إذا كان
الاهتمام بطبيعة التفكير العربي, يستلزم الوقوف على اللغة
العربية, وأساليبها البيانية, بوصفها جينيالوجيا هذا التفكير,[1] كما يقول
الأستاذ الجابري, فإن من جملة هذه
الأساليب, نجد أسلوبا" أو ليا"
يحمل في ثناياه جزءا هاما من طبيعة هذا
الفعل العقلي, ويعد- في نظرنا- أحد أسس الإنتاج المعرفي العربي, إلى جانب التشبيه
والقياس في علاقتهما بقضية الإبداع.
يتعلق
الأمر, بالكشف الدلالي الفقهي لقضية الكفاية وعلاقتها بالإبداع أيضا, أو ما يطلق عليه في هذا الحقل الأخير ب"
الفرض الكفائي" في مقابل "الواجب العيني", بينما نجد للكشف الدلالي
المقاصدي منظورا آخر, يخترق هذه الثنائية في إطار جدل "الكلي والجزئي"
الذي تتميز به المعرفة الجدلية المقاصدية, في تراثنا الفكري, حيث كشفت هذه الأخيرة
الوجه السيئ لـ"الكفاية" كمفهوم حامل للمعنى السلبي في الثقافة
العربية,أفرغ من محتواه الإيجابي –المقاصدي كما سنرى- ليطال بشكل أو
بآخر, مجمل الحقول المعرفية إنتاجا وممارسة,الشيء الذي يطرح عدة تساؤلات
تتناول من جهة, طبيعة الباراديغم المهيمن على التراث العربي الإسلامي,هل هو للمنهج
الفقهي أم للمنهج المقاصدي؟ ومن جهة أخرى,ما مدى
توافق" أمية الشريعة" في تقريرها المقاصدي, ومفهوم" الكفاية
المقاصدية" كطرف أقصى في إستراتيجيات اكتساب المعرفة وتفعيلها, ضمن باراديغم
المقاصد طبعا؟ وبالتالي هل كان الخطاب المقاصدي في شخص أبي إسحاق الشاطبي-المفكر المقاصدي
بامتياز- يروم ازدواجية لغوية ما, تثوي
مفارقة ما,أم أن الأمر يحتاج ببساطة إلى ت أو يل وظيفي يزيل ذلك الإشكال الجدلي
الذي ترك سجالا واسعا –ولا يزال- في ثقافتنا العربية؟
تذكر
الكفاية في الحقل البياني العربي- تحديدا في الشق الديني منه- ويراد بها" ما ليس
بواجب عيني أو فردي" ولذلك يطلقون عليها: "الفرض الكفائي" أو "الواجب
الكفائي" أو "طلب الكفاية"وهو المعبر عنه فقهيا ب"إذا قام به
البعض سقط عن الآخرين" فالفرض الكفائي,
أو " الفرض على الكفاية" كما يحدده الشوكاني, هو الذي "لا
يذم (...) إلا إذا لم يقم به غيره"[2] و يقول أبو
زهرة - ملخصا آراء الفقهاء- هو الذي "يكون المطلوب فيه تحقق الفعل من
الجماعة, فإذا وقع الفعل من البعض سقط الإثم عن الباقين, ولا يستحق ذما, وإن لم
يقم به أحد,أثم الجميع..."[3]
ويوضحه الشاطبي بقوله : "وحاصل
الثاني(أي طلب الكفاية عند الفقهاء) إقامة ال أو د العارض في الدين وأهله"[4]. وعليه,
فالكفاية في الحقل الدلالي الفقهي لم تخرج عن إ طار القاعدة المشار إليها أعلاه,أي
تكريس النزعة الفردية, وخطاب الفرد,في مقابل خطاب الجماعة /الأمة,الذي يحفل به
الكتاب والسنة وذلك الذي لم يلاحظه الفقهاء ,حيث اعتبروا تلك الخطابات الموجهة
للأمة خطابات منصبة على الأفراد[5], فالمجموعة
التي يضرها فقدان طبيب أو خباز أو ..
لحاجة داخلية, أو سياسي أو مهندس
حربي أو .. لحاجة خارجية, مكلفين بمجموعهم
أن يسدوا ثغرة ذلك ,حتى إذا قام به أحدهم (عادة هكذا يقول الفقهاء في نزعتهم
الفردية) , وهذه النظرة الاختزالية,من شأنها أن تهدر جانب الاختلاف والتنوع,
والغنى في المواهب والقدرات التي تميز كل فرد على حدة - كما سيوضحه الشاطبي- مم
تهدر بالتالي, قضية الإبداع في الشأن الإنساني. ومن الذين انخرطوا في هذا
الاتجاه,نجد الإمام القرافي- وهو أحد مشيدي علم المقاصد- حيث يقول في الفرق الثالث
عشر: "فرض عين على الأعيان تكثيرا للمصلحة بتكرره, وفرض كفاية, جعله الشارع
على الكفاية,نفيا للعبث في الأفعال, فهو فعل لا تتكرر مصلحته بتكرره"[6]
يبقى القصد
إذن, من طلب الكفاية, هو"نفي العبث في الأفعال" لكن مكمن الفرق بين
الإمامين المقاصديين (القرافي والشاطبي)هو في مدى تكرر المصلحة الثاوية فيه, فإذا
كان القرافي ينفي تكرر المصلحة, ويجعلها تقف عند حد الفاعل/الفرد من جهة الكم, فإن
الشاطبي يمنحها امتدادا تتجاوز الفرد ذاته, حيث تعم المصلحة وتفيد المجتمع, لا
لتسقط عنهم الإفادة الفردية" الحقيقية",وذلك من خلال انتهاض الشخص
المناسب للفعل المناسب, وهذا سر اختلاف الشاطبي عموما مع غيره من الفقهاء و
المقاصديين, في النظر إلى الفعل الكفائي"من جهة جزئي الطلب,لا من جهة
كليته" بعبارة أخرى, في بعده الإنساني/البشري, لا في بعده التعبدي/التكليفي
وحسب, فحاصل الكفاية عند الشاطبي أن طلبها وارد على البعض ولكن ليس أي بعض, وإنما
على"من فيه أهلية الإقدام والشجاعة وتدبير الأمور"[7] أو "ما ظهر له فيه نجابة ونهوض"[8] وقد استدل
الشاطبي كعادته,على ذلك,مقتنصا القطع من الظنيات, كما يميز منهجه المقاصدي,من خلال
أدلة من القرآن الكريم,والقواعد الشرعية المنبثقة من السنة ومن فت أو ى العلماء[9].
وعليه, يكون
مفهوم الكفاية, كموضوع argument قائم الذات, له مقوماته الخاصة وبنياته الأساسية, بانتقاله من موضع إضافي عرضي
إلى موضع أصلي جوهري, قد عرف ميلاده في تراثنا الفكري المقاصدي, وذلك بقلب هذا
المفهوم من تساوي الفعل لتساوي الفاعل على جهة كلية الطلب-"الناس سواسية
كأسنان المشط" إلى حد ما, في التكليف-إلى تف أو ت الفعل, لتف أو ت الفاعل,
على جهة جزئيه, حتى"يتربى لكل فعل هو فرض كفاية, قوم"[10] كما أن "الترقي في طلب الكفاية, ليس على ترتيب واحد, ولا هو على الكافة
بإطلاق, ولا على البعض بإطلاق, ولا هو مطلوب من حيث المقاصد دون الوسائل, ولا
بالعكس, بل لا يصح أن ينظر فيه نظر واحد حتى يفصل بهذا التفصيل..."[11].
بعبارة أخرى, يروم الشاطبي إزاء هذا المفهوم, نحو منحه ضوابط نوعية, لا
يستقيم"طلب الكفاية" إلا في إطارها,فليس كل من هب ودب يجزئ ذلك الطلب,
كما يجرى في قضايا الإنسان فقهيا (أي تقرير القاعدة الفقهية المشار إليها ), وإنما
من توفرت فيه شروط الأهلية والنجابة والنهوض للقيام بذلك الطلب, التي تحتاج إلى جهد تربوي ومشروع"
بيداغوجي فارقي "Différencié بلغتنا المعاصرة, فالفقهاء في
تقريرهم لهذا الطلب الكفائي - حيث يخالفهم الشاطبي في ذلك-لا يشترطون تمايزا,
ما,يعكس قدرات الفرد, و"كفاياته" بالمعنى المعاصر للعبارة, وإنما
يهمهم بالأساس الشرط التكليفي أي, بما يمكن
دفع الإثم, دونما , اعتبار للشأن الإنساني المحض , نقصد مجال إبداعه الخاص وتمايزه
الشخصي.
تتجه الكفاية الفقهية إذن,نحو جعل الفعل الإنساني,أكثر"تكليفية" أي,
بما مدى توفره على الثواب والجزاء الأخروي, أو جدل "المدح و الذم "الذي
تعتمده المقاربة التكليفية , بينما تتجه الكفاية المقاصدية, نحو جعل هذا الفعل,ذي
صبغة واقعية وتاريخية, وانعكاسية للواقع الاجتماعي والثقافي, الذي يميز مجتمعا
ما,عن غيره من خلال ما يتوفر لديه من طاقات و"موارد بشرية" تتوفر على
قدرات مختلفة, تجعلها تتمايز وتتباين فكرا وإنتاجا .
هكذا نجد أن الكفاية الفقهية مثلا, حتى ولو توفر في تحقيقها من يعرف ذلك الفعل
الفقهي المطلوب كفاء يا, فيكفي الكل, قيام أحدهم بذلك,ليتحقق الثواب,وبالتالي,
الكفاية المرجوة, أو الفرض الكفائي, إقامة
لل أو د العارض في الدين وأهله –بعبارة الشاطبي- بينما الكفاية المقاصدية, تنظر
إلى الفاعل/الإنسان كشخص مميز,له قدراته الخاصة,تمنحه" تمايزا
سيكولوجيا,ما", أي "من ظهر فيه وصف..." – كما أشار إلى ذلك
الشاطبي- يخول له ذلك النهوض, بما ظهر
فيه, من تميز وصفي. وعليه, تتوزع الأدوار/الأفعال وتتنوع" الموارد
البشرية", تبعا لتنوع واختلاف القدرات المتوفرة لدى فرد, ما, من المجتمع.
بعبارة أخرى, ترتبط الكفاية الفقهية" بباراديغم التكليف", الذي يرى
الأشياء من ز أو ية"افعل أو لا تفعل" المترتب عنه بالضرورة ثوابا أو
عقابا, والتي تؤطره دينامية "النية
التكليفية", بينما تتحرك الكفاية المقاصدية في مجال أكثر دينامية وعقلانية,
بما تطاله من دائرة" المباح" الذي لا تكليف فيه بالإجماع, والذي يروم
تفعيل الحياة العقلية للإنسان بما هو إنسان,وليس بما هو"عبد" منحصر في
دائرة التكليف.
بلفظ أدق,تميل الكفاية المقاصدية من منظور اشتغالها في إطار ما هو "جزئي
الطلب" إلى تكريس دور العقل البشري في تأثيث المعرفة, وهي بذلك, تقوم
على أساس تفعيل الدور العقلاني في تدبير
شؤون الحياة في أبعادها التنموية المختلفة.
أضف إلى ذلك, أن انفتاح الكفاية المقاصدية على ما هو" داخلي" في
الإنسان, أي إبراز ما يتوفر عليه من طاقة وخصوصية,تميزه عن غيره, يعني بشكل أو بآخر,
الانفتاح على معطيات العصر, سيما, وبروز الثورة المعرفية"le cognitivisme" في حقل العلوم, خاصة حقل"العلوم
العصبومعرفية" الذي بات ينفتح على كل ما
يمفصل بين البيولوجيا والروح/الفكر/العقل, أو كل ما, تشتمل عليه كلمة
"esprit" في الحقل الثقافي الغربي.حيث بات في نظر هذا
الحقل المعرفي الجديد,استحالة دراسة كل من الإدراك والذاكرة والتحكم الحركي
والانفعال, بشكل يفصل أحدهما عن الآخر[12] الشيء الذي سيمنح هذا المفهوم المقاصدي للكفاية- كما أبرزه جدل المعرفة
المقاصدية- بعدا قريبا من ذلك المعاصر له, نقصد "la compétence" بوصفها آ لية عقلية, ترتبط بالمجال
الذهني والوظائف المعرفية العليا
للدماغ.
صحيح أن الكفاية في مفهومها المعاصر, كانت من وراءها شروط وإكراهات معاصرة
كتطور علم الشغالة المعرفيCognitive Ergonomie
(الميدان الذي يتعلق بتفعيل الشغل والعمل عقلانيا) في إطار عالم الشغل (التيلورية)
وكذا تطور العلوم المعرفية كما وكيفا , حيث يتأرجح المفهوم بينهما كما تشير
الدراسات السوسيولوجية الحديثة[13], وبالتالي كيف يمكن إدراج هذا البعد التراثي للمفهوم ؟ لكن لا ننسى- ومع ذلك
-أن قضية الكفاية تضعنا - في الأصل –في محك السؤال حول الفكر الإنساني, كيف يشتغل
وكيف يوجه الفعل, وهذا ما طرح من قبل من طرف الفلاسفة والعلوم الإنسانية, الشيء
الذي يدل على أن المسألة لم تحل بعد, وهو ماتشير إليه علوم المقاصد أيضا مساهمة في
تأصيل الفكر من خلال إثبات تجذر هذا المفهوم ,بدل حصره في القرن الموازي لظهور
التقنية وتاريخ النهضة الصناعية . وهذا ما
يمكن تسجيله عن تلك الدراسات البيداغوجية المتسرعة شيئا ما في أحكامها عن علاقة
هذا الجديد البيداغوجي بالتراث المعرفي
العربي, الذي يتم اختزاله عادة, في القواميس والمعاجم اللغوية دون الإلمام بالحقول
الدلالية الأخرى.[14]
الحال إذن, أن الفكر المقاصدي, الغزير بالمعنى, لا يزال يحمل الجديد, والذي
ينبغي تسليط الضوء الكاشف عليه, لأنه يعكس بشكل أو بآخر, عقلانية التراث وحداثته
وإبداعيته, بما ينفتح على خصوصية الإنسان وقدراته المتطورة والمتجددة حسب العصور
والأزمان, ولما يفتح كذلك, من باب للإسهام الجماعي المتمثل في البعد "السوسيو
تربوي" الذي أشار إليه الشاطبي" حتى يتربى لكل فعل هو فرض كفاية قوم
".
الظاهر أننا أمام معضلتين تتعلق بسيرورة تفعيل هذه المقولة البيانية, الأولى
تكمن في تكريس هيمنة الخطاب الفقهي ذي النزعة التكليفية التي ترى الأشياء من زاوية
"افعل أو لا تفعل"على أساس ملء الفراغ التشريعي/التعبدي, والثانية, تكمن
في إسقاط هذه المقولة الفقهية "قياسيا" على أعمال أخرى, رغم وجود
الفارق- كما يقول الفقهاء ذاتهم - وعليه , فهناك فارقان , فارق فقهي يلغي إنجاز
وتشييد أي قياس , لأن القاعدة الفقهية تلك لا يمكن إسقاطها على باقي الأفعال التي
تتطلب ظاهريا نوعا من هذا الفعل العقلي, وهنا نكون أمام منزلق العقل الفقهي
القياسي العربي كما تم انتقاده إبيستيمولوجيا .. وفارق مقاصدي, يقتضي تدبير الشأن
الإنساني من منطلق جدل "الكلي والجزئي" باعتباره جدلا يروم تفعيل البعد
الإبداعي الإنساني الذي يميز مكلفا/شخصا عن آخر, واعترافا بمبدأ "التمايز
السيكولوجي" الذي أشار إليه الشاطبي ,منبها على وجود أو صاف أخرى غير تلك
المعروفة فقهيا والتي تشترط في من يريد التصدي للإفتاء والتنظير الفقهي, أن يكون
ملما ب "الكفاية الفقهية".
وعليه يمكن القول كذلك, أن جذور "الذكاءات المتعددة" التي ظهرت في
البحث السيكولوجي الراهن مع H.Gardner ورفاقه, يمكن لمسها في ثنايا جدل المعرفة المقاصدية, من خلال
تحديد الشاطبي للكفاية مقاصديا على أنها مجموعة من الأوصاف السيكولوجية أو
"الذكاءات" أي, كما قال الشاطبي "من ظهر عليه وصف الإقدام والشجاعة
وتدبير الأمور" وأيضا "ما ظهر له فيه نجابة ونهوض" وهذه كما يبدو
كلها أو صاف/مفاهيم حاملة لأنماط ذكائية
تكيفية مختلفة تقترب -إلى حد ما – من المفهوم المعاصر للكفايات/الذكاءات سواء في
الخطاب التقني "تدبير الأمور" أو الخطاب السيكومعرفي الذي يستغرق باقي الأوصاف
الأخرى التي كشف عنها البحث المقاصدي. وهنا يتبادر التساؤل الذي طرحناه من قبل, أي
كيف يمكن قراءة هذا الغموض الثأوي في المعرفة المقاصدية, حيث يبدو في الظاهر كأنما
نحن بصدد كتابة مزدوجة أو
"شاطبيين" نقيضين : شاطبي "أمية الشريعة" حيث "الشريعة
موضوعة على وصف الأمية لأن أهلها كذلك"[15], وشاطبي
"الداحض للأمية الذكاءية", الداعي إلى تفعيل الوظائف المعرفية العليا
للدماغ؟ من هنا لاينبغي –من جهة أخرى- التسرع في إصدار أحكام مسبقة في النظر إلى
جدل المعرفة المقاصدية من زأوية قد تكون أيديولوجية أو ابيستيمولوجية حتى, لأن
الوقوف عندها, كمن يقف عند "فويل للمصلين".
أن تتجأوز الكفاية الفقهية,حيزها الذي تدولت فيه, هو مكمن الخلل, وهو الذي
ينبغي كشفه إبيستيمولوجيا, فالإشكال هنا, بما تطاله تلك القاعدة الأصولية/الأسلوب
البياني/الإنتاج العقلي البشري في لحظة ما,لمجمل إنتاجياتنا وسيروراتنا الفكرية
والذهنية وكذا علاقاتنا بالمعرفة وبالآخر.
الحال، إذن, أننا لازلنا أمام تأثير تفعيل أصولي سلبي للعقل العربي/الإسلامي
الذي تؤطره القاعدة الأصولية المشهورة : "أثر الظروف الجغرافية في صياغة
الأحكام الشرعية" والتي لا تعني سوى الإصرار على تفعيل أطروحة"
المكان"ومنظومته الجغرافية والبيئية, التي ظلت تهيمن على النظام المعرفي
العربي بشقيه معا, بينما يتجه النظام المعرفي المعاصر نحو تفعيل ما هو استراتيجي
و" ما لا موضوع له", وهنا يبرز الإشكال الإبيستيمولوجي لمنهجنا الفقهي,
كاشفا بالتالي,عن فراغا ت أخرى من" فراغا تنا الميتامعرفية" اتجاه القضايا الراهنة. ففي الوقت الذي نجد فيه
نمطا آخر لسؤال التعلم -فرضته إكراهات الألفية الثالثة– "تعلم لتشارك" ,
نجد أن غاية التربية في عالمنا العربي تصل في أحسن الأحوال إلى "تعلم
لتكون"[16] والتي رغم التحسينات التي أدخلت عليها ,فهي لا تخرج عن تلك النزعة الفقهية
الفردية ,ما دامت لم تنخرط بعد في البعد التشاركي لقضية التعلم ,التي تنبثق من
فلسفة تربوية قائمة على المحلي/العالمي ,ومن الفردي/الاجتماعي/النوعي ,وذلك بعد أن
أصبح الإنسان ينظر إليه بوصفه كائنا يثوي بعدي الوحدة/التعدد في جميع المجالات :
الفردي(الوحدة/ التنوع الجيني عند الفرد), الاجتماعي (وحدة/تنوع الألسن )[17] أي فلسفة قائمة على تفعيل الشرط الإنساني, التي تنشده تربية المستقبل.
يمكّننا إذن, تفعيل الكفاية المقاصدية – فكريا وكذا تشييعها تربويا – من
الوقوف على نتائج مذهلة على رأسها تفجير طاقات الأمة وكذا إبراز قدراتها المتميزة
و كفاياتها المتعددة , وفي غياب ذلك, تكون الأمة الكبيرة /الإنسانية جمعاء, مدعوة
لإقامة ذلك الفعل الكفاwي ,فلا يجادل أحد – إلا إذا كان مكابرا أو عابدا جاهلا– في أن مكتشف الكهرباء
أو "الإنترنت" مثلا, قد أسدى "كفاية مقاصدية " للإنسانية هي
في حاجة ماسة إليها, نظرا لتوفره على تلك ال أو صاف وظهورها عليه كما أشار إلى ذلك
الكشف الدلالي المقاصدي, حيث ينظر إلى الفعل الكفائي كفعل إنساني/" جزئي
الطلب" يروم تفعيل " أنسنة الإنسان" بغض النظر عن ذلك التنوع
الحاصل وراء الوحدة المتعددة (البيولوجية والتعبدية ...) وكمعرفة ملاءمة, تعي تلك
الوحدة الكامنة في قلب تنوع الكائن البشري وكذا تنوعه داخل وحدته, كما أشار إلى
ذلك المفكر الفلسفي إدغار موران, وكما تشير إليه كذلك جملة من النصوص الدينية ذات
الصبغة الكوكبية والكونية" إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"
"كلكم لآدم وآدم من تراب" الخ.. وكما ذكر ابن تيمية في رسالته القيمة "إن الله يقيم
الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا يقيم الظالمة ولو كانت مسلمة" و أن
"الدنيا تدوم مع العدل والكفر, ولا تدوم مع الظلم والإسلام"[18] وهي إشارة إلى أن كفاية "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "مقاصديا
, ينبغي أن تراعى فيها الأزواج الأكثر مرونة وامتدادية (Transversalité) القادرة على اختراق" وحدة المتعدد وتعدد
الواحد" أي على أساس الزوج "عدل/ ظلم" و "معروف/منكر
"وليس "إيمان/كفر" التي كرسها" فقه الأحكام " والخطاب
العمودي وأفرغه من محتواه حتى صار مختزلا أشد الاختزال داخل الملة الواحدة , بل
وداخل المذهب الواحد والفرقة ذاتها .
إن الكفاية المقاصدية على هذا الأساس, تجعل مبدأ" الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر" مبدأ كونيا , وليس فقط مبدأ دينيا/ تكليفيا , مادام فهمه وتطبيقه
مقيدان من جهة, بالنتيجة والمصلحة وليس بالنية وحدها[19], إقامة لل أو د العارض في الدين وأهله كما دأب العقل الكفائي الفقهي تكريسه,
ومن جهة أخرى ,لأنها تجعل على عاتقها حسن تحيين الفعل العقلي الذي تشترك فيه
البشرية جمعاء -حتى نوضح أكثر– على جهة "جزئي" جزئي الطلب عملا بالقاعدة
الفقهية المشهورة " مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب" , و هنا تتقاطع
الكفاية المقاصدية بشكل أو بآخر , مع تلك الكفايات ذات البعد الأنتروبو-
أخلاقي[20] والتي تروم تفعيل "إصلاح الفكر" باعتبارها تمفصل بين ما هو كلي
وجزئي بصفة عامة , حيث تجعل البعد التناظمي المعرفي آلية اشتغالية لها, ومنطلقا
راهنيا , يمكّن من الإقدار على استنفار كل
الموارد المعرفية , أو كل ما تعرفه الذات العارفة عن العالم .
[1]- محمد عابد الجابري , تكوين العقل
العربي , المركز الثقافي العربي , 1991 ص: 130
[2] - محمد بن علي محمد الشوكاني , إرشاد
الفحول... دار الفكر, (د- ت) ص 6
[3] - محمد أبو زهرة , أصول الفقه ,دار
الفكر العربي ,(د- ت) ص 36-35
[4] -
أبو إسحاق الشاطبي , الموافقات...
دار الكتب العلمية بيروت ( د. ت) ج1/ص 114
[5] -
أحمد الناعور ," ثغرات المنهج الفقهي .. والأثر التاريخي" , مجلة
الوعي المعاصر العدد 3.
[6] -
القرافي , الفروق ,دار إحياء الكتب العلمية , 1344.
[7] -
الموافقات , ج/1 ص 130
[8] -
ن م ,ج/1 ص130
[9] -
ن م ,ج/1 ص 126 إلى 129
[10] -
ن م ,ج/1ص130
[11] -
ن م , ج/1 ص 130
[12] - Grosbras , Neurosciences cognitives ,
in La Recherche n 349 .H M Janvier 2002
[13] - Ph . Perrenoud , L'école saisie par les competences , Faculté de Psychologie et des Sciences de L éducation , Université Géneve 1998
[14] - انظر مثلا : محمد الدريج , الكفايات في التعليم , منشورات سلسلة " المعرفة للجميع "
أكتوبر 2003 ص 18 .
[15] - الموافقات , ج / 2 ص 53 .
[16] -
نبيل علي , الثقافة العربية وعصر المعلومات , سلسلة عالم المعرفة , الكويت
, عدد 276
دجنبر 2001 ص 309-308
[17] - إدغار موران , تربية المستقبل ,
المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل , ترجمة عزيز لزرق و منير الحجوجي , دار
توبقال , الطبعة الأولى 2002 ص 52
[18] - ابن تيمية , الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر , دار العلوم الإسلامية , يناير 1989 ص 64
[19] - انظر محمد عابد الجابري ," في الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر..." جريدة الاتحاد الاشتراكي الأسبوعي العدد 66 ( 17-11 يوليوز 2003 ) .
[20] -
انظر عمر بيشو " الكفايات
مقاربة أخلاقية " الاتحاد الاشتراكي الأسبوعي العدد 62 , ( 19-13 يونيو 2003 ) .