نحن وسارتر
عبد السلام بنعبد العالي
لعل أول قضية ينبغي طرحها بهذه المناسبة[1] هي التساؤل عن
مبررات الاحتفاء بهذه المئوية. فقد يعترض بعضنا متسائلا لماذا لم نلتفت، منذ
التسعينات من القرن الماضي، إلى مفكرين عظام تفصلنا عن ميلادهم أو وفاتهم مضاعفات
المائة شأن ديكارت الذي خلد العالم ذكرى مرور أربعة قرون على ميلاده، أو كنط، الذي
ودعنا قريبا ذكرى مرور قرنين على رحيله، أو نيتشه، الذي يفصلنا عنه قرن من
الزمان...فلماذا يحظى سارتر وحده بهذا الاحتفاء؟ رغم وجاهة هذا الاعتراض، و مهما
اختلفنا حول قيمة فكر سارتر فإننا لا نستطيع أن ننكر أن الرجل تمتع عندنا بحضور
قوي خلال فترة لا يستهان بها. و قبل أن نتساءل عن طبيعة ذلك الحضور، لنقل انه
شكّل، وربما أكثر من كل هؤلاء الذين ذكرناهم، جزءا من تراثنا الفكري المعاصر. ربما
لا يرجع الأمر بالضرورة إلى سارتر نفسه، و ربما يعود، في نهاية التحليل، إلى دار
النشر التي روجت له و أعطته وجودا "حقيقيا" في اللغة العربية و العالم
العربي.و مهما كانت الأسباب فان المرء لا يستطيع، بأية حال من الأحوال، أن يؤرخ
لفكرنا المعاصر، بل ربما لحياتنا الثقافية و الأدبية و السياسية كلها، من غير أن
يذكر سارتر و من اقترن به.
سيكون علينا بطبيعة الحال أن نبرر هذا الزعم و
نثبت حدوده خلال هذا العرض، لكن ربما وجب علينا في البدء أن نحدد العنوان و نتساءل
عن هذا ال"نحن "المتسائل عن علاقته بسارتر. فلنجب على ذلك توا و سلبا
ولنقل إننا لا نقصد به معنى قوميا أو أية خصوصية منغلقة، و إنما فضاء تاريخيا
أصيلا un lieu historial لا ينغلق
على ذاته وإنما يرتمي في فكر كوني و يتحدد بعوامل متشابكة لعل أهمها عامل اللغة من
حيث هي خزان فكري يحدد ،في ثرائه و فقره، مدى قدرتنا على الاستجابة إلى المعاصرة.
و لكن، كيف يمكن لإحياء
الذكرى أن يكون استجابة إلى المعاصرة؟ هل يتم ذلك باسترجاع القضايا التي طرقها
المفكر للبحث عما إذا كان لها امتداد في حاضرنا؟ هل يقتضي الوقوف على التأثيرات و
تقصي الآثار؟ أم يتعلق فقط بإثبات قيمة و اعتراف بدين؟
للإجابة عن هاته الأسئلة
ربما اقتضى الأمر أن نقف عند لفظي الذاكرة و الذكرى اللذين تعودنا أن نربط بينهما و
أن نعلقهما بنمط واحد للزمان هو نمط الماضي. و لا بأس أن نستأنس هنا بإشارة
لهايدغر طالما رددها في عديد من محاضراته يؤكد فيها أنه" في البدء لم يكن لفظ
ذاكرة ليعني القدرة على إحياء الذكرى و استرجاع الماضي". إن ذلك اللفظ يحيل
" إلى النفس بكاملها كاستيعاب باطني دائم لكل ما يخاطب الإحساس بكامله.
الذاكرة في أصلها هي الحضرة بالقرب من ... هي أن نظل مشدودين إلى.. لا إلى الماضي
وحده، وإنما إلى الحاضر، و كل ما سيأتي. إن ما مضى و ما هو حاضر و ما سيأتي، كل
هذا يلتقي في وحدة الحضرة التي تتخذ كل مرة، طابعا خاصا."
في هاته الحضرة إذن لا
يجثم علينا الماضي بكل ثقله، وإنما ينفجر اندفاعة نحو المستقبل، أو لنقل إننا لا
نحيي الماضي هنا إلا لنبتعد عنه. الحضرة إذن ليست حضورا و امتلاء و إحياء و وصلا و
اتصالا، وإنما هي كذلك، و ربما أساسا، غياب و ابتعاد وانفصال.
ليست الذكرى فحسب مناسبة استرجاع
و ربط للصلة، و إنما هي كذلك مناسبة انفصال و تجديد للانفصال، إنها ليست مناسبة
إحياء، فقد تكون أيضا، وربما أساسا مناسبة دفن جديد.
على هذا النحو ينبغي أن
نتساءل، بمناسبة هاته المسافة الزمنية التي تبعدنا عن سارتر، عن المسافة المعنوية
التي أصبحت تفصلنا عنه. و لعل هذا هو ما
يبرر رجوعنا فيما سيتلو إلى أسماء عاصرت سارتر و تعلمت منه ومعه، إلا أنها انفصلت
عنه ك ر .بارط وم . فوكو ول. ألتوسير و ب. بورديو... و نحن نعتقد أن هذا هو السبيل
لإحياء ذكرى سارتر، و لعله أفضل السبل وفاء له. أ لم ينعت سارتر بأنه فيلسوف الانفصال
؟ Le philosophe de la rupture ألم تكن
فلسفته، و ربما حياته سلسلة من الانفصالات: الانفصال عن برغسون، عن جيد، عن النزعة
الفردانية اللا انسية، عن الحزب الشيوعي، عن مالرو، عن ميرلوبونتي، عن كامو...؟.
حتى نثبت الانفصال و حتى
نمارسه ينبغي أن نحدد طبيعة الحضور الذي كان لسارتر بيننا. وهنا أستسمحكم
بالمجازفة بهذا الحكم الذي لا شك أنه سيكون في حاجة إلى إثبات و تحديد، و سأبادر
إلى القول بأن سارتر لم يحضر بيننا فيلسوفا.
تقتضي منا هاته العبارة
بعض التوقف لتحديدها و استخلاص معانيها.
المعنى الأول أن سارتر لم
يقرأ عندنا فيلسوفا. فإضافة إلى محاولاته الأولى حول تعالي الأنا و الخيالي
و التخيل و نظرية الانفعال، فان الوجود و العدم و نقد العقل الجدلي لم يجدا صدى كبيرا
عندنا. فعدا بعض الصفحات حول النظرة و الآخر، وعدا مقدمة الكتاب الثاني التي نشرت
مستقلة تحت عنوان "قضايا منهج"، لم يكن لسارتر الفيلسوف بيننا قراء. و
ربما لم تتجاوز قراءاتنا لفلسفته محاضرته العمومية عن " الوجودية نزعة
انسانية" و مقدمة كتابه في الانفعال، ومقدمة نقد العقل الجدلي، و
صفحاته عن النظرة.
بيد أن هذا الغياب لا
يقتصر على مدى رواج فلسفة سارتر في سوق القراءة، وإنما يتعداه إلى برامجنا
المدرسية بل يطال حضوره عند مفكرينا. و هنا لا بد أن نقف عند شهادة دالة ونعرض لما
كتبه المرحوم عبد الرحمان بدوي
قائلا:"لم أكن أعرف لسارتر قبل 1945 أية علاقة بالوجودية، لقد قرأت له
قبل ذلك كتابه الأول في علم النفس و عنوانه التخيل... و آخر كتاب لسارتر في
الوجودية هو الوجود و العدم، و لما قرأته وجدته بعيدا كل البعد عن وجودية
هايدغر، و خليطا من التحليلات النفسية. و منذ قراءتي له لم أشعر نحو سارتر بأي
تقدير من الناحية الفلسفية و عددته مجرد أديب".
لقد اعتبر البعض كلام
المرحوم بدوي هذا عدم اعتراف بالدين، هذا إن لم ينظر إليه على أنه علامة على
اعتداد بالنفس. لكن ربما أعدنا النظر في هذه الأحكام المتسرعة إن ربطناها بما كتب
عن سارتر الفيلسوف في موطنه. أليس ما كتبه ألتوسير، على سبيل المثال، أشد قسوة مما
قرأناه الآن ؟ يقول الفيلسوف الماركسي:"لم يفارقني الاعتقاد بأن سارتر، ذلك
المفكر اللامع، صاحب "الروايات الفلسفية الضخمة"مثل الوجود و العدم
أو نقد العقل الجدلي، لم يفهم شيئا لا فيما يتعلق بهيجل أو ماركس، و
بالأولى ما يتعلق بفرويد"[2].
وحتى الذين لم يذهبوا هذا
المذهب ليعتبروا أن كتابات سارتر الفلسفية" مجرد تحليلات نفسية" أو
"روايات فلسفية ضخمة"، فإنهم صنفوه ضمن التراث التقليدي للفلسفة.فهذا
هايدغر يكتب في الرسالة في النزعة الإنسانية سنة1947 بأن الأمر
يتعلق"بلغة جديدة داخل ميتافيزيقا تقليدية"[3].و هذا فوكو يضع سارتر الفيلسوف ضمن ممارسة غدت متجاوزة، يقول:" لقد
ولى العهد المجيد للفلسفة المعاصرة، عهد سارتر و ميرلوبونتي حيث كان يطلب من النص
الفلسفي، من النص النظري، أن يجيبك ما الحياة و ما الموت؟ ... ما الحرية؟...و ماذا
ينبغي القيام به في الحياة السياسية؟ و كيف ينبغي أن نتصرف إزاء الآخر؟.. يظهر
الآن أن هذا النوع من الفلسفة لم يعد يجري به العمل، و أن الفلسفة، إن لم تكن قد
تبخرت، فهي قد تشتتت وتبعثرت"[4].)
ما يأخذه هؤلاء على سارتر
اذاً أنه لم يقف على مواطن الحداثة الفلسفية، و أنه كان ما يزال يؤمن بإمكانية
التعبير عن تعقد العالم عن طريق منظومة من المفاهيم المجردة، كان ما يزال يزعم
تحديد معنى الوجود، و تعيين بنية الكائن البشري، و إدراك معنى التاريخ.
بل إن من المعاصرين أمثال
دريدا من ينظرون إليه على أنه ظل ميتافيزيقيا غارقا في نزعة إنسانية، و انه ظل
بعيدا عن الحداثة الفكرية، و لم يخرج عن ميتافيزيقا الذاتية و فلسفات الكوجيطو.[5]
لا شك أن في هاته الأحكام
شيئا من القسوة، إن لم نقل من التجني. فهي لا تأخذ بعين الاعتبار مساهمات سارتر
الهامة في المجال الفلسفي، و لعل أهمها محاولته فتح الفلسفة الفرنسية، التي كانت
غارقة في البرغسونية و الكانطية الجديدة، على مكتسبات التحليل الفينومينولوجي.
ويكفي أن نذكر هنا نصه الأساس في " مفهوم القصدية عند هوسرل"حيث يعيد
النظر في مفهوم الوعي و يجعله"ليس شيئا آخر غير ما فيه خارج، غيرهروبه الدائم
و رفضه أن يكون جوهرا"[6]، و كذا كتيبه الطريف حول تعالي الأنا (1936) حيث لا يقدم الأنا
كقوة توحيدية و لا يكون له وجود إلا في المستوى الانعكاسي التأملي، إذ أن الوعي
الانعكاسي هو الذي يشكل الوجود من أجل ذاته فيحول دون أن يظل الوعي "حقلا
متعاليا بدون ذات". و لابد أن نذكر هنا أيضا الأهمية التي أعطاها سارتر
لمفهوم المشروع و الخروج و الارتماء في المستقبل في تحديده لزمانية الوجود من أجل
ذاته، وكذا مفهومه عن الحرية التي جعلها مرتبطة ببنية الوعي ذاتها، فجعل الانسان
يبتدع ذاته. و كلنا يذكر العبارة التي طالما رددها أخذا عن لوكيي من أن الإنسان
"يكون ما ليس هو، و لا يكون ماهوعليه".
قد يقال إن هاته الحدوس لم تستطع أن تقف على الهزة الفكرية التي
ستتبلور في نهاية الستينات، لذا فان حضور صاحبها قد ظل باهتا في هذا المجال. و على
رغم ذلك، و مهما قلنا عن فلسفة سارتر، فنحن لا نستطيع أن ننكر ما كان لسارتر الفيلسوف من بالغ الأثر في تغيير
مفهومنا عن الفلسفة، فمعه لم تعد الفلسفة بالضرورة تأريخا للفلسفة، ولم تعد
بالأولى عملا أكاديميا، و"معرفة" فلسفية. لقد رسخ سارتر صورة جديدة عن
الفلسفة، بحيث لم تعد فضاءاتها هي رحاب الجامعة، بل إنها لم تعد معه اختصاصا و
وقفا على نخب. و لعله، من بين الفلاسفة الفرنسيين، أول من ردم الهوة التي ظلت لوقت
غير قصير تفصل الفلسفة عن الأدب، و تحبس الأجناس الأدبية داخل أسوار منغلقة.
لعل هاته الجدة هي ما
جعلت جيل دولوز، أحد كبار فلاسفة فرنسا المعاصرين، بل ربما أكبرهم على الإطلاق،
يكتب معترفا بدينه لسارتر :"لقد كان معلمي"[7]. بل لعلها هي ما جعلت رولان بارط ، رغم انتقاداته المعروفة لفيلسوف
الالتزام ،يكتب:"لقد كان لقائي مع سارتر ذا أهمية كبرى بالنسبة إلي. كنت، لا
أقول أعجب، إذ ليس لهذه الكلمة معنى، بل كنت أرتج و أتحول و أوخذ، بل إنني كنت
أحترق بكتاباته و محاولاته النقدية".
لا يعني هذا مطلقا أن
بارط لم ينفصل عن معلمه. بل إننا يمكننا أن نذهب حتى القول بأنهما ينتميان ثقافيا
لجيلين متعارضين: الأول للجيل الوجودي الذي كان يعتقد أن الإنسان هو الذي يخلق
المعنى، بينما الثاني للجيل البنيوي الذي يعتقد أن المعنى يحصل و يجيء إلى الإنسان
و يقتحمه.
فرغم أننا نجد عند بارط،
كما هو الشأن بالنسبة لسارتر،الرغبة نفسها في التوفيق بين التاريخ و الحرية، و
النفور ذاته من الإيمان الفاسد و سوء الطوية الذي ينطوي عليه الأدب البرجوازي الذي
يستكين إلى"الخمول الثقافي"، و رغم أن بارط يعتقد أن بامكان
السيميولوجيا أن تعمل على إنعاش النقد الاجتماعي "فتلتقي مع المشروع
السارتري" ، و رغم أن بارط يبدي إعجابه بمفهوم الالتزام، إلا أنه لم يكن قط
ليطيق لغة النضال التي لم يستطع سارتر أن يحيد عنها. و يكفي دلالة على ذلك أن
نتذكر ما قاله هذا الأخيرعن فلوبير مثلا حينما اعتبره " مسئولا عن القمع الذي
أعقب الكمونة لأنه لم يكتب و لو سطرا واحدا للحيلولة دونه". لقد كان بارط
يعتقد أن الأدب لا يمكنه أن يعالج إلا اللغة، و بالتالي فان الالتزام لا يظهر فيه
إلا عبر الكتابة.ذلك أنه يميز بين:
1 - اللغة التي هي منظومة
من القواعد و العادات التي يشترك فيها جميع كتاب عصر بعينه.
2-الأسلوب الذي هو الشكل،
ما يشكل كلام الكاتب في بعده الشخصي والجسدي,
3-الكتابة التي تتموضع بين اللغة و الأسلوب و عن
طريقها يختار الكاتب و يلتزم. الكتابة هي مجال الحرية و الالتزام. " اللغة و
الأسلوب قوى عمياء, أما الكتابة فهي فعل متفرد تاريخي. اللغة و الأسلوب موضوعان،
أما الكتابة فهي وظيفة. إنها العلاقة بين الإبداع و المجتمع، و هي اللغة الأدبية و
قد حولها التوجيه الاجتماعي، هي الشكل وقد أدرك في بعده الإنساني وفي ارتباطه
بالأزمات الكبرى للتاريخ".
ما يقوله سارتر عن الأدب
يقوله بارط عن الكتابة. لكن بينما يربط الأول الأدب بالالتزام السياسي للكاتب و
المحتوى المذهبي لعمله، فان الثاني ينفصل عن معلمه معلنا" أن قدرات التحرير
التي تنطوي عليها الكتابة لا تتوقف على الالتزام السياسي للكاتب، الذي لا يعدو أن
يكون إنسانا بين البشر، كما أنها لا تتوقف على المحتوى المذهبي لعمله، و إنما على
ما يقوم به من خلخلة للغة."هذه الخلخلة لا تعني سارتر البتة ما دام يرى أن
الناثر " هو دائما وراء كلماته متجاوز لها ليقرب دوما من غايته في
حديثه".
هل يعني هذا أن نظرية
الالتزام السارترية لم تعد ذات جدوى؟ يبدو هنا أن ما قلناه عن سارتر الفيلسوف يصدق
عن سارتر الملتزم: فكما أن حضور سارتر الفيلسوف بيننا لم يكن حضورا لفلسفة، فكذلك
الشأن بالنسبة للالتزام، انه لم يحضر عندنا كنظرية، بل ربما كان الأمر كذلك حتى
عند صاحبه، إذ يبدو أن الالتزام لم يكن في حاجة إلى تنظير عند سارتر. فهو يقول
" إن الحرب علمتني أن ألتزم"، و" اننا محكوم علينا
بالالتزام". إننا منضوون شئنا ذلك أم أبيناه.
ليست نظرية سارتر عن
الالتزام هي التي كانت ذات أهمية بالنسبة إلينا، بل انضواء سارتر نفسه. لقد شكل
سارتر بالنسبة لجيل بكامله نموذج حياة، أو على الأقل نموذج المثقف. وكان من بين
الأوائل الذين نبهوا أن الأدب سياسة و أن الثقافة التزام، ولا أحد يمكن أن ينكر أن
مثقف الستينات عندنا لم يكن ليلجأ إلى مفهومات اللاشعور و الإيديولوجيا لتحليل
واقعه الفكري، بل إلى مفهوم الالتزام و إلى فلسفة ضمنية عن العمل ومفهوم خاص عن
الحرية، كما أنه لم يكن ليتخذ لينين أو تروتسكي نموذجا تاريخيا، بل كان يكتفي
بفرانز فانون و نيزان وسارتر نفسه ليقف إلى جانب المظلومين و "المعذبين في
الأرض".
وعلى رغم ذلك فلم يمدنا
سارتر بنظرية كافية عن المثقف. و ربما لأن ذلك كان يستلزم إعادة نظر في مفهومات لن
تتبلور إلا فيما بعد كمفهوم السلطة و علاقتها بالمعرفة، وكل ما سيسفر عنه البحث في
ما سيسمى " الاقتصاد السياسي للحقيقة".
ومهما كان الأمر فإننا لا
نستطيع أن ننكر أن سارتر استطاع "أن يناضل من أجل الحرية الشخصية، و من أجل
الثورة الاجتماعية" في الوقت ذاته[8], و تمكن من أن يجسد موقفا يزاوج بين لامعقولية التاريخ و ضرورة العمل، بين
عبث الوجود و المسئولية الأخلاقية، بين "قوة الأشياء" و قوة
الكلمات"، فحاول أن ينقذ الإنسان من الغرق في بحر التاريخ الذي عينته
الفلسفات الجدلية.
كان سارتر يقدم وجوديته
على أنها محاولة لإنعاش الماركسية و إيقاظها من سباتها الدوغمائي. ذلك أن
الماركسية ظلت في نظره هي " الفكر الذي يهيمن على عصرنا و يفهمه ويعبر
عنه"، إنها " ليست إلا التاريخ و قد وعى ذاته"، و هي "الأفق
الفلسفي لزماننا الذي لا يمكن تجاوزه". و على رغم ذلك فان إنعاش الماركسية
عنده لم يتجاوز تطعيمها بمقولات من شأنها أن تفتحها على الحرية و الجواز، وتقحم
الذاتية في صميم الحركة الجدلية. لقد ظل سارتر عاجزا عن خلخلة حقيقية للماركسية
التقليدية، بعيدا عن إعادة قراءة نصوصها على ضوء مستجدات الأبحاث الابستملوجية و
الأنتربلوجية و التحليلية، وكل تلك الأدوات التي سيتسلح بها الجيل الذي عاصره و
أعقبه مباشرة أمثال ألتوسير و كانغيليم و فوكو...و كل أولئك الذين لم يتجاهلوا قط
منجزات الابستمولوجية الباشلارية التي مكنتهم من الوقوف على "الروح
الجديدة" التي نفخت في مختلف العلوم،
و جعلتها تقول لا للفلسفات التقليدية و تخلخل العقلانية الثاوية وراءها.
هذا الانفتاح هو الذي
سيسمح لألتوسير مثلا لا بالاكتفاء بتطعيم الماركسية بمقولات جديدة، و إنما بإعادة
النظر في مفهوم التناقض و مراجعة علاقة الماركسية بالنزعة التاريخية و النزعات
الإنسانية و فلسفات الوعي. و هذا أيضا ما سيسمح لفوكو أن يربط بين نيتشه و ماركس و
فرويد ليرى فيهم جميعا، لا مؤولين جددا للعالم، بل أصحاب نظرية جديدة في التأويل[9].و هذا أيضا ما سيسمح لبلانشو و دولوز أن يعيدا النظر في مفاهيم الاختلاف و
الآخر و التناقض و الجدل ليحررا السلب من هيمنة الكل و ليحولا دون توقيف عمله بفعل
أي تركيب.
لقد ظل سارتر يتجاهل
مخاضا فكريا سيعطي أكله مع هؤلاء، فهو لم يلتفت قط إلى باشلار الذي أصدر كتابه
الهام في "المادية العقلانية" في السنة نفسها التي ظهرت فيها رواية الغثيان،
و لم يلتفت الى هيبوليت الذي كان يمهد في
دروسه لخلخة مفهوم الجدل، و لا إلى كتابات بلانشو وباتاي..بل انه لم يول أهمية
لمدرسة الحوليات و لا حتى إلى نيتشه الذي" لم يمثل بالنسبة إليه
شيئا"على حد تعبيره.
هل كان بامكان سارتر ، و
الحالة هذه أن يجدد الماركسية؟ لكن مهما كانت مآخذنا على "ماركسية"
سارتر، إلا أننا لا نستطيع أن نذهب حتى إنكار مفعولها العملي، فهي التي أمدت
صاحبها بقوة العمل و دفعته إلى اتخاذ مواقف لا يمكن للتاريخ المعاصر أن ينساها
سواء ما تعلق منها باستعمار الجزائر أو بحرب فيتنام.لنقل ما شئنا عن فهم سارتر
للماركسية لكننا لا نستطيع أن ننكر الدور الذي لعبته "مواقفه" في دفع
جيل بكامله نحو العمل و الانضواء في التاريخ.
هاهنا أيضا لم يكن لنظرية
سارترالماركسية أهمية بقدر ما كان لسارتر نفسه أهمية بالنسبة للماركسية و بالنسبة
إلينا. فقد حال بيننا وبين التقليد، و صاننا ضد التوتاليتارية الفكرية و عقمنا ضد
كل ماركسية وثوقية.
و بعد...
ها أنتم ترون أننا لم
نستطع أن نبرر حضور سارتر القويّ بيننا بالرجوع إلى فلسفته أو نظريته عن الالتزام
و عن دور المثقف أو فهمه للماركسية، بقدر ما استطعنا ذلك بالرجوع إلى الرجل نفسه و
إلى "مواقفه". لقد تبينا أن سارتر هو بالنسبة إلينا
"مواقف" أكثر منه فلسفة و نظريات. فما الذي سمح بهذه
"المواقف"؟ و كيف أمكن ظهور هذا المثقف الكلي الذي كان له حضور كبير
وعلى جميع الواجهات؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو.
و نحن نلح هنا على ذكر علم الاجتماع إشارة إلى أن الأمر يتعلق في نظرنا بظاهرة
يمكن أن نسميها "الظاهرة السارترية".
يرى بورديو أن سارتر تمكن
من أن يصبح "بؤرة" يتجمع عندها مختلف العناصر التي كانت تشكل الشخصية
الاجتماعية للمثقف التي ظهرت معالمها مشتتة مبعثرة فيما قبل. فهو استطاع لمّ هذا
الشتات و تجسيد جميع أشكال الحياة التي عاشها المثقفون الفرنسيون كلا على حدة. و
لعل هذا ما جعل المثقفين الذين عاصروه، حتى و إن بلغوا مرتبة ميرلوبونتي أو ريمون
آرون أو كامو, يبدون، قياسا به، هو المثقف "الكلي" مثقفين
"جزئيين". فان كانوا فلاسفة مثل ميرلوبونتي، فهم ليسوا نقادا و كتاب
مسرح أوسيناريو أو رواية، وان كانوا كذلك مثل كامو فهم ليسوا فلاسفة، و إن كانوا
علماء اجتماع أو مفكرين سياسيين مثل آرون، فهم ليسوا ملتزمين و لا علاقة لهم
بالنقد و الأدب. أما سارتر، فكان كل هذا، بل كان وحده كذلك. لذا استطاع أن يبقى
على منتصف الطريق، بين الارتباط و الاتصال، و بين القدرة الدائمة على الانفصال، بين
الالتزام الحزبي و بين الحرية. لقد استطاع أن يكون ثوريا على طريقته، ثوريا
"نظيف الأيدي"، ثوريا من دون أن يحيد عن "دروب الحرية". و
"هذه المسافة التي فصلته عن كل المواقع الجاهزة و كل من يحتلونها، سواء
أكانوا شيوعيين منضوين تحت مجلة " النقد الجديد"، أو كاثوليكيين، تحت
مجلة "الفكر"، هذه المسافة هي التي حددت " المثقف الحر". و
هكذا استطاع سارتر أن يحقق إلى أقصى الحدود، و هم وضوح الذات بالنسبة لنفسها، ذلك
الوهم الذي يوجد وراء رفض كل التحديدات، والإصرار على إنقاذ المثقف من كل محاولة
اختزال سواء برده إلى النوع أو إلى الطبقة".
نعم، وراء القدرة
العنيدة التي كانت لسارتر على الانفصال
وهم، إلا أنه كان وهما ذا مفعول حقيقي جعل صاحبه يحضر بقوة، لا بين ذويه و
مجايليه، بل بيننا جميعا، حيّاً وميتا./.
[1] - مداخلة في ندوية الذكرى المؤوية لسارتر
بالمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة
[2] - Althusser, (L), L'avenir dure
longtemps, 1992, p199.
[3] -Heidegger, (M)," Lettre sur
l'humanisme", in Questions 3, Gallimard, 1966
[4] -Heidegger, (M)," Lettre sur
l'humanisme", in Questions 3, Gallimard, 1966) Foucault (M), in Magazine littéraire, mars
1966
[5] - Heidegger,
(M)," Lettre sur l'humanisme", in Questions 3, Gallimard,
1966Derrida (J), Marges, Minuit,
1972, p 137
[6] - Sartre," Une idée
directrice dans la phénoménologie de Husserl: l'intentionnalité",
Situations 1, Gallimard, 1974, pp31-35.
[7] -Deleuze (G),"il a été mon maître", in L'île déserte et
autres textes, minuit, 2002, pp109-110.
[8] -(Sartre, Situations2, Gallimard,
1976, p298.
[9]
-(Foucault (M),
"Nietzsche, Freud, Marx", in Nietzsche, Colloque de Royaumont,
Minuit, 1967.