط معينة يتطلب توجيهها المتابعة والمراقبة الدقيقة لهذه الظرفية والتعامل معها حسب خصوصيتها المحلية. وقد يؤدي إهمال هذه الفئة إلى تغيرات مفاجئة لنتائج الانتخابات. أما الفئة المحايدة فهي شريحة المواطنين غير الناخبين ولا يعني ذلك أنها لا تؤثر على التواصل السياسي، بل إنها تحدث تأثيرات بطرق شتى أهمها التوجيه بواسطة التجاوز، بل يمكن الاعتماد على محايدين لدعم إبلاغ الخطاب السياسي وانتشاره. ويتوقف نجاح التفاعل بين المرسل للخطاب السياسي والمستقبل له على نوعية قنوات التواصل السياسي وهي متعددة:

سمعية (راديو) وبصرية (تلفزة وملصقات) ومكتوبة (مجلات وجرائد…) وشفوية مثل التجمعات الجماهيرية الكبرى أو الصغرى أو الحوار المباشر مع المواطنين والناخبين. وتعد قنوات التواصل الشفوية أكثر تأثيرا على الجماهير إلا أنها تتطلب دراية بمجتمع الناخبين إذ يمكن التمييز بين شكل الخطاب الموجه للنخبة ونظيره الموجه لعموم الناخبين…

وبناء على الأسس الأربعة للتواصل السياسي يمكن استطلاع ردة فعل الناخبين قبيل وأثناء الحملة الانتخابية بمقاييس ووسائل أصبحت عالمية لدى المجتمعات عريقة الديمقراطية. إلا أنه من الصعب الاعتماد عليها لترقب نتائج الانتخابات بالبلدان حديثة العهد بالديمقراطية، وتتأثر أسس التواصل السياسي للانتخابات بمحددات المكان والمجتمع والسلطة.

2 ـ المحددات المكانية للتواصل السياسي للانتخابات:

ترتبط المحددات المكانية باختيار توطين الخطاب السياسي وانتشاره. ويمكن تصنيف أمكنة التواصل السياسي إلى أمكنة مركزية وأخرى هامشية تلعب دور استقطاب وانتشار الخبر السياسي ويختلف تأثيرها حسب المجالات الحضرية ونظيرتها الريفية.

أما أمكنة التواصل السياسي المركزية فهي التي تنظم فيها تجمعات جماهيرية كبرى وتتوقف فاعليتها على تسخير إمكانات مادية وبشرية كبيرة لتعبئة الجماهير واستقطابها وتعد مقياسا هاما لنجاح انطلاقة الحملة الانتخابية، إلا أنه من الصعب قياس تأثيرها على الناخبين. وتتنوع الأمكنة المركزية بتنوع المجالات. ومن تم فإن مفهوم المكان المركزي لا يرتبط بالمعنى الهندسي، ولكنه يرتبط أساسا بنفوذ الهيئات السياسية في مجال معين ولدى فئات اجتماعية معينة. ولهذا يرتبط مفهوم المكان المركزي بالمحتوى السياسي والاجتماعي. أما أمكنة التواصل الهامشية فإنها لا تقل أهمية عن نظيرتها المركزية، وهي التي تنظم فيها تجمعات جماهيرية صغرى –أو حوارات مباشرة مع المواطنين. وتتمثل أهميتها في أنها تعد الفرصة الحقيقة لنشر البرنامج الانتخابي، ومؤشرا لقياس ردة فعل الناخبين اليومية، شريطة اعتبار تجانس الأمكنة في استخلاص النتائج في علاقتها بالمحددات المجتمعية.

3 ـ المحددات المجتمعية للتواصل السياسي للانتخابات:

ترتبط المحددات المجتمعية بالبيئات الاقتصادية والسياسية والثقافية والسلوكية في إطار المحددات المكانية السالفة الذكر. تولد البيئة الاقتصادية فئات اجتماعية شديدة التفاوت حيث يتحدد موقف الفرد من التواصل السياسي حسب موقعه في السلم الاجتماعي. إلا أنه من الصعب تقنين العلاقة بين تأثير الفئات الاجتماعية والتواصل السياسي للانتخابات لأنها تختلف حسب الأمكنة وحسب المجالات الحضرية والريفية. لا بد من الإشارة إلى أن التواصل السياسي لا يمكنه أن يكون فعالا إلا إذا أخذ في اعتباره نوعية الفئات الاجتماعية[4]. وتعد اللوائح الانتخابية إحدى المصادر الأساسية للتعرف عليها اعتمادا على المهنة وذلك في حالة غياب بيانات وافية وآنية عن مختلفة الفئات الاجتماعية موزعة حسب نوعية الأمكنة. أما البيئة السياسية للمحددات الاجتماعية فهي انتماء الناخبين للهيئات السياسية. يعد هذا العامل الوجه الحقيقي للتواصل السياسي للانتخابات لأنه قاعدة الهيئات السياسية لنشر برامجها والانضباط لمقرراتها. ويمكن الجزم أنه كلما كانت الهيئات السياسية مندمجة مع السكان وجدت تجاوبا إيجابيا لنشر التواصل السياسي وكانت نتائج الانتخابات إيجابية أيضا. وتؤثر البيئة الثقافية على المحددات الاجتماعية للتواصل السياسي بطرق شتى أهمها المستوى التعليمي. لا شك أن النخبة تلعب دورا قياديا في التواصل السياسي على مستوى الاستقطاب والانتشار، إلا أن هذه النخبة غالبا ما تستغل موقعها الثقافي لأغراض خاصة أو أنها لا مبالية ولا سيما بالبلدان حديثة العهد بالديموقراطية. ويلعب انتشار التمدرس دورا أساسيا لدى الناخبين في استيعاب البرنامج الانتخابي للهيئات السياسية. ومن ثم ضرورة التعرف على مجتمع الناخبين حسب مستويات التمدرس. ولا تقل البيئة السلوكية أهمية عن البيئات السالفة للمحددات الاجتماعية للتواصل السياسي، لأنها ترتبط بمواقف الناخبين حسب مستوياتهم العمرية مما يتطلب معرفة دقيقة بالهرم العمري لمجتمع الناخبين.

4 ـ محددات السلطة بين الحياد والفساد والسياسي للانتخابات:

تتفق جل المعاجم على أن الحياد هو عدم الميل إلى أي طرف من الأطراف في إبداء موقف معين. أما الفساد فهو التلف والعطب، إلا أن المقصود بالحياد والفساد، ليس المعنى اللغوي ولكن المعنى السياسي أي الحياد السياسي والفساد السياسي وأثرهما على التواصل السياسي للانتخابات. ويبدو أن الفساد السياسي هو نقيض الحياد السياسي. ولهذا فإن تحليل الفساد السياسي سيبين لنا جوانب عدة لما ينبغي أن يكون عليه الحياد السياسي للسلطة. نفترض أن هناك علاقة "طردية" بين الفساد السياسي وإحجام الناخبين عن المشاركة في الانتخابات مما يؤثر سلبا على تحديث المجتمع ومشاركته في تدبير شؤونه العامة بواسطة السياسة (برلمان أو مجالس جماعية). ما المقصود بالفساد السياسي في الانتخابات؟ ليس هناك تعريف لمفهوم الفساد فهو ظاهرة مركبة ذات أبعاد قانونية تتمثل في تعطيل مسلسل الديمقراطية[5]، بانتهاك بعض القواعد أو الضوابط الرسمية التي تقنن التواصل السياسي الانتخابي من طرف موظفي وأعوان السلطة. ويتم هذا الانتهاك بطرق شتى من طرف السلطة أهمها: الضعف المؤسسي واستبداد السلطة. يتمثل الضعف المؤسسي في شلل الأجهزة القانونية لمتابعة الخروقات السياسية للانتخابات أو تعطيلها لمسطرة المتابعة. أما استبداد السلطة فهو احتكار أشخاص يحتلون موقع السلطة عملية التوجيه السياسي لصالح فرد معين أو هيئة سياسية معينة بهدف حصولهم على رشاوى. ويعني الاستبداد السياسي في الانتخابات أيضا تدخل الجهاز الحاكم نفسه بطرق شتى، أهمها تشويه التواصل السياسي ضدا على القوى الديموقراطية حتى لا تشكل جماعة ضاغطة، وتشتيت التحالفات الديموقراطية، وخلق تحالفات بديلة تخدم مصالح الجهاز الحاكم، وعدم التزام الحياد أثناء عملية الانتخابات، والميل إلى طرف معين من الخصوم السياسيين على حساب أطراف أخرى.

خلاصة:

إذا كانت أسس التواصل السياسي للانتخابات متفاعلة ومترابطة مع المحددات المشار إليها فإن النتائج ستكون منسجمة مع الأهداف. فإذا كانت الأهداف تتوخى قيادة المجتمع بالإكراه وسلبه إرادته في التعبير الحر والنزيه فهي تندرج في إطار التواصل السياسي الاستراتيجي أو الإقناع بالإكراه.

وإذا كانت الأهداف تتوخى تحديث المجتمع وتنميته ومنحه الفرصة ليعبر عن إرادته الحرة والنزيهة فهي تندرج في إطار التواصل السياسي الواعي والعقلاني أو الإقناع الحرn

 



[1]  - Schwartzenberg, R.G., 1994, Sociologie politique, Montchrestien, Paris, pp.395-396.

[2] - الأسعد (محمد)، 1997: الثقافة السياسية للمنتخبين وتنظيم المجال السياسي المحلي بالمغرب، دراسة في الجغرافيا السياسية، مجلة أمل، العدد 10/11، السنة الرابعة، ص204-211.

[3]  - Sfez, L., 1993 : Dictionnaire critique de la communication, PUF, Paris, p1340.

[4]  - Sanguin, A.L., 1977 : La géographie politique, PUF, Coll. Le géographe, p.131.

[5] - إكرام (بدر الدين)، 1993: ظاهرة الفساد السياسي، الفكر العربي، العدد 71، السنة الرابعة عشرة، ص25-48.