ص1       الفهرس  61-70

 

الكوميديا (الهجاء) بين  أرسطو وابن رشد

عبد الرحيم وهابي

 

1- الكوميديا عند أرسطو (واقع الغياب ووهم التأسيس)

       "وقد بحثنا في أمر المضحك على حدة في كتاب فن الشعر"1. و "قد ذكرنا في كتاب الشعر كم هي أنواع الدعابات، وبعضها يليق بالإنسان الكريم وبعضها الآخر لاتليق به"2.

       هكذا يحيلنا أرسطو فيما يخص الملهاة على ما أنجزه في (فن الشعر)، غير أننا حين نعود إلى الكتاب المحال عليه لا نظفر بإنجاز لهذا الوعد، الأمر الذي أدى إلى تضليل النقاد عبر تاريخ القراءات التي خضع لها الكتاب، وهم يحاولون إعادة استحضار الجزء الضائع المتعلق بالملهاة.

وقد انبنى هذا الاستحضار على العناصر التالية :

       أ - استنطاق الإشارات القليلة الواردة في الجزء المتبقي من فن الشعر، والتي تحيل على بعض ملامح الملهاة.

       ب - استنطاق مؤلفات أرسطو الأخرى، الأخلاق - السياسة - الخطابة...إلخ. حيث توجد في بعض جوانبها مناقشة أرسطو للهزلي والمضحك والانفعالات المرتبطة بهما.

       ج - تحليل بعض الكوميديات اليونانية المتبقية، خاصة تلك التي كتبها (أرستوفانيس)، من أجل استخلاص بعض آليات اشتغال النص الكوميدي، وذلك على افتراض أن أرسطو أخذها بعين الاعتبار في حديثه عن الملهاة، مثلما أخذ التراجيديات في تأسيس خطابه عن المأساة.

أما ما يمكن استخلاصه مما تبقى من (فن الشعر) حول الكوميديا فيمكن تلخيصه في النقط التالية :

- تحاكي الملهاة من هم أسوأ منا، أو أخس مما هم عليه في الواقع، بخلاف المأساة التي تصور الناس أعلى من الواقع3

- تعتبر الملهاة شكلا متطورا للأناشيد الإحليلية4.

- تسعى الملهاة إلى : "محاكاة الأراذل من الناس، لا في كل نقيصة، ولكن في

الجانب الهزلي الذي هو قسم من القبيح. إذ الهزلي نقيصة و قبح بغير إيلام ولا ضرر : فالقناع الهزلي قبيح مشوه، ولكن بغير إيلام"1.

- يمكن في الملهاة ما لا يمكن في المأساة من إنهاء الحكاية بحلول متعارضة للأخيار والأشرار، ذلك أن : "اللذة التي يجلبها هذا النمط غريبة عن المأساة وأقرب إلى الملهاة لأن الأشخاص في الملهاة، وإن كانوا في مجرى الحكاية أعداء ألداء، مثل أورسطس وإيجسثوس، ينتهي أمرهم بأن يصبحوا أصدقاء، لا قاتل بينهم ولا مقتول"2.

       وقد سعى المؤلف محمد قيسامي إلى استثمار كثير من فصول كتاب (فن الشعر) في محاولة إعادة كتابة فصول الملهاة الضائعة. فالملهاة تستخدم نفس أسلوبي المحاكاة : السرد أو الدراما3 . وعناصر المأساة الكيفية هي نفسها عناصر الكوميديا : الخرافة والأخلاق، واللغة، والفكر، والمنظر، والنشيد4 . ونفس الأمر يمكن أن يقال عن العناصر الكمية التي تتشابه فيها الملهاة والمأساة5 . والإرشادات التي وجهها أرسطو لشعراء المآسي يمكن أن توجه إلى شعراء الملاهي6 .

       ولعل محمد قيسامي قد استند في هذا العمل على "مقطوعة" يونانية مجهولة المؤلف انحدرت من القرن الأول ق. م. على اعتبار أنها منقولة عن الجزء المفقود، وتعرف (أي المقطوعة) بتراكتاتوس كواسيلينيانوس Tractatus coisilinianus، وفيها نجد تحديدا أكثر دقة للملهاة، حيث يبدو تعريفها متأثرا بتعريف أرسطو للمأساة :

       "الكوميديا محاكاة لفعل مشوه، ومثير للضحك، وله طول معين، وتام في ذاته، وفي لغة مشفوعة بكل أنواع التزيين، ويمكن أن ترد تلك الأنواع على انفراد في أجزاء مختلفة من المسرحية. وتتم هذه المحاكاة عن طريق أناس في شكل درامي، لا في شكل سردي"7 .

       كما تسعى هذه المقطوعة المحيرة إلى تعداد بعض مصادر الضحك التي يأتي بعضها من اللغة : (الجناس اللفظي أو الثرثرة...إلخ)؛ وبعضها الآخر من المواقف التي يعكسها العمل الدرامي نفسه : (مثل الخداع، وحدوث غير المتوقع، والخسة...إلخ).

       وتكرر تراكتاتوس نفس تقسيمات أرسطو للحكاية والشخضية والفكر واللغة والأغنية والمشهد، شارحة كلا منها في جملة. وتشتمل شخصيات الكوميديا على المهرجين ومن هم موضع سخرية والأدعياء. وتتميز اللغة بأنها عامية شائعة. والأجزاء المكونة للملهاة هي : المقدمة، والأغنية والجوقة، والحادثة، والخاتمة1.

2- تحولات الملهاة عند الفلاسفة المسلمين     

      هذه الإشكاليات التي تطرحها محاولة رسم ملامح الملهاة الضائعة هي التي استشعرها فلاسفتنا المسلمون . الذين نظروا إلى الملهاة باعتبارها مقابلة للهجاء في الشعر العربي، متابعين بذلك الخط الذي رسمه متى بن يونس في ترجمته لفن الشعر، لتتخذ الملهاة بدورها ذلك الطابع الغنائي الذي اتخذته مختلف عناصر المأساة2 . فالفارابي يعرف الكوميديا (وهي عنده قوموذيا) بأنها : "نوع من الشعر له وزن معلوم تذكر فيه الشرور وأهاجي الناس وأخلاقهم المذمومة وسيرهم الغير المرضية. وربما زادوا في أجزائه نغمات وذكروا فيها الأخلاق المذمومة التي يشترك فيها الناس والبهائم والصور القبيحة المشتركة أيضا"3.

       ويرى ابن سينا أن "قوموذيا (الكوميديا) هو ضرب من الشعر يهجى به هجاء مخلوطا بطنز وسخرية"4.

       ومثلما سعى الفلاسفة إلى تحويل الجانب الدرامي للمأساة المتعلق بالتمثيل في اتجاه الإنشاد الشعري، سعوا أيضا إلى تأويل حركات الممثلين باعتبارها الهيآت التي يصطنعها الشاعر لتدعيم الجانب الهزلي لقصيدته عند إنشادها، ويشترط ابن سينا، مثل أرسطو، في هذا الطابع الهزلي خلوه من الألم البدني، يقول:

       "والقوموذيا (الكوميديا) يراد بها المحاكاة التي هي شديدة الترذيل، وليس بكل ما هو شر، ولكن بالجنس من الشر الذي يستفحش، ويكون المقصود به الاستهزاء والاستخفاف. وكان قوموذيا نوعا من الاستهزاء، والهزل هو حكاية صغار واستعداد سماجة من غير غضب يقترن به، ومن غير ألم بدني يحل بالمحكي.

       وأنت ترى ذلك في هيئة وجه المسخرة عندما يغير سحنته ليطنز به من اجتماع ثلاثة أوصاف فيها : القبح لأنه يحتاج إلى تغير عن الهيئة الطبيعية إلى سماجة؛ والنكد لأنه يقصد فيه قصد المجاهرة بما يغم عن اعتقاد قلة مبالاة به وعن إظهار إصرار عليه... والثالث : الخلو عن الدلالة على غم"1.

       وينقل ابن رشد هذه الأحوال المرتبطة بشكل الإنشاد الشعري في الهجاء، موضحا فيها الأوصاف التي يمكن أن يتخذها وجه المستهزئ قائلا:

       "وصناعة الهجاء ليس إنما يقصد به المحاكاة بكل ما هو شر وقبيح فقط، بل وبكل ما هو شر مستهزأ به، أي مرذول قبيح غير مهتم به. والدليل على أن الاستهزاء يجب أن يجمع هذه الثلاثة الأوصاف أنه يوجد في وجه المستهزئ هذه الأحوال الثلاثة : أعني قباحة الوجه، وهيئة الاستصغار، وقلة الاكتراث بالمستهزئ به "2.

       وعلى الرغم من أن ابن رشد ينقل عن أرسطو هذه الإشارات المتعلقة بتعريف صناعة الهجاء ونشأتها وتطورها3. فإنه يدرك تماما أن كتاب فن الشعر ينقصه التكلم في صناعة الهجاء4.

       وقد اتخذ ابن رشد استراتيجية خاصة في محاولة إعطاء تصور عام عن الجزء المفقود، وهي اعتبار الهجاء مضادا للمديح، ومن هنا فما علينا إلا أن نضع بإزاء الأشياء التي قيلت في المديح أضدادها، لنقف على حقيقة صناعة الهجاء، فيشبه أن يكون الوقوف على هذه الصناعة : "بقرب من الأشياء التي قيلت في باب المديح، إذ كانت الأضداد يعرف بعضها من بعض"5.

       ويوضح ابن رشد هذه الاستراتيجية بطريقة أوضح في تلخيصه للخطابة قائلا : " وبين أن مما ذكرناه من حدود هذه الأشياء تعرف حدود أضدادها إذ كان الضد يعرف من ضده. وإذا كانت هذه معروفة لنا من أضدادها، وكان الذم إنما يكون بأضداد تلك فهو بين أنا قد عرفنا من هذا القول : ليس الأشياء التي يكون بها المدح فقط بل والأشياء التي يكون بها الذم"6.

       ولا شك أن ابن رشد ينظر هنا إلى ما ورد عند قدامة الذي اعتبر الهجاء ضد المديح، قال :

       "قد سهل السبيل إلى معرفة وجه الهجاء وطريقه ما تقدم في قولنا في باب المديح وأسبابه، إذ كان الهجاء ضد المديح، فكلما كثرت أضداد المديح في الشعر كان أهجى له، ثم تنزل الطبقات على مقدار قلة الأهاجي فيها وكثرتها"1.    وقد شكلت هذه الاستراتيجية عند كثير ممن قاربوا الملهاة وسيلة مثلى لرسم معالمها الضائعة، ويلخص الأستاذ محمد قيسامي خطوط هذه الاستراتيجية التي تحاول استحضار أضداد المأساة لرسم ملامح الملهاة في النقط التالية :

       - "تختلف الكوميديا عن المأساة في مسالة (وحدة الفعل)، فإذا كانت المأساة تبحث عن الفعل السلوكي المكتمل، وتعتمد بناء عضويا يحتوي على بداية ووسط ونهاية، فإن بناء الكوميديا يعبر عن أفعال سلوكية غير مكتملة تحقق عنصر الفكاهة، وتخطيط يضم عدة مواقف مرتبطة معا بطريقة بسيطة وماهرة، إذ لاوجود للخط الدرامي الصاعد، بل خطها الدرامي متموج بين الصعود والهبوط، ولا وجود لذروة يتحتم بعدها الحل، بل بها عدة ذرى وربما عدة حلول... إن الكوميديا تنطلق من البحث عن الفكرة الكوميدية المبتكرة، وتصميم مواقفها، عكس التراجيديا التي تبحث عن الفعل السلوكي المكتمل، الذي يتطلب منذ البداية وجود هيكل لموضوع متكامل البناء : معنى هذا أن هيكل الموضوع كان الأساس في التراجيديا، بينما كانت الفكرة الكوميدية العامة هي موضوع اهتمام الشاعر الكوميدي في المقام الأول"2.

       - تتميز الملهاة بقدرتها على الجنوح بالخيال إلى أقصى حدوده، ومن هنا كانت الخرافات المخترعة أنسب للملهاة، من المأساة التي تدور أحداثها في الغالب حول أشخاص وجدوا وعاشوا3. فقد : "كانت القصة في كوميديا أرستوفانيس تعتمد على تخيل غريب جدا، وفيها يجد المشاهدون أنفسهم وقد انتقلوا فجأة من بلاد الإغريق إلى الجحيم، ومن أثينة إلى المدينة الخيالية التي أنشأتها الطيور معلقة بين السماء والأرض، من قاعة محكمة في أثينا إلى (دكان أفكار) سقراط، كما يجد المشاهد نفسه متورطا منذ اللحظة الأولى في جدل ما مع الجنرالات، والساسة، والزنابير، والطيور، وباعة السجق، والضفادع، والآلهة، والشعراء والعبيد"4.

       - تسعى الملهاة إلى إثارة انفعالات مناقضة للمأساة. حيث تثير هذه الأخيرة الخوف والشفقة، في حين تسعى الملهاة إلى إثارة مشاعر النقمة التي يضعها

أرسطو كنقيض للشفقة : "أما النقمة فهي عكس الشفقة"1. كما تثير الشعور بالخزي والوقاحة والغضب، وهي انفعالات عالجها أرسطو بدقة في كتاب الخطابة، ولذلك فإن صاحب "حوار مع الكوميديا" يكتفي بكتابة فصول من هذا الكتاب لتوضيح الانفعالات التي تثيرها الكوميديا.

       وتجد هذه الاستراتيجية الرشدية مرتكزاتها في الجزء المتبقي من (فن الشعر)، والذي تنبني بعض إحالاته على الكوميديا على خلق علاقات ضدية بينها وبين التراجيديا، وذلك ما يمكن توضيحه من خلال التقابلات التالية :     

              الملهاة                                   المأساة

 


       

         محاكاة الأراذل               #         محاكاة الأفاضل

         محاكاة فعل مشوه            #        محاكاة فعل نبيل

        الانتهاء بحلول متعارضة      #        الانتهاء بحل واحد

 

       على أن هذا التناقض في بعض آليات الاشتغال بين المأساة والملهاة سرعان ما يتلاشى عند حدود الوظيفة والهدف، فالملهاة تسعى كالمأساة إلى تحقيق فعل التطهير، حيث : "نطلب في الكوميديا نوعا من التأثير التطهيري مشابه للتطهير العاطفي الذي اقترحناه للتراجيديا فكما أن الكاتب التراجيدي يثير بالمشاعر الملائمة للتراجيديا (الشفقة والفزع) في سبيل تطهيرها من الإفراط، الذي لها - فهكذا حال نظيره الكوميدي الذي يستثير العواطف الملائمة للبهجة والضحك بهدف تطهيرها من الإفراط الضار..."2.

       ويجرنا هذا إلى إثارة التساؤل عن الهدف الذي ينيطه الفلاسفة بصناعة الهجاء؟

       يجيبنا ابن سينا بأن الغرض من الهجاء ليس التقبيح فقط، وإنما تحسين الأشياء المضادة للرذائل، إذ كانت الأشياء إنما تتبين بأضدادها. وبذلك تكون وظيفة الهجاء وظيفة نقدية تسقى إلى كشف عيوب الواقع قصد تهديمها وبناء صرح الفضائل بإزائها، يقول ابن سينا :

       "ثم كانوا إذا هجوا الأشرار بانفرادهم يصيرون إلى ذكر المحاسن والممادح لتصير الرذائل بإزائها أقبح. فإن من قال : إن الفجور رذالة ووقف عليه، لم يكن تأثير ذلك في النفس تأثيره لو قال : كما أن العفة جلالة وحسن حال"3.

       وقد عبر ابن رشد عن نفس الرأي، حين أكد على أهمية الهجاء في تدعيم المديح، ودور الشر في إضفاء طابع الجلال على الخير، يقول :

       "ومن الاصطناعات النافعة، والأفعال التي يعظم قدرها عند المصطنع إليهم فيصير به المصطنع إلى خير عظيم من المصطنع إليهم - أن يختار الإنسان إنسانا عظيم القدر من جنس ما من الناس، له أيضا عدو عظيم القدر في جنس آخر من الناس فيفعل بعدو ذلك الإنسان الشر، وبأصدقائه الخير، مثلما عرض لأوميروش مع اليونانيين وأعدائهم، فإنه قصد إلى عظيم من عظماء اليونانيين في القديم فخصه بالمدح وأصدقاءه من اليونانيين، وخص عدوا له عظيما بالهجو هو وقومه المعادين لليونانيين في حروب وقعت بينهما، فكان رب النعمة العظيمة بذلك عند اليونانيين"1.

       وفي تمييزه بين الأشعار الجادة والأشعار الهازلة، يجعل الفارابي من هذه الأخيرة هدفا للوصول إلى السعادة الإنسانية، إذ كان مقصدها إنما هو توفير الراحة اللازمة لاستئناف الحياة الجادة النافعة، ومن هنا يتوحد المديح والهجاء على مستوى الهدف التربوي الذي يطلع به كل منهما، هكذا يرى الفارابي أن الأقاويل الشعرية نوعان : "منها ما يستعمل في الأمور التي هي جد، ومنها ما شأنها أن تستعمل في أصناف اللعب، وأمور الجد هي جميع الأشياء النافعة في الوصول إلى أكمل المقصودات الإنسانية، وذلك هو السعادة القصوى...وإن أصناف اللعب إنما يقصد بها تكميل الراحة، والراحة إنما يقصد بها استرداد ما ينبعث به الإنسان نحو أفعال الجد، فحسب هذا القول. فأصناف اللعب إنما يقصد بها أمور الجد، فليس يطلب إذا لذاته، وإنما يطلب لينال به بعض الأشياء التي توصل إلى السعادة القصوى. فبهذه الجهة يمكن أن نجعل لأصناف اللعب مدخلا للإنسانية"2.

       ويرى ابن رشد أن الهزل والسخرية يمكن أن تفيد في الحجاج بين المتنازعين وتفنيد آراء الخصم ف : " الأقاويل التي تستعمل الهزء والسخرية لها إغناء في المنازعات، فقد ينبغي أن تدخل في المخاطبات التي فيها النزاع، ولذلك قال فلان : إنه ينبغي أن يفسد الجد بضده، أي بالهزل، ويفسد الهزل بضده، أي بالجد. وذلك صواب من قوله.

       وقد قيل في (كتاب الشعر) : كم أنواع الهزل؟ ومن أنواع الهزل ما يليق بالكريم، وهو الهزل الذي لا يكمن فيه صاحبه على أمر باطن وتعريض قبيح، بل يكون ما يتكلم فيه بالهزل هو نفس الشيء الذي قصده، لا لأنه عرض بذلك عن أمر قبيح...وأما المعرض فهو الذي يخادعك ويوهمك أنه يتكلم في شيء، وهو

يذهب في الهزل إلى شيء آخر قبيح"1.

       ما أشبه هذه الوظيفة التي ينيطها الفلاسفة بالشعر الهزلي (الهجاء) بما رددته وتردده كثير من النظريات التي قاربت موضوع الهزل والسخرية، حيث تنيط بالفن الساخر وبالكوميديا وظيفة نقدية تسعى إلى : "استنهاض عزائمنا الخائرة وإرادتنا الضائعة من أجل أن تصبح أكثر قدرة على الانتصار على ضعفنا وعلى التخلص من نقائصنا التي تردينا فيها نتيجة جهل أو ضعف إرادة أو قصور"2.

       وتؤكد نظرية التناقض هذه الوظيفة النقدية، حين تلح في تنظيرها للعمل الهزلي على أن إبراز العمل الكوميدي للقيمة وضد القيمة، وجمعه بين الإيجاب والـسلب يسعى إلى الكـشـف عن تناقضـات الواقع3.

       ومن هنـا يذهب مـوريــه ((H. Morier إلى أن : "كل ما يمزق الإنسان، وكل تناقضاته ووعوده الصادقة غير الموفاة، ومثاليته المتضاربة مع سلوكه تكون مصدرا للسخرية : تكون سخرية تراجيدية عندما يتعذر إصلاح عواقب الأزمة، ودعابة عندما تكون العواقب قابلة للإصلاح أو الإهمال؛ تكون السخرية في المجتمع حين تسود عدالة الإنسان المقلوبة

       ...والناس يتحدثون عن سخرية الحياة، وهم أشبه بالممثل الذي لا يعي الشرك الذي نصب له فلا يدري لماذا تذهب جهوده عبثا أو يعمل ضد مصلحته"4.

       ولعل هذا الوعي بالبعد النقدي للسخرية، هو الذي جعل جون كوهن يختم مقاله حول الهزلي والشعري بالإشارة إلى المرارة النفسية والحزن الذي يتخفى في باطن كل عمل هزلي، يقول:

       "غير أن الضحك لا يستمر أكثر من لحظة قصيرة، وحالما ينطفئ يجد نفسه من جديد أمام كون عبثي. ولهذا فإن الحزن، كما نلاحظ أحيانا كثيرة، يتخفى في أعماق الهزلي. أسرع إلى الضحك منه، كما يقول فيغارو Figaro، خوفا من أن أضطر إلى البكاء عليه. وفي الرواية الغريبة لأمبيرتو إيكو المعنونة : باسم الوردة Au nom de la rose  نجد رهبان دير مشهور بمكتبته يخفون بعناية الكتاب الثاني من فن الشعر لأرسطو المفترض أنه يعالج الهزلي. إننا نفهم سلوكهم، فالمسيح لم يضحك أبدا "5.

       هكذا نستنتج أن الوظيفة النقدية التي حددها الفلاسفة للقول الهزلي (الهجاء)، تلتقي مع أحدث النظريات وأشهرها في تحديدها لوظيفة السخرية.

       وكما تجد نظرية الفلاسفة امتداداتها عند البلاغيين والنقاد المحدثين، تجد أصولها قي التراث اليوناني. حيث يسعى سقراط في محاوراته إلى إخفاء الحقيقة في ثنايا المواقف الساخرة، معطيا بذلك للسخرية بعدها النقدي الخلاق الذي يحدد حقيقة وظيفتها، ففي محاورات أفلاطون يسعى سقراط إلى إظهار: "الحقيقة عن طريق طرح أسئلة ظاهرة السذاجة يقود بها محاوره شيئا فشيئا نحو الحقيقة حتى يتغير الوضع، فيصير المتعجرف بالحقيقة، في البداية، إلى موقع الساذج.

       وحتى إذا لم تكن هناك حقيقة، فإن سقراط يصل إلى خلخلة المسبقات واليقينيات والمسلمات عند محاوره...استخلص مورييه من هذه الوقائع تعريف السخرية السقراطية على الشكل التالي :

       السخرية هي : فن المساءلة القائم على السذاجة مع إخفاء المعرفة. ولاحظ لوسبيرغ أن الإخفاء السقراطي لا يهدف إلى ربح المعركة الحوارية وحسب، بل يسعى أيضا إلى نزع الثقة من الخصم وتنقيصه أمام الأشهاد، وفي هذا يكمن بعدها البلاغي"1.

       إن هدف الكوميديا، مثله مثل هدف الهجاء، عند الفلاسفة، هو السعي إلى تعرية عيوب الواقع فصد تغييره : "ولم يكن في الإمكان تغيير هذا الواقع إلا بإظهار تناقضه"2 . وبهذا التغيير يستطيع الإنسان الوصول إلى السعادة الإنسانية، التي طالما حلم بها الفارابي وهو يحاول تأسيس مدينته الفاضلة.

 



1- أرسطو. الخطابة. ترجمة عبد الرحمن بدوي. دار الشؤون الثقافية. بيروت .1986. ص 81.

2 – نفسه.  ص 255.

3 – أرسطو. فن الشعر .ترجمة  عبد الرحمن بدوي. دار الثقافة. بيروت. 1973 . ص  9-8.

4 – فن الشعر. مرجع سابق. ص 14.

1 – نفسه. ص16.

2 - نفسه 38-37.

3 – محمد قيسامي. حوار مع الكوميديا. مطبعة تريفة. بركان. المغرب. 1998. ص 47.

4 - تناول المؤلف هذه العناصر في مقالات متفرقة من الكتاب المذكور أعلاه. وهي التي يفترضها فصولا للكتاب الضائع وهي : المقالات من 24 إلى 27.

5 - نفسه 53-52.

6 - نفسه 94-93.

7- إبراهيم حمادة. كتاب أرسطو فن الشعر. مكتبة الأ نجلو المصرية. القاهرة. 1989. ص 90.

1 - مارفن كارلسون. نظريات المسرح. عرض نقدي وتاريخي من الإغريق إلى الوقت الحاضر. ترجمة وتعليق وجدي زيد. مكتبة الأنجلو المصرية. القاهرة . 1997. ص 24.

2 – نشير إلى أن الفلاسفة المسلمين قد تأولوا عناصر المأساة الستة : (الحكاية- الأخلاق- الفكر- اللغة- النشيد- المنظر المسرحي) بشكل مغايرا للذي أورده أرسطو في كتاب فن الشعر، وذلك قصد ملاءمة هذه العناصر مع القصيدة العربية. وللوقوف على ذلك يرجع إلى مقال نشرناه بالعلم الثقافي  بتاريخ  22 يونيو 2002  بعنوان : "القراءة العربية لكتاب فن الشعر لأرسطوطاليس".

3 – الفارابي. رسالة في قوانين صناعة الشعراء. ضمن فن الشعر لأرسطو .ت. بدوي. مرجع سابق ص 153.

4 - فن الشعر .ترجمة  بدوي . ص 169 .

1 - فن الشعر .ت. بدوي. مرجع سابق. ص 175-174.

2 – نفسه. ص 208.

3 – نفسه. ص 207-204.

4 – نفسه. ص .250 ينظر أيضا تلخيص الخطابة لابن رشد. تحقيق وتقديم عبد الرحمن بدوي. وكالة المطبوعات. الكويت. ودار القلم. بيروت. بدون تاريخ. ص 98 و 330.

5 - فن الشعر .ت. بدوي. مرجع سابق. 250.

6 – ابن رشد. تلخيص الخطابة . مرجع سابق. ص82.

1 – قدامة ابن جعفر. نقد الشعر. تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي. دار الكتب العلمية. بيروت. د.ت ص 113.

2 - حوار مع الكوميديا. مرجع سابق. ص 55.

3 - فن الشعر. ترجمة بدوي. مرجع سابق. ص 27.

4 - حوار مع الكوميديا. ص 60.

1 - أرسطو. الخطابة. مرجع سابق. ص 132.

2 - حوار مع الكوميديا. مرجع سابق. ص 111.

3 - فن الشعر .ت. بدوي. مرجع سابق. ص 172.

1 – ابن رشد.  تلخيص الخطابة. مرجع سابق. ص 54.

2 – الفارابي. كتاب الموسيقى الكبير. تحقيق وشرح  غطاس عبد الملك خشبة. دار الكتاب العربي للطباعة والنشر. القاهرة. بدون تاريخ. ص 1185-1184.

1- ابن رشد.  تلخيص الخطابة. مرجع سابق. ص 331-330.

2 - محمد حمدي إبراهيم. دراسة في نظرية الدراما الإغريقية. دار الثقافة. القاهرة. 1977. ص 165.

3 - جان كوهن. الهزلي والشعري. ترجمة د. محمد العمري. ضمن كتاب : نظرية الأدب في القرن العشرين. إفريقيا الشرق. الدار البيضاء. 1996. ص 111-106.

4 - محمد العمري. بلاغة السخرية الأدبية. مجلة علامات السعودية.الجزء20  المجلد الخامس.

    يونيو 1996 ص : 30.

5 – جان كوهن. الهزلي والشعري . مرجع سابق. ص114-113.

1 - محمد العمري. بلاغة السخرية الأدبية.ضمن مجلة علامات. مرجع سابق. ص 28.

2 - محمد قيسامي. حوار مع الكوميديا. مرجع سابق. ص 113.