ص1

 

الأصـوات والحـروف

عن اللغة والكتابة

 

أحمد الشارفي

مقدمة : 

عرف اللغويون العرب القدامى اللغة بأنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم. كما أن اللسانيين المعاصرين يتفقون على أنها أصوات منظمة على عدة مستويات لتؤدي معاني مختلفة. ولا يجادل أحد على أن اللغة والكتابة نظامان مختلفان تماما، بل إن الكتابة لم تخترع إلا لكي توجد تمثيلا عينيا Representations Visual للأصوات اللغوية. غير أنه في غالب الحضارات التي عرفت الكتابة، يلاحظ أن الخط يتبوأ مرتبة أسمى من مرتبة الأصوات، بل غالبا ما تصبح اللغة هي الكتابة. فعلى سبيل المثال، يورد سوسير saussure أن بعض المثقفين المعاصرين له عارضوا بشدة مشروعا لإصلاح الكتابة الفرنسية ظنا منهم أن أي تغيير في الكتابة سيؤدي حتما إلى تغيير اللغة


[1]. وتعرف علاقة اللغة بالكتابة في العالم العربي الحديث ارتباطا أقوى، ذلك أن الوضعية اللغوية في البلدان العربية عامة، وفي المغرب خاصة، تتسم بخصوصية تكاد تكون منفردة. فمن جهة، هناك لغات التواصل اليومي كالدارجة والأمازيغية، التي يتعلمها الأفراد في سن مبكرة، ومن جهة ثانية، هناك اللغة العربية المسمــاة بالفصحــى التي تختص بمجال الدراسة والخطب الدينية والرسمية والإبداع الأدبي والمراسلات، إلخ. وقد نتج عن هذه الوضعية أن العربية أضحت هي اللغة بامتياز لأنها مكتوبة، بينما اعتبرت الدارجة والأمازيغية مجرد لهجات لأنها غير مكتوبة. ونحن هنا إذ نعالج علاقة اللغة بالكتابة نتوخى من وراء ذلك أن نقدم قراءة نقدية في بعض تجليات ثقافتنا اللغوية.

فيما يلي، سنعرض بالدرس والتحليل إلى الكتابة في علاقتها مع مختلف المستويات اللغوية من أصوات وصرف ونحو. وسنورد كذلك فقرة وجيزة عن التغير اللغوي والتنافر الذي يحدثه بين الكتابة واللغة. ومن خلال عرضنا هذا، سنخلص إلى النتائج التالية:

1-نظام الكتابة يقتضي تحليلا مسبقا للغة المراد كتابتها، وهذا التحليل لن يكون إلا تجريدا يرصد الوحدة والنظام داخل التعدد.

2- الحروف لا تمثل الأصوات من حيث هي كذلك، بل من حيث هي وحدات مجردة تتحدد أساسا بعلاقاتها التقابلية.

3- نظام الرسم قد يأخذ بعين الاعتبار التبدلات الصرفية وكذا اختلاف اللهجـات.

4- قد يستغني الرسم عن كتابة كل ما يمكن معرفته انطلاقا من قواعد صوتية أو صرفية أو نحوية أو دلالية عامة.

5- لا تتمتع الأنظمة الكتابية عامة بانسجام داخلي تام.

6- لا تساير الكتابة عادة التغيير الذي يلحق اللغة مما يستدعي إصلاحها.

ورغم أن هذه النتائج تبدو عامة، إلا أن اهتمامنا سينكب كاملا على اللغة والكتابة العربيتين وذلك لأن هدفنا – كما أشرنا إلى ذلك- هو مناقشة ونقد بعض جوانب ثقافتنا اللغوية الصريح منها والضمني.

الأبجدية والأصوات اللغوية. 

تنقسم الكتابات المعروفة لحد الآن إلى نوعين: كتابة إيديوغرافية وأخرى صوتية. أما الكتابة الإيديوغرافية فهي التي تحتوي على عدة رموز وكل رمز يمثل كلمة واحدة بغض النظر عن الأصوات المتوالية والمكونة لتلك الكلمة. وفي هذا النوع من الكتابة المشهورة عند حضارات الشرق الأقصى مثلا، يعتبر الرمز تمثيلا للفكرة، ومن ثم يصبح ملتصقا بها أكثر مما يلتصق بالواقع الصوتي. فمفهوم (رجل) مثلا يرمز له بشكل معين، وهذا الشكل وحده غير كاف لمعرفة أن الكلمة التي تعبر عن مفهوم (رجل) تتكون من راء وجيم ولام وحركاتها. ونظرا لذلك، فإن عدد الإديوغرافات يكثر كلما كثر عدد الكلمات.

وعلى العكس من ذلك، فإن الكتابة الصوتية تنطلق من أصوات اللغة التي   تكون دائما قليلة بالمقارنة مع عدد الكلمات. فهذا النوع من الكتابة يسمى أبجدية Alphabet  ويشتمل على حروف وكل حرف يمثل وحدة صوتية. ونظرا لأن الحضارة العربية استعملت منذ نشأتها الكتابة الصوتية، فإن حديثنا سيقتصر على هذا النوع فقط دون الكتابة الإديوغرافية.إن الأصوات اللغوية تختلف من لغة إلى أخرى غير أنه بالإمكان جرد جميع الأصوات التي تعرفها اللغات الطبيعية وإيجاد وصف لها وتصنيفها، وهذا ما يختص به علم الصوتيات Phonetics . كما أنه بالإمكان إيجاد لائحة من الرموز الكتابية يمثل كل رمز فيها صوتا معينا كما هو الشأن بالنسبة للأبجدية الصوتية العالمية (IPA) International Phonetic Alphabet فباستعمال هذه الأبجدية، يمكننا ملاحظة أن اللام مثلا تختلف في كل من  "لاحظ" laaħid و"لاحم"laaħim  حيث إنها في الكلمة الأولى مفخمة كما تبيين النقطة أسفل l بينما في الكلمة الثانية فهي رقيقة .ويمكن تسجيل الملاحظة نفسها بالنسبة للراء من "مرض"mara¼ و "مرآة" mir?aat وتخبرنا الصوتيات أن التفخيم أو الإطباق هو ارتفاع مؤخر اللسان نحو أقصى الحنك الأعلى . فالفرق بين الصاد والضاد والطاء والظاء من جهة، والسين والدال والتاء والذال من جهة ثانية هو سمة التفخيم التي تتوفر في المجموعة الأولى دون المجموعة الثانية. كما أن الصوتيات تعلمنا أن الأصوات اللغوية تتميز عن بعضها البعض حسب آليات نطقها أو حسب مخارجها. وانطلاقا من هذين المعيارين يمكن تصنيف الأصوات اللغوية إلى مجموعات طبيعية، أكبرها مجموعتا الصوامت والصوائت consonants /vowels.

فالصوامت أصوات تحدث عند احتكاك الهواء بمنطقة ما من الجهاز الصوتي، أما الصوائت فتنتج عن اهتزاز الوترين فقط دون أن يلمس اللسان أي عضو يشترك في إحداث الأصوات. وتعرف هاتان المجموعتان في العربية بالحروف والحركات. كما يمكن تقسيم الأصوات إلى مجهورة وأخرى مهموسة.فالأصوات المجهورة هي التي يصاحبها اهتزاز في الوترين أما الأصوات المهموسة فلا يصاحبها هذا الاهتزاز.فالدال والتاء مثلا، يشتركان في كل السمات ماعدا سمة الجهر/الهمس حيث إن الأول مجهور والثاني مهموس، الشيء نفسه ينطبق على الذال والثاء، على الضاد والطاء، على الزاي والسين،  على الجيم والشين إلخ. بالإضافة إلى ما سبق ذكره، تختلف الأصوات كذلك من حيث الشدة والرخاوة،حيث إن الأصوات الشديدة أو الانفجارية تنتج عن انسداد تام بين عضوين وانطلاق الهواء فجائيا بعد انفصالهما، في حين أن الأصوات الرخوة أو الاحتكاكية تحدث عن تقارب عضوين تقاربا شديدا لكن دون التحامهما حيث يسمح للهواء بالمرور بينهما.  ومن الأصوات الشديدة في العربية التاء والدال والطاء...أما الرخوة فمنها السين والزاي والشين والفاء …هذا من حيث آليات النطق، أما من حيث المخارج، فالأصوات تتميز كذلك عن بعضها البعض باعتبار الأعضاء التي تحدثها. فالباء والميم مثلا تحدثان عند التقاء الشفة العليا بالشفة السفلى، لذلك تصنفان ضمن الأصوات الشفوية، بينما تحدث كل من التاء والذال والطاء والضاد مثلا عند التحام مقدم اللسان باللثة وأسفل الأسنان العليا ولهذا تسمى أصوات أسنانية لثوية. وهكذا تتعدد المخارج ما بين الشفتين في مقدمة الجهاز الصوتي والحنجرة في مؤخرته. هذه نظرة وجيزة عن طبيعة الأصوات اللغوية كما تحددها الصوتيات المعاصرة، فهل تعكس الأبجدية العربية هذه الحقيقة ؟

بالنظر إلى نظام الخط العربي وأشكال حروفه يتبين أن الرسم العربي يعكس فهما خاصا عن طبيعة النطق وعلاقة الأصوات ببعضها البعض. ويمكن تسجيل العديد من الملاحظات في هذا الشأن. من ذلك مثلا أن الأبجدية العربية تشتمل على الصوامت دون الصوائت في حين أن الأبجدية اللاتينية أو اليونانية مثلا تتضمن النوعين من الأصوات. بل إن الصوائت في العربية اعتبرت تابعة للصوامت حيث أن الحروف تكون إما ساكنة أو متحركة. فالحركات لا تتمتع باستقلاليتها وتكتب إما فوق الصامت كما هو الشأن بالنسبة للفتح والضم أو تحت الصامت كما هو الشأن بالنسبة للكسر. وفي واقع الأمر, لا تكتب الحركات إلا في المصاحف وكتب الأطفال. قد يكون لهذا النظام دوافع كما سنحاول تبيان ذلك فيما بعد، غير أنه من الناحية الصوتية يعتبر ناقصا. فقد رأينا فيما سلف أن الصوائت لا تقل مرتبة عن الصوامت حيث ذكرنا أن الفرق الوحيد بين المجموعتين هو أننا نجد احتكاكا عند حدوث الصامت ولا نجده عند حدوث الصائت. ويبدو أن غياب الاحتكاك عند نطق الصائت هو الذي خلق انطباعا بأن الحركات ما هي إلا أشكال مختلفة لنطق الصوامت[2]. فعند إصدار "كَ" أو"كُ" مثلا، يخال المرء أنها مجرد كاف يزامنها افتراق الشفتين أو ضمهما بشكل دائري، فيعتقد أن هناك على الأقل ثلاثة أنواع من الصوامت : واحد مفتوح وآخر مضموم وثالث مكسور. والحقيقة أن الصوامت والصوائت لا تتزامن عند النطق بل تتوالى، ويظهر ذلك جليا عند نطق الباء التي تحدث بعد انسداد تام بين الشفتين وانفتاحهما بشكل فجائي ثم بعد ذلك يأخذان أي شكل يرتبط بنطق إحدى الحركات. ثم إن إحداث الصوائت لا يقتصر على الشفتين فقط، بل كذلك على اللسان الذي يأخذ أوضاعا مختلفة.فمثلا، عند نطق الضمة، يرتفع مؤخر اللسان نحو منطقة الطبق، بينما يبقى منخفضا في حالة الفتحة. وقد نتج عن إهمال الصوائت في الكتابة العربية مشاكل لغوية عديدة سواء في القديم أو في الحاضر. فمنذ الفترة الأولى من تاريخ الثقافة العربية الإسلامية برز ما يعرف بالقراءات القرآنية وخاصة تلك الحالات التي يؤدي فيها تغيير الحركة إلى تغيير في المعنى. وفي العصر الحديث حيث لم تعد العربية لغة التخاطب بل أصبحت لغة القراءة والكتابة بامتياز، يعتبر عدم كتابة الحركات من بين أسباب اختلاف "العربيات" من ذلك مثلا أن المشارقة يقرؤون"الصِحافة" و"النِفط" بكسر الصاد والنون بينما يقرأها المغاربة بفتح الصاد والنون. كما يؤدي عدم كتابة الحركات إلى أخطاء نحوية وصرفية شائعة كما هو الشأن في "العلاقات الدّوَلية" و "التكوين المهَني" حيث الصفة مشتقة من الجمع عوض المفرد، إلى غيرها من الأمثلة. وقد نادى بعض الدارسين المعاصرين بكتابة الحركات على السطر جنبا إلى جنب مع الحروف إن أراد الخط العربي أن يصلح لكتابة لغات أخرى غير العربية[3].

ويعتبر في عداد الحركات في الكتابة العربية كل من الجزم (السكون) والشدة (الإدغام) والتنوين[4]. فالجزم عبارة عن دائرة صغيرة تكتب فوق الحرف الساكن، والشدة تكتب فوق الحرف المدغم وهي على شكل رقم ثلاثة مقلوب إلى الأعلى. في حين أن التنوين يرمز إليه بحركتين. وبالنظر إلى طبيعة هذه الرموز ومدى اختلافها مع الحركات الحقـة  من الناحية الصوتية، يبدو من الصعوبة بمكان تحديد تصور اللغويين العرب الأوائل في هذا الشأن .فالجزم ببساطة هو غياب الحركة، وإذا أخذنا بالحسبان أن الحركة صوت مستقل بذاته، فإن الجزم يصبح رمزا كتابيا لا يمثل أي واقع صوتي. فكلمة "نهر" على سبيل المثال، تكتب بالأبجدية الصوتية العالمية على الشكل التالى  nahr حيث يرمز للفتحة بحرف "a "بينما لا نجد أي مقابل للسكون، وقد تكون إضافة الجزم ناتجة عن اعتقاد محتمل لدى  اللغويين العرب بأن الحركات ليست سوى صيغ مختلفة لنطق الصامت كما بينا ذلك سابقا، وبأن السكون ما هو إلا صيغة أخرى  تضاف لهذه الصيغ. أما الشدة فتكتب فوق الحروف لتدل على أن هناك إدغام : والإدغام من الناحية الصوتية هو  وجود صامتين متجاورين من نوع واحد. ففعل "كسّر" مثلا، يحتوي على سينين وكلمة "دوّل" تحتوي على واوين، ولا يسع الدارس إلا أن يتساءل عن دوافع هذا العرف.كما لا يسعه إلا أن يتساءل  عن دوافع اعتبار التنوين حركتين. فالتنوين هو إضافة نون في آخر اللفظة. وقد تكون هذه اللفظة اسم نكرة نحو "رجلٌ"، أو اسم معرفة نحو "الخاسرون" وقد تكون اسما علما نحو" محمدٌ". والملاحظ أنه ليس هناك انسجام في كتابة التنوين الذي تبقى طبيعته النحوية غامضة حتى لدى الدارسين المعاصرين. فمرة يكتب نونا كما هو الشأن بالنسبة لجمع المذكر السالم، ومرة يرمز له بحركتين كما هو الشأن بالنسبة للمفرد النكرة وجمع المؤنث السالم. وإذا كانت كتابة النون هي الأصح من الناحية الصوتية، فإن تعويضها بحركة من جنس حركة ما قبلها يرجع إلى دوافع أخرى غير الدافع الصوتي سنعرض لها في فقرة لاحقة.

الحديث عن الحركات في العربية لا بد أن يجرنا إلى الحديث عن المد الذي يكتب ألفا عند مد الفتحة وواوا عن مد الضمة وياء عند مد الكسرة. ويبدو في هذا الصدد أن كتابة المد من أكبر نقط الضعف في الرسم العربي. فالمد من الناحية الصوتية هو حركة طويلة ليس إلا، أي أن الضمة الممدودة مثلا هي ضمة طويلة وليست واوا. ويرمز للمد في الأبجدية الصوتية العالمية بنقطتين بعد الصائت، إذ أن فعل "قال" مثلا يكتب على النحو التالي: la qa:  غير أنه هناك من يفضل الترميز له بخط فوق الصائت نحو qāla أو بصامتين متواليين نحو qaala .صحيح أنه في كثير من  اللغات الطبيعية تتحول الكسرة إلى ياء والضمة إلى واو ولكن ذلك يحدث أساسا في الصوائت المركبة، وهي مجموع صائتين مختلفين كما في لفظة five )خمسة( الإنجليزية حيث الصائت المركب يجمع بين الفتحة والكسرة. غير أن الصوائت المركبة تختلف تماما عن الصوائت الطويلة إذ تجمع هذه الأخيرة بين حركتين من جنس واحد.

وقد أدى هذا الخلط بين حروف المد وحروف اللين (semivowels)  إلى أخطاء في بعض تحليلات اللغويين العرب. من ذلك مثلا أن الخليل ابن أحمد الفراهيدي بنى نظامه العروضي على مسلمة تعتبر أن المد حركة فساكن وذلك باعتبار أن الألف والواو والياء حين لا تتلوها حركة فهي ساكنة. وهكذا، اعتبر الواو في لفظة "روح" مثلا ساكنا مادام لا تليه حركة على الرغم من أنه في هذا المثال لا يمثل أي صوت ساكن. كما أن كثيرا من اللغويين اعتبروا أن صيغة الأمر للفعل الثلاثي الأجوف تصاغ من المضارع وذلك بحذف حرف العلة لكي لا يلتقي الساكنين، مثل: قال ــ يقول ــ قل، حيث إن صيغة الأمر أصلها "قول" ولكن الواو حذفت –في نظر هؤلاء اللغويين- حتى لا يلتقي الساكنان[5]. فالدارس المعاصر يلاحظ أن الدرس اللغوي القديم لا يميز تمييزا واضحا بين المد واللين، حيث يعرف اللفيف المقرون على سبيل المثال (وهو أحد أقسام الفعل المعتل) بأنه كل فعل كانت عينه ولامه من حروف العلة، مثل "نوى". غير أنه لا يمكن الجمع بين الواو والألف المقصورة في هذا المثال في مجموعة واحدة، إذ إن الألف المقصورة ترمز لحركة طويلة بينما الواو شبه صائت (semivowel)  .ونعتقد أن هذا الخلط بين المد واللين راجع إلى الرسم فقط حيث حروف اللين تستعمل لترمز للمد أيضا.

وإذا انتقلنا من الحركات إلى الحروف التي ترمز للصوامت في العربية سنجد كذلك أنها تعكس تصورا خاصا لنطق الأصوات اللغوية وتصنيفاتها. فإذا نظرنا إلى أشكال الحروف وأخذنا بعين الاعتبار أوجه التشابه والاختلاف بينها، سنخلص  إلى أن الأبجدية العربية تصنف الأصوات حسب معايير تبدو من وجهة نظر الصوتيات المعاصرة أقل أهمية من نظيراتها الأخرى. فقد رأينا فيما سلف أن الصوامت تصنف من حيث الهمس والجهر، ومن حيث آليات النطق: هل هي احتكاكية أم انفجارية، ثم من حيث المخارج، إلى جانب معايير أخرى أقل أهمية كالتفخيم والصفير وغيرهما. إلا أنه في الأبجدية العربية نجد أن الصاد والضاد والطاء والظاء مثلا، وكلها أصوات مفخمة، تتشابه من حيث شكلها مما يدل على أنها صنفت على هذا الأساس. ولا ندري هل كان هذا التصنيف ينم عن عدم معرفة بمخارج الحروف وآليات نطقها أم عن حقيقة أخرى عن طبيعة التفخيم في العربية يجب البحث فيها. فمن حيث عدد السمات الصوتية، يعتبر الصاد مثلا أقرب إلى السين ذلك أنهما أسنانيان لثويان احتكاكيان مهموسان، ولا يختلفان إلا من حيث أن الأول مفخم/مطبق والثاني رقيق/منفتح. الشيء نفسه يقال عن الضاد والدال، والطاء والتاء، والظاء والذال. ورغم أن النظر في هذا الجانب من الأبجدية العربية من الأهمية بمكان، لا نود الخوض فيه حتى لا نحيد بعيدا عن الأهداف الرئيسية لهذا المقال.

ثمة حروف أخرى تتشابه من حيث أشكالها رغم تباعد الأصوات التي ترمز إليها من حيث عدد السمات المشتركة، من ذلك مثلا أن التاء لا تنقص عن الثاء إلا بنقطة واحدة مع العلم أن التاء صوت أسناني لثوي انفجاري أم الثاء فصوت بين أسناني احتكاكي، وكذلك الدال والذال اللذان لا يختلفان عن التاء والثاء إلا من حيث الهمس والجهر. فالدال يشترك مع التاء في سمات أكثر من تلك التي يشترك فيها مع الذال، والشيء نفسه يقال عن الثاء والذال. كما أن حرف الزاي له نفس شكل حرف الراء ولا يزيد عنه إلا بنقطة واحدة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أيضا أن أشكال الحاء والخاء والجيم تتشابه وكذلك العين والغين، والفاء والقاف، لا يسعنا إلا أن نستخلص بأن معايير كثيرة تداخلت لتفرز الأبجدية العربية وبأن المعيار الصوتي لم يكن طاغيا على انتباه مخترعي هذه الأبجدية.

الأبجدية والنظام الصوتي:

هل تعكس الأبجدية كل الأصوات الموجودة في لغة ما؟ الجواب عن هذا السؤال لابد من أن يكون بالنفي ذلك أن الأصوات اللغوية تكون أكثر بكثير من أحرف الأبجدية. وقد تكون كذلك أحرف لا تمثل أي صوت وجملة ما في الأمر أنها زيدت لأسباب صرفية أو جمالية أو غيرها كما سنبين من خلال مقاربتنا للأبجدية العربية.

لقد بينت اللسانيات المعاصرة، أن هناك أصواتا لغوية حاملة للمعنى وتسمى فونيمات phonemes  وأخرى مجرد فروع لها وتسمى ألفونات allophones. فإذا قارنا على سبيل المثال كلا من "عمل" و"عمد" وجدنا أن اللفظتين تتشابهان في كل شيء ماعدا في الحرف الأخير حيث حل الدال محل اللام، وبهذا تغير المعنى. لذلك نقول إن اللام والدال فونيمات. بينما لو استعضنا اللام الرقيقة بأخرى مفخمة لبقي المعنى واحدا، ولذلك فإن اللام المفخمة واللام الرقيقة مجرد فروع لأصل واحد هو اللام.  فاسم الجلالة مثلا يقرأ تارة بالتفخيم في مثل "الله أكبر" وتارة بالترقيق في مثل "باسم الله". ويبقى السؤال واردا عما هي المعايير والمستويات اللغوية التي تقصد الأبجدية تمثيلها.

يبدو أن الأبجدية بصفة عامة تلخص مجمل التقابلات الوظيفية التي تؤديها الأصوات اللغوية. بمعنى آخر، فالحروف الهجائية لا ترمز للأصوات من حيث هي كذلك ، ولكن من حيث إنها وحدات تؤدي وظيفة ما داخل النظام اللغوي. ويمكن توضيح هذه الدعوى بالنظر إلى ظاهرة التفخيم في العربية. فقد رأينا فيما سبق أن التفخيم من الناحية الصوتية هو ارتفاع مؤخر اللسان نحو أقصى الحنك الأعلى، ويمكن أن يصاحب هذا الارتفاع معظم الأصوات، سواء كانت صوامت أو صوائت. وحتى لا نبالغ في الإسهاب، سنقتصر على بعض الأمثلة فقط.فقد مر بنا فيما سلف أن اللام والراء في العربية قد يلحقهما التفخيم حين يجاوران حرفا مفخما، ومثلنا لذلك بالزوجين:"لاحظ/لاحم" و"مرض/مرآة" حيث اللام والراء في اللفظة الأولى من كلا الزوجين مفخمة وفي الثانية رقيقة. كما أن الفتحة والضمة، وهما صائتان، تتأثران  كذلك بالجوار، حيث تكونان مفخمتان إذا جاورتا حرفا مفخما نحو: "ضرب/طرب" وتكونان رقيقتان في ماعدا ذلك . ورغم ذلك، لا نجد في الأبجدية العربية مقابلا للام مفخمة وآخر للام رقيقة، ولا رمزا لراء رقيقة وآخر لراء مفخمة، وكذلك بالنسبة للفتحة والضمة، بل نجد رمزا واحدا يشمل التفخيم والترقيق معا. لكننا نجد في مقابل ذلك رمزا للتاء المفخمة وهو الطاء، ورمزا للدال المفخمة وهو الضاد، وآخر للذال المفخمة وهو الظاء، وآخر للسين المفخمة وهو الصاد. فلماذا يا ترى ؟ الجواب هو أن هذه الأصوات الأخيرة حاملة للمعنى ولا يمكن استبدالها بنظيراتها الرقيقة دون أن يتبدل المعنى وتتبدل بذلك الكلمة. فلو قارنا "تاب" مع "طاب" لوجدنا أن الكلمتين معا موجودتان في العربية وأنهما تؤديان معاني مختلفة، وكذلك "دبّ/ضبّ"، "ذلّ"/ "ظلّ" و"سمّ"/"صمّ" ، وبتعبير اللسانيين المعاصرين ، فالطاء والضاد والظاء والصاد فونيمات، أي أصول وليست فروعا لنظيراتها الرقيقة، بينما اللام والراء والضمة والفتحة فهي فونيمات لكل واحد منها فرعين: واحد مفخم والآخر رقيق. نستخلص من هذه الأمثلة أن الأبجدية لا ترصد الأصوات اللغوية في أدق تفاصيلها، كما هو الشأن بالنسبة للأبجدية الصوتية العالمية، بل فقط تلك السمات الصوتية التي تملك قيمة خلافيةoppositional value ، أي أن حضورها أو غيابها يؤدي إلى اختلاف المعنى.

فالحروف الهجائية إذن تمثل وحدات مجردة هي الفونيمات، ولذلك فضل بعض الدارسين العرب أمثال تمام حسان أن يترجموا مفهوم الفونيم بلفظة "حرف" رغم أن هذه الأخيرة استعملت دائما للإشارة إلى الرموز الكتابية فقط[6].

على ضوء هذه الخلاصة، لا بد أن نتساءل هل كل الفونيمات في العربية تقابلها حروف هجائية، وهل كل الحروف الهجائية تمثل فونيمات. لقد بينا مثلا   في الفقرة السابقة أن الصوائت أو الحركات وحدات لغوية مثلها مثل الصوامت. هذا من الناحية الصوتية، ومن حيث الوظائف كذلك، فالحركات في العربية حاملة للمعنى كما تبين الكلمات التالية:بِر/بَر/بُر، إذ أن هذه الألفاظ لا تختلف إلا في الحركة التي تلي حرف الباء، وكلما تغيرت حركة تغير معها المعنى. وهذه الحركات الثلاث أيضا هي التي تعبر عن حالات الإعراب في العربية، ومع ذلك فهي لا تمثل حروفا مستقلة بذاتها كما هو الشأن بالنسبة للصوامت. كما أن في العربية حركات طوالا لها وظائف دلالية ومع ذلك لا تقابلها حروف مستقلة، بل تكتب ألفا إذا كانت فتحة أو واوا إذا كانت ضمة أو ياء إذا كانت كسرة، وهذا عرف ليست له دواع معقولة سواء كانت صوتية أو صرفية أو غيرها. فالواو والياء، من حيث كونها حروف لين semi- vowel  توجد ضمن لائحة الفونيمات العربية، كما تبين التقابلات التالية:" نوى/نحى/نجا " ،"يم/عم/جم" حيث تتقابل الواو في المجموعة الأولى مع الحاء والجيم ، وتتقابل الياء في المجموعة الثانية مع العين والجيم. يدل هذا إذن على أن فونيمين اثنين يمكن أن يشتركا في حرف واحد، كما هو الشأن بالنسبة للضمة الطويلة والواو، وكذا الكسرة الطويلة والياء،  وهذا ما يمكن أن يخلق بعض اللبس في القراءة. أما الألف، وهو أول الحروف الهجائية العربية، فإن شأنه لا يقل لبسا حيث يرمز تارة للفتحة الممدودة وتارة أخرى لا يرمز لأي صوت. والحقيقة أن الألف حرف شبح من حيث إنه لا يقترن بصوت معين، ولهذا لا يمكنه أن يرمز لفونيم محدد. أما الهمزة، ورغم أنها ليست حرفا مستقلا، فإنها تمثل صامتا حنجريا انفجاريا، ويعتبر هذا الصامت أحد الفونيمات العربية كما توضح تقنية الاستبدال  minimal pairsفي الكلمات التالية: "أمل/جمل/عمل" أو"جأش/جحش/جيش" غير أن نظام الكتابة العربية يقضي بأن تكتب الهمزة فوق الألف إذا كانت مسبوقة بفتحة، أو فوق الواو إذا كانت مسبوقة بضمة ، أو فوق الياء إذا كانت مسبوقة بكسرة، وتكتب ماعدا ذلك فوق السطر إلا في حالات استثنائية . ولفهم أصول هذا العرف، لا بد من استحضار ظاهرة الإبدال، وهو ما سنعود إليه بالتفصيل لاحقا.

إذا كانت الأبجدية لا تتضمن إلا الحروف التي ترمز إلى فونيمات،  فكيف يمكن أن تستعمل أبجدية ما لكتابة لغات مختلفة ؟ لا بد من التنبيه في هذا الشأن إلى أنه قد توجد أصوات في لغة وتنعدم في لغات أخرى ، مما يتطلب عند استيراد أبجدية معينة إهمال بعض حروفها أو خلق حروف أخرى أو إدخال بعض التغيرات عليها . فقد حدث مثلا أن اللغات الجرمانية كانت تحتوي على صوت الثاء ولم يكن له مقابل في الكتابة اللاتينية مما أدى إلى الجمع بين الحرفين"th " لتمثيله. ورغم أن الملك الميروفنجي شلبرك حاول أن يضيف للأبجدية اللاتينية رمزا خاصا لهذا الغرض إلا أن محاولته لم تكلل بالنجاح، وبقي المركب "th " يرمز للثاء لحد الآن كما في" thanks" (شكرا) الإنجليزية[7]. كما أن كثيرا من اللهجات العربية المعاصرة تحتوي على جيم معطشة يرمز إليها بحرف " g" في الأبجدية الصوتية العالمية وليس لها مقابل في الأبجدية العربية. ولكتابة هذا الصوت غالبا ما يتم اللجوء إلى حرف الكاف مع إضافة ثلاث نقط فوقه أو إلى حرف القاف مع إضافة نقطة فوقه، أو إلى حرف الجيم. ولذلك مبررات مختلفة، فالذين يلجئون إلى تحوير حرف الكاف يفعلون ذلك على أساس صوتي محض إذ إن صوتي الكاف والجيم المعطشة لا يختلفان إلا من حيث الهمس والجهر، بينما الذين يلجئون إلى حرفي القاف والجيم فهم يستندون على أسس دياكرونية (تاريخية) حيث إن الجيم المعطشة في اللهجات الحديثة تنحدر إما من القاف في مثل "كال/قال" أو من الجيم كما في "كلس/اجلس" ونعتقد أنه آن الأوان للإتفاق على رمز موحد في مثل هذه الحالات.

ورغم أن مسألة اختلاف الأصوات من لغة إلى أخرى قد يخلف بعض المشاكل عند استجلاب أبجدية من لغة مكتوبة إلى أخرى غير مكتوبة، إلا أن اختلاف وظيفة الأصوات من لغة إلى أخرى هو الذي يجب الاحتياط له أكثر. فإذا أخذنا "اللهجات" العربية الحديثة على سبيل المثال، وهي التي تنحدر مباشرة من اللغة العربية، سنجد أن كتابتها عبر الأبجدية العربية ليس بالأمر الهين. من ذلك مثلا أن اللام والراء اللذين رأينا فيما سبق أن لهما فرعان: واحد مفخم وآخر رقيق، انشطر في العربية المغربية وغدا كل فرع منهما أصلا مما يستوجب إيجاد حرف للام الرقيقة وآخر للام المفخمة، والشيء نفه بالنسبة للراء. ففي هذه "اللهجة" هناك فرق بين "بْرَ" براء رقيقة وتعني "إبرة" وبين "برَ" براء مفخمة وتعني "رسالة" أو "بريءَ". كما أن هناك فرقا في نفس اللهجة بين "بُلا" بلام مفخمة، أي مصباح كهربائي، وبين نفس اللفظة لكن بلام خفيفة وتعني اسم المرة من "بالَ".

 هذا بالنسبة لبعض الحالات، أما بالنسبة للبعض الآخر فإن الأمر يبقى على ما كان عليه في العربية الفصحى حيث تكون الراء مثلا رقيقة أو مفخمة حسب الجوار نحو: بﮕر/بﮕري، بحر/بحري، إذ الراء في اللفظة الأولى من كلا الزوجين مفخمة بينما في الكلمة الثانية فهي رقيقة وذلك لمجاورتها للكسر. يبقى علينا في هذه الحالة، وإذا سلمنا أن لكتابة الدارجة المغربية لا بد من رمزين للراء، أن نختار هل سنكتب بﮕر/بﮕري، مثلا براء رقيقة أم براء مفخمة. إلى جانب هذه الحالات الشائكة، هناك مشكل الحروف المطبقة ونظيراتها المنفتحة في الكلمات المنحدرة من اللغة العربية.

 فإذا أخذنا على سبيل المثال كلا من "درْس" و"تراب" و"صدْر" وهي ألفاظ فصيحة تحتوي على دال وتاء، وجدنا أن هذين الصوتين تحولا إلى ضاد وطاء في الدارجة المغربية. فهل سنستمر في كتابة هذه الكلمات كما هي في العربية الفصحى ، أم يجدر بنا أن نقلب الدال ضادا والتاء طاء ؟

 في اعتقادنا أن كل لغة تتمتع باستقلالية نظامها الداخلي عن نظام اللغة التي انحدرت منها، وهي الحقيقة التي أكدها سوسير حين فصل بين المستوى الدياكروني والمستوى السانكروني. ومادامت الألفاظ سالفة الذكر أصبحت تنطق في الدارجة المغربية بالتفخيم فقط، فقد وجب كتابتها كذلك. إلى جانب مظاهر الاختلاف بين الفصحى والدارجة المغربية التي أوردناها هنا، والتي تقتضي إحداث تغييرات على الأبجدية والكتابة العربيتين، هناك مظاهر أخرى كثيرة يضيق المجال هنا لذكرها حتى لا نحيد عن موضوع هذا المقال.

نصل الآن إلى ظاهرة الإبدال لنرى كيف تعاملت معها بعض نظم الكتابة المعروفة لدينا. إن هذه الظاهرة، كما عرفها اللغويون العرب، هي إبدال حرف بآخر، وتنجم عن تفاعل الأصوات وتأثير بعضها في بعض. وهذه الظاهرة لا تقتصر على اللغة العربية فقط، بل توجد في كل اللغات الطبيعية. ففي الإنجليزية مثلا، يمكن أن تنطق علامة الجمع إما سينا أو زايا وذلك بحسب الصوت الذي يسبقها كما يبين هذا المثال: bags/books  (كتب/أكياس) حيث ينطق الحرف " s " في الكلمة الأولى سينا لمجاورته "k"  وهو صوت مهموس ، بينما ينطق زايا في الكلمة الثانية وذلك لمجاورته " g"  وهو صوت مجهور . ورغم اختلاف النطق، فالرمز الكتابي يبقى هو نفسه في كلتا الحالتين، مما يعني أن الكتابة الإنجليزية تمثل مستوى مجردا من التمثيل اللغوي وليس المستوى الصوتي representation phonetic .

غير أن هذه الخلاصة لا تصدق في جميع الحالات، حيث إن سابقة التضاد "un" مثلا تكتب "im " عندما يليها حرف شفهي نحو: unjust / just (عادل/غير عادل) impolite/polite   (لبق/غير لبق ). وعدم الانسجام هذا يلاحظ كذلك في الرسم العربي إذ يعكس تارة الفروع وتارة يعكس الأصول. وخير مثال على ذلك هذا المقتطف من كتاب "المحيط" للأنطاكي حيث يقول فيه " إذا وقعت النون ساكنة قبل الميم أو الباء، وجب قلبها ميما، فإذا كانت الميم هي التي بعدها قلبت لفظا وخطا"."انمحى ــ امحى" أما إذا كانت الباء هي التي بعدها، فالقلب في اللفظ لا في الخط : سنبل ــ سمبل". فلماذا يا ترى لا تكتب النون إذا كان الحرف الذي يليها ميما بينما يتم كتابتها إذا كانت متبوعة بحرف الباء رغم أنها في كلتا الحالتين تنطق ميما ؟ يبدو أن الأمر لا يعدو أن يكون عرفا ليس إلا . أما في ما يتعلق بالحالات المشهورة بالإبدال، وهي التي يتم فيها إبدال تاء افتعل فإن الكتابة تثبت الأصوات المنطوقة وليس الأصلية. من ذلك مثلا أن الأصل في "اصطدم واصطفى" هو "اصتدم واصتفى" لكن التاء انقلبت طاء لمجاورتها حرف مطبق وهو الصاد، كما أن أصل "ازدهر" هو "ازتهر" فأبدلت التاء دالا لتأثير الزاي فيها بإضفاء سمة الجهر عليها، ومن المعلوم أن مقابل التاء المجهور هو الدال، ومقابل التاء المفخمة/ المطبقة هو الطاء. وهكذا يتضح أن الكتابة تتأرجح بين الأصوات الأصلية وبين التغييرات التي تطرأ عليها في سياق الألفاظ، وذلك بتثبيت الأصل تارة وكتابة الفرع تارة أخرى .

بالإضافة إلى الظواهر الصواتية سالفة الذكر التي تكتسي صبغة الإلزامية، هناك ظواهر أخرى اختيارية أو لهجية تعاملت معها الكتابة العربية وحاولت ضبطها. من ذلك مثلا مسألة تاء التأنيث التي تكتب تارة مبسوطة وتارة مربوطة، وهذا الشكل الأخير يشبه حرف الهاء. والجدير بالذكر أن التاء المربوطة لا تأتي إلا مع الأسماء بينما تأتي التاء المبسوطة مع الأفعال أساسا وكذا بعض الأسماء. ومن الأسماء المؤنثة التي تكتب بتاء مبسوطة تلك التي تأتي عل صيغة جمع المؤنث السلم، نحو مؤمنات، مسلمات، إلخ. كما أن هناك أسماء مفردة تكتب كذلك بتاء مبسوطة نحو: بنت، أخت ، لكن من الملاحظ أنها نادرة وأنها تكون مسبوقة بحرف ساكن. فما هي إذن ضرورة هذا التعدد في أشكال الحرف الواحد؟ وما هي العلاقة التي تربط التاء المربوطة بالهاء؟ في اعتقادنا أن الأمر يتعلق بمحاولة رصد ظاهرة الوقف عبر الخط، هذه الظاهرة اللغوية التي كانت معروفة حتى عند مجيء الإسلام. فصاحب "المحيط" مثلا يعرف الوقف على أنه "السكوت على آخر الكلمة اختيارا لجعلها آخر الكلام" كأن تقول "جاء زيد" بحذف التنوين وتسكين الدال. وللوقف طرق مختلفة لا يهمنا منها هنا سوى الوقف بالقلب، وهو أن يقلب آخر صوت من الكلمة المراد الوقوف عليها إلى صوت آخر. ويدخل ضمن هذا النوع قلب تاء التأنيث هاء نحو: جاءت فاطمةٌ ~جاءت فاطمه، ولا يصح هذا القلب في الحالات التي يسبق التاء فيهل حرف ساكن نحو: بنت، لذلك لا تكتب التاء فيها مربوطة. ونعتقد أن السبب الرئيسي وراء التاء المربوطة هو انتشار ظاهرة الوقف بشكل كبير. غير أن الكتابة العربية لم ترصد هذه الظاهرة كما عرفتها جميع اللهجات بل اقتصرت على البعض منها فقط. فمما جاء في هذا الشأن أن طيئا تقف عند جمع المؤنث السالم بإبدال تائه هاء نحو: رأيت البناه، التقيت الفتياه، أي البنات والفتيات، ومع ذلك لم يكتب جمع المؤنث السالم بتاء مربوطة مما يدل على أن الكتابة العربية هي كتابة ما يسمى باللهجات الفصيحة فقط.

ومن مظاهر الاختلاف اللهجي التي حاولت الكتابة العربية ضبطه هو مسألة الهمزة التي ذكرنا سالفا أن كتابتها لا تستقر على حال واحدة، بل تكتب تارة على الألف وتارة على الواو وتارة على الياء وتارة أخرى على السطر. فلماذا يا ترى يتم إلحاق هذا الحرف بحروف أخرى رغم أننا رأينا أن الهمزة صوت حامل للمعنى في العربية مثله في ذلك مثل باقي الأصوات التي قلنا أنها فونيمات في العربية؟ يبدو أن الهمزة كانت تعرف أحوالا كثيرة وذلك بحسب اختلاف اللهجات العربية. فقد ذكر المصنفون في هذا الشأن أنه كان من يحققها تحقيقا مطلقا ومن جملتهم قراء الكوفة، ومنهم من يحققها تارة ويخففها تارة أخرى وهم بنو تميم، ومنهم من يخففها مطلقا وهم أهل الحجاز.ورغم أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان من قريش، وهم قوم لا ينبرون الهمزة إلا اضطرارا، فإن القرآن الكريم نزل بنبر الهمزة مفضلا بذلك لهجة تميم على لهجة الحجاز. غير أن الإسلام لم يلزم أحدا بالنبر مما ترك الفرصة أمام أهل التخفيف لقراءة آي القرآن بتسهيل الهمزة في مثل هذه الآيات: "وبيس المهاد" "وأصبح فواد أم موسى فارغا "، "خاسيا وهو حسير" إلى غيرها من الأمثلة. ويظهر من خلال هذه الآيات أن الهمزة عندما تخفف تنقلب ياء حينا وواوا حينا آخر ، كما يمكن أن تقلب ألفا ممدودة نحو: رأس____ راس. ونظرا لهذه العلاقة التي تربط الهمزة بهذه الحروف، فإن واضعي الرسم العربي كتبوا الهمزة فوق الياء إذا كانت مسبوقة بكسرة(بئس) أو فوق الواو إذا كانت مسبوقة بضمة (فؤاد) أو فوق الألف إذا كانت مسبوقة بفتحة (رأس). أما في الحالات التي لا توجد فيها علاقة بالهمزة وهذه الحروف كما في "جاء"، "شاء"، فإن الهمزة غالبا ما تكتب على السطر، وهي حالات تحذف فيها الهمزة حين التخفيف نحو: ها قد جا، من يشا. غير أن تخفيف الهمزة ظاهرة معقدة لتعدد الجوازات واللغات التي ذكرت في شأنها، وكذا اختلاف مواضع الهمزة، وهو ما لا يمكن لأي كتابة أن تضبطه بشكل دقيق. ومن مظاهر هذا التعقيد أن الهمزة إذا جاءت متحركة في أدراج الكلمة، ولم تكن حركتها فتحة، فإن تسهيلها يتم بحذفها، مع الاحتفاظ بحركتها، مثل:سئِل___ س..ِل، مستهزئون___ مستهز.ُ.ون ، وهو ما  يعرف بالتسهيل بين بين المشهور .ومما يلاحظ في هذه الأمثلة أن الهمزة كتبت فوق الياء رغم أن تسهيلها لا يتم بقلبها ياء كما هو الشأن بالنسبة للأمثلة الواردة سالفا، مما يدل على أن الكتابة في كثير من الحالات عرف لا يستند إلى أي أساس سوى شيوع الاستعمال.

هناك ملاحظة أخرى بشأن كتابة الهمزة لا نود أن نختم هذه الفترة دون أن نشير إليها وهي أن شكل الهمزة يشبه إلى حد كبير شكل حرف العين حتى لتخال عينا صغيرة. لقد سبق لنا خلال حديثنا عن الأبجدية والأصوات أن لاحظنا أن بعض الحروف العربية يشبه البعض الآخر دون أن يكون بينهم تقارب في المخارج أو في طرق النطق. وتصدق هذه الملاحظة كذلك على الهمزة والعين إذ أن الأول يرمز لصوت حنجري انفجاري مهموس، بينما يرمز الحرف الثاني لصوت حلقي احتكاكي مجهور. فلماذا إذن يتشابه هذان الحرفان من حيث شكلهما ؟ يبدو أن ذلك راجع إلى الإبدال اللهجي الذي يجمع الهمزة بالعين. فقد روي في هذا الشأن أن تميما، وهي من أفصح القبائل العربية ، كانت تبدل الهمزة عينا في موضع "أن" كما جاء في قول ذي الرمة: "أعن ترسمت من خرقاء منزلة" . هذه الخاصية كانت تسمى بالعنعنة، وهي صفة اعتبرها الأقدمون مذمومة وغير فصيحة، لكن الكتابة العربية إذا كانت قد ضبطت بعض الإبدالات والاختلافات اللهجية، فإنها لم تضبط إبدالات واختلافات لهجية أخرى كثيرة، وليس بإمكانها القيام بذلك. فرغم أن بعض القبائل مثلا، ومنها هذيل، تبدل الحاء عينا –وهو ما يعرف بالفحفحة – فإن الرسم العربي لم يجعل بين الحاء والعين شبه شكلي، وربما كان ذلك راجعا لضعف لغة هذيل وعدم الاقتداء بها في الفصاحة كما هو الشأن بالنسبة للغة الحجاز وتميم.

يتضح مما سلف أن واضعي الكتابة العربية كانوا يطمحون إلى رصد نظام اللغة العربية بتعدد جوانبه. بعد أن تابعنا علاقة الكتابة بالجانب الصواتي، سننتقل فيما يلي إلى الجانب الصرفي.

3 – الكتابة والنظام الصرفي:

يتألف النظام الصرفي من صيغ الكلمات وأحوالها. فالكلمات إما أسماء أو أفعال أو حروف. أما الأسماء فتكون في حالة الإفراد أو التثنية أو الجمع، وتكون نكرة أو معرفة إلخ. أما الأفعال فتأتي على صيغة الماضي أو المضارع أو الأمر، وتكون كذلك في صيغة المتكلم أو المخاطب أو الغائب، وهلم جرا. وحدها الحروف لا تتغير أحوالها في العربية. كما أن للأسماء، وكذا أفعال المضارعة، أحوال مختلفة حين ترد في سياق الجملة، إذ تحمل ما يسمى بحركات الإعراب حسب الوظيفة التي تؤديها داخل الجملة أو حسب العوامل التي تجاورها من أمثال حروف النصب أو الجر أو الجزم أو غيرها. وقد اختلف علماء اللغة القدامى والمحدثون على حد سواء عما إذا كان الصرف والنحو علمين مختلفين أم علما واحدا. فأما اللذين يعتقدون أنهما علمان مختلفان فإنهم يجعلون موضوع علم الصرف يشمل صيغ الكلمات حين تكون منعزلة عن التركيب، ويجعلون حالاتها في سياق التراكيب موضوع علم النحو. ورغم ما لهذا النقاش من أثر على بنية وتكوين أي نظرية نحوية، إلا أنه غير ذي أهمية كبيرة بالنسبة لموضوع هذا المقال. لذلك سنعتبر كل التغيرات التي تعتري الكلمة، سواء داخل سياق الجملة أو خارجه، تغيرات صرفية.

تجدر الإشارة كذلك إلى أن اللفظة قد تكون بسيطة أو مركبة، أي أنها تتكون إما من جذر ) (root  فقط وإما من جذر ولواصق أو زوائد affixes) (. ولهذا فضل كثير من اللسانيين المعاصرين استبدال مصطلح "كلمة" بمصطلح "مورفيم" morpheme واعتبار هذا الأخير أبسط وحدة صرفية. وهكذا، فكلمة "زوجة" على سبيل المثال تتألف من مورفيمين: الجذر "زوج" بالإضافة إلى تاء التأنيث. وتبعا لذلك تصبح بنيتها الداخلية على الشكل التالي (زوج + ة ) حيث علامة الزائد(+) ترمز إلى حدود المورفيمات أو نقطة التقاطع بينهما.

إن الحديث عن علاقة الكتابة بالنظام الصرفي سيقودنا مباشرة إلى الحديث عن التبدلات التي تلحق المورفيمات حين التصاقها ببعضها البعض وكذلك إلى الكيفية التي تتعامل بها أنظمة الكتابة مع هذه الظواهر. فما هو معروف في مختلف اللغات أن أي مورفيم يتحقق بأشكال قد تختلف من سياق إلى آخر وذلك طبقا لقواعد صوتية أو صرفية صوتية - phonological    morpho تختص بها كل لغة .  من ذلك مثلا أن علامة الماضي في الإنجليزية تعرف ثلاثة صيغ لفظية وهي ‏[d]  نحو played  (لعب)، [t]  نحو worked  (عمل) أو [id]  نحو wanted  (أراد )، وهذه الصيغ كلها فروع لأصل واحد مجرد هو مورفيم الماضي الذي يكتب هكذا (ed)  دون أي تغيير في جميع الحالات . وهكذا فإن الكتابة في هذه الحالة لا تعكس الحقيقة الصوتية، بل تعكس فهما وتحليلا للكلام يجزئ الكلمات إلى وحدات مجردة، وهذا التحليل يلغي الاختلافات اللفظية ويبرز التشابه الدلالي. نفس الاستنتاج ينطبق على الأمثلة الإنجليزية التالية: generate  generation -  electricity –electric,  ، حيث حرف (t)  في فعل gererate (ولد) تنطق تاء بينما في المصدر generation   (توليد) تنطق شينا ، كما أن حرف" c "  في الصفة electric  (كهرباء) ينطق كافا وفي الإسم electricity  (كهرباء) ينطق سينا . إذن، رغم أن آخر المورفيم في الزوج الأول يتحقق مرة بصوت التاء ومرة أخرى بصوت الشين، إلا أن الصوتين معا يرمز لهما بحرف واحد هو "t" كما أن آخر المورفيم في الزوج الثاني ينطق تارة كافا وتارة سينا، غير أن الحرف الذي يرمز لهما يبقى هو نفسه في كلتا الحالتين، مما يدل على أن الاختلاف الصوتي يصبح غير ذي أهمية بالمقارنة مع وحدة الدلالة التي تجمع كلتا اللفظتين في الزوجين أعلاه. فالكتابة إذن على المستوى الصرفي – وكما هو الشأن بالنسبة للمستوى الصوتي – تحاول أن تبرز الوحدة داخل تعدد الكلام.

والكتابة العربية كذلك لا تخرج عن هذه القاعدة، إذ أنها تحاول أن تقلص من التبدلات الصرفية وذلك بسن قواعد إملائية تبرز التشابه بين الصيغ المختلفة. فسابقة التعريف مثلا هي "أل" خطا، لكنها تتعدد لفظا بحسب الصوت الذي يليها حيث تنطق اللام ما لم تكن متبوعة بصوت أسناني أو لثوي أو بصوت الشين، أما إذا كانت متبوعة بصوت من هذه الأصوات فإن اللام لا تنطق وتكون علامة التعريف هي تضعيف أول صوت في الاسم. وقد دأبت الكتب التعليمية أن تشير إلى أن هناك "أل" قمرية وأخرى شمسية وذلك لأن "أل" تنطق في لفظة "القمر" بينما لا تنطق في لفظة "الشمس" فيحل محلها تضعيف الشين. أما الهمزة فتحقق عند الابتداء وتحذف عند الوصل. وهكذا، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن عدد الأصوات التي تضعف عن التعريف هو إحدى عشر صوتا، وكذلك تحقيق الهمزة أو حذفها. بالإضافة إلى "أل" القمرية، وجدنا أن للتعريف أربعة عشر حالة لفظية مختلفة على الأقل، وهو عدد كبير بالتأكيد. لذلك فإن كتابة علامة التعريف ألفا ولاما فقط هو من قبيل التجريد الذي يهدف أولا إلى إبراز صلة الرحم بين التحققات اللفظية المختلفة، وهي صلة ذات طبيعة دلالية مفاهيمية،  وكذلك إلى تقليص عدد هذه التحققات ليصبح النظام الخطي سهل التعلم والتعليم من الناحية العملية. وقد أدى هذا التجريد الذي يؤكد على صلة الرحم بين مختلف الصيغ في العربية إلى خلق رموز كتابية لتؤدي هذه المهمة. وخير مثال على ذلك الألف المقصورة التي تهدف إلى الجمع بين الفتحة الممدودة والكسرة الممدودة رغم أن ذلك غير ممكن التحقيق نطقا لاختلاف الفتح عن الكسر من حيث أوضاع اللسان والشفتين. فقد كان الغرض من الألف المقصورة من جهة هو إبراز وحدة بعض الأفعال التي يكون آخرها فتحة ممدودة (أي ألف) في الماضي وتنقلب كسرة ممدودة (أي ياء) في المضارع، نحو: مشى/يمشي، رمى/يرمي، ومن جهة أخرى تمييز هذه الأفعال عن تلك التي تنقلب ألفها واوا نحو: نما/ينمو، سما/يسمو، فالألف المقصورة إذن لا تختلف عن نظيرتها الممدودة من حيث النطق، ولكن فقط من حيث تناوبها مع الياء في صيغة المضارع. ولكن، ورغم أن هناك تناوب كذلك بين الألف الممدودة والواو، إلا أن الخط العربي لم يوجد رمزا يجمع بين الحرفين كما تجمع الألف المقصورة بين الألف والياء. ونعتقد أن ذلك راجع إلى أن الألف المقصورة كافية لتمييز مجموعة الأفعال التي تنقلب ألفها ياء عن تلك التي تنقلب ألفها واوا.

وتظهر محاولة ضبط الوحدة والتجانس داخل التعدد والاختلاف في الكتابة العربية بجلاء في حالات العلامات الإعرابية بما فيها التنوين. فالعربية لغة إعرابية من حيث أن أسماءها تحمل علامات الوظائف التي تؤديها داخل التراكيب. فالفاعلية مثلا مقرونة بالرفع ، والمفعولية مقرونة بالنصب، والإضافة مقرونة بالكسر. وهكذا، فالاسم الواحد يخضع على الأقل لهذه التبدلات الثلاث، نحو: الرجلُ، الرجلَ، الرجلِِ، وبقليل مكن التحليل والتجريد، يمكن الجزم أن البنية الداخلية لهذه الأسماء هي كالتالي: تعريف + رجل + علامة إعرابية، فتصبح بذلك المادة الأصل من منظور هذا التحليل هي: "رجل". أما الحركات الإعرابية فيمكن معرفتها انطلاقا من قواعد نحوية عامة. وهذا التحليل بالذات هو ما تعتمده الكتابة العربية حين لا تضع الحركات الإعرابية على آخر الأسماء وكذا أفعال المضارعة. وعلى عكس العلامات الإعرابية، فالتنوين يعرف بعض التعقيدات كانت وراء كتابة النون حينا وتعويضها بجنس حركة ما قبلها حينا آخر. فمن المعروف أن التنوين في العربية يلحق النكرة دون المعرفة ماعدا في حالة المثنى وجمع المذكر السالم حيث يلحق المعرفة كما يلحق النكرة. ونظرا لخضوعه لهذه القاعدة العامة، فقد تم الإستغناء عن كتابته واكتفي بالإشارة إليه في بعض الأحيان بزيادة حركة ثانية إلى الحركة التي قبله، نحو: محمدً، محمدٌ. غير أنه إذا تعلق الأمر بجمع المذكر السالم، فإن كتابة النون واجبة، نحو: المؤمنون، المفسدين. فلماذا إذن ؟ لهذا العرف سبب رئيسي في اعتقادنا هو أن الحركة التي قبل النون في جمع المذكر السالم حركة طويلة يرمز إليها بالواو أو الياء أو الألف وقد يؤدي وضع الحركة على هذه الحروف إلى اللبس والاعتقاد أن الواو أو الياء أو الألف حروف لين وليس حروف مد خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن حروف اللين يمكن أن تكون متبوعة بحركة أما بالنسبة لحروف المد فذلك مستحيل. نفس الشيء يصدق على المثنى. إذ لو أن النون حذفت لما كان بإمكاننا تمييز المفرد المنون عن المثنى . نحو: رجلاً/رجلان، لذلك فكتابة النون تحول دون وقوع اللبس بينهما. فالكتابة العربية إذن تستغني عن كتابة ما يمكن معرفته من خلال قواعد عامة إلا في الحالات التي يخشى فيها اللبس.

ورغم ما للظواهر التي أوردناها أعلاه من أهمية، إلا أن ما يميز الكتابة العربية عن باقي الأنظمة الأخرى حتى لتكاد تكون منفردة في هذا الشأن هو استغناؤها عن كتابة الصوائت. وقد أوردنا في أول فقرة من هذا الفصل أن ذلك قد يكون راجعا إلى قصور في فهم عملية النطق كأن يُعتقد مثلا أن الحركات ما هي إلا صيغ مختلفة لنطق الحروف، وهو ما يمكن أن يستشف من العرف الذي يقضي بكتابة الحركات على الحروف. غير أنه من المرجح أيضا- وهو ترجيح قوي- أن هذا العرف يجد أسبابه ودواعيه في نحو اللغة العربية وصرفها ومعجمها . فعلى عكس اللغات الهندأوربية مثلا التي ترتبط فيها بعض المعاني النحوية والصرفية باللواصق، وتكون هذه اللواصق إما سابقات (prefixes)  أو لاحقات suffixes) (  فإن العربية يسود فيها ما يعرف بالصيغ أو المباني الصرفية، وهي مجموعة من الحركات (والصوامت) تتخلل المادة الأصلية لتبين هل هي فعل أم اسم ، في حالة الإفراد أو التثنية أم الجمع ، في صيغة المتكلم أم المخاطب أم الغائب، مبنية للمعلوم أم للمجهول، وهلم جرا. فإذا أخذنا الكلمات التالية على سبيل المثال: كتَب، كُتب، كتاب، كتبٌ، كتابة، كاتب، مكتوب، كُتاب، إلخ لوجدنا أن بعض الأصوات ثابتة وهي تدل مجتمعة على معنى الكتابة وما يتعلق بها، بينما البعض الآخر يتغير من كلمة إلى أخرى، وتتغير بذلك صيغة الكلمة. من جهة أخرى فهذه الصيغ تتكرر مع مواد أخرى غير مادة (ك.ت.ب). فصيغة الماضي الغائب مثلا هي نفسها في كل من كتب، ذهب، رجع، خلع، ذبح، نجح، وغيرها، وهذا ما جعل الصرفيين العرب يختارون مادة واحدة هي (ف.ع.ل) لربطها بالصيغ الممكنة وقالوا أن هناك صيغة فعَل، وفعّل، وفاعل، ومفعول، وفعال، وما إلى ذلك. إذن، هناك سبيلان اثنان لضبط هذه المعطيات خطا وهما أن تكتب جميع الأصوات، الثابتة منها والمتغيرة، أو تكتب الثابتة فقط علما أن الأصوات المتغيرة أو الصيغ محدودة العدد ويمكن معرفة معانيها انطلاقا من قواعد صرفية ونحوية عامة. غير أنه عند اختيار السبيل الأول لن تعكس الكتابة تلك الصلة التي تربط الكلمات ذات المادة المشتركة مما دفع واضعي الكتابة العربية إلى اختيار السبيل الثاني، وهو ما يدل على أن الكتابة كما رأينا سالفا، تسعى-مثلها في ذلك مثل أي مقاربة تحليلية للغة – إلى ضبط نظام اللغة عوض سرد مظاهر تنوع الكلام. وهكذا، اتفق واضعو الكتابة العربية مع المعجميين العرب الذين يرون أن الجذع في العربية – وهو الأصل الذي تشتق منه باقي الصيغ – لا ينطبق مع الاسم أو الفعل أو المصدر كما تذهب المذاهب الصرفية، ولكنه المادة التي تتكون من الأصوات الثابتة الدالة على حقل دلالي معي semantic field. فالجذع المشترك بين كاتب وكتاب وكتب مثلا هو مادة (ك.ت.ب) مجردة من كل حركة. وتجدر الإشارة كذلك إلى أن اللهجات العربية، وخاصة الفصيحة منها ، قد تعرف اختلافا وتنوعا كبيرين فيما يتعلق بالصيغ الصرفية إلا أنها لا تعرف نفس الاختلاف والتنوع حين يتعلق الأمر بالمادة المعجمية. فقريش مثلا تقول زهد وحقد بالفتح بينما تميم تفضل الكسر وتقول زهِد وحقِد. كما أن قريشا ترفع عين المضارع في حين تفتحها تميم، فتقول الأولى يفرُغ فروغا بينما تقول الثانية يفرَغ فراغا. ومادامت الكتابة العربية، كما بينا ذلك، تتوخى ما أمكن أن تضبط بعض الاختلافات اللهجية الكبرى، فقد كان حذف الحركات يخدم كثيرا هذا الهدف.

لكن تجدر الإشارة إلى أن الكلمات العربية لا تخضع كلها للصيغ الصرفية بل يتعلق الأمر فقط بالأفعال والأسماء المشتقة منها وهي المصدر، واسم المرة واسم النوع واسما المكان والزمان واسم الآلة واسم الفاعل واسم المفعول ولاصقة المشبهة وأفعال التفضيل وأمثلة المبالغة. أما ماعدا ذلك فإنها كلمات كل حروفها أصلية ولا يصلح أن يقال أن مادتها تتكون من الصوامت دون الحركات. ومن هذه الكلمات الحروف والأسماء غير المشتقة سواء العربية منها أو الدخيلة. فإذا أخذنا على سبيل المثال حروف الجر وظروف المكان وجدنا أن كل واحدة منها لا تمت بصلة اشتقاقية إلى أي كلمة أخرى، ولذلك يفرد لها مدخل مستقل في المعاجم. فعلى عكس "كاتب" و "كتاب" و "اكتتاب" مثلا التي ترد تحت مادة (ك.ت.ب) ، فإن الظروف "فوق" و "تحت" وحروف الجر "إلى ومع وفي " وغيرها ترد مستقلة. وما دام الأمر كذلك، فإن حركات مثل هذه الكلمات جزء لا يتجزأ منها ولا يمكن معرفتها كما هو الشأن بالنسبة للأفعال والأسماء المشتقة انطلاقا من قواعد عامة تربط المواد بالصيغ. وما يقال عن الظروف وحروف الجر يمكن أن يقال أيضا عن الأسماء غير المشتقة مثل: أسد، شجر، حجر، أرنب، اسطرلاب، طاولة، وهلم جرا. وإذا كان الرسم العربي لا يوفر رموزا للحركات في مثل هذه الحالات فأغلب الظن أن ذلك من باب تعميم وضع الأفعال ومشتقاتها على باقي أقسام الكلمات، مما يدل على أن أول ما أثار انتباه واضعي الخط العربي ودروسه هي بنية الأفعال ومشتقاتها وليست الحروف أو الأسماء غير المشتقة. ونظرا لأن نحو وصرف أغلب اللغات الطبيعية لا يماثل نحو وصرف اللغة العربية، فإن الخط العربي لا يمكن أن ينتشر ما دام لا يكرس كتابة الحركات والحروف على مستوى واحد.

إلى جانب استغنائه عن كتابة الصوائت، فالرسم العربي يتميز بعدم تضعيف الأحرف المشددة بل يكتفي بإضافة رمز الشدة فوقه، نحو: ردّ، عدّل، جرّ، نطّ، وغيرها. فالشدة أو الإدغام، كما أوضحنا ذلك في فقرة سابقة، هو تمديد نطق الصامت، حيث يقع الصامت المشدد في ضعف زمان الصامت غير المشدد. لذلك نجد الأبجدية الصوتية العالمية ترمز للشدة بحرفين متجانسين نحو: كسّر kassara . فلماذا إذن يعمد الخط العربي إلى خلق رمز جديد للشدة عوض استعمال حروف الأبجدية ؟ قد يبدو أن ذلك راجع إلى قصور في فهم طبيعة الشدة، لكن بالنظر إلى المصطلح الذي استعمله اللغويون العرب للإشارة إلى ظاهرة الشدة، وهو "التضعيف"، يتبين أنه كان هناك إدراك بأن الشدة هي مضاعفة الصامت. تبقى الأسباب المحتملة لهذا العرف تكمن، كما هو الشأن بالنسبة لعدم كتابة الصوائت، في نحو وصرف اللغة العربية نفسها. فكما أن استبدال الفتحة بالضمة ثم الكسرة نحو: كَتب، كُتب، يؤدي إلى تغيير في دلالته النحويةّّّّّّّّّ. ومن معاني تضعيف عين الفعل الثلاثي مثلا التعدية، نحو: فضل، فرﱠح، حيث يكون الأصل لازما ويصبح عند التضعيف متعديا، ولذلك اعتبر الصرفيون التضعيف زيادة أي أنها عملية صرفية وليست معجمية وتحكمها قواعد عامة. ونظرا لأن الخط العربي ينحو، كما سبق تبيان ذلك، نحو الجمع بين الأصول ومشتقاتها، فقد تم الاستغناء عن زيادة حرف عند الشدة وذلك حتى لا تفقد الصلة بين المجرد والمزيد. لكن تجدر الإشارة إلى أن الشدة قد تكون أصلية في الكلمة كما هو الشأن بالنسبة لبعض الأسماء غير المشتقة نحو: زمرّد، ستّة، وكذلك الأفعال الثلاثية المجردة والمضعفة الآخر نحو: عدّ، علّ، نطّ. فالشدة في هذه الحالات ليست زائدة ولا تؤدي أيا من المعاني المرتبطة بالتضعيف من حيث هو عملية صرفية morphological process . إذن، وكما هو الشأن بالنسبة للحركات، فعدم إضافة حرف من جنس ما قبله عند الشدة هو من قبيل تعميم حالة الأفعال المضعفة المزيدة على الأفعال المجردة والأسماء ليس إلا.

وفي الأخير، لا بد أن نشير إلى أن الرسم بصفة عامة يخبأ في ثناياه وحدة تحليلية هي وحدة "الكلمة" وذلك بترك فراغ بين متواليات صوتية. فالخط العربي مثلا يفصل بين الفعل والفاعل والمفعول به، ولكنه لا يفصل بين بعض الحروف وبين الكلمات التي تليها. ولتوضيح ذلك، يكفي أن نتأمل المثال التالي: "ضربتُ الدابة بالعصا على ظهرها فهربت " حيث يظهر أن الجملة تتألف من ست كلمات وذلك بالنظر إلى الفراغ الذي يفصل بعضها عن بعض. غير أن مفهوم "الكلمة" إذا أردنا أن نعرفه بشكل واضح جامع مانع، سيتضح أن ذلك مستعص إن لم نقل مستحيل. فالكلمة الأولى مثلا ليست بسيطة بل مركبة من فعل وضمير المتكلم، وكذلك هو الشأن بالنسبة للكلمة الثانية التي تتألف من علامة التعريف وجذع وتاء التأنيث الساكنة. كما أن بعض الحروف مستقلة بذاتها نحو: على وفي ومع، بينما بعضها الآخر يلحق باللفظة التي تليه كباء الجر وكاف التشبيه وفاء السببية. ونظرا لطبيعته الهلامية، فإن مفهوم "الكلمة" لم يحظ بتقدير اللسانيين المعاصرين الذين رأوا أنه لن يصلح أداة للتحليل العلمي للغة. لذلك، ورغم أنه يبدو ظاهريا أن الكلمة وحدة لا يمكن الاستغناء عنها، إلا أنها في حقيقة الأمر ليست سوى نتيجة لعرف الكتابة. وتبعا لذلك، فحتى لو تقرر ضرورة إدخال مفهوم الكلمة في سياق نظرية لغوية معينة، فإن هذا المفهوم لا يجب تعريفه وتحديده بالرجوع إلى نظام الخط فقط، بل يجب البرهان على أن هناك ظواهر لغوية لا يمكن استنتاج قواعدها إلا بالإحالة على هذا المفهوم.

الكتابة والتغير اللغوي:

في الفقرات السابقة، نظرنا في علاقة الكتابة باللغة من حيث هي بنية تحكمها قواعد صوتية أو صرفية أو نحوية دون أن نشير إلى ما يمكن أن يلحق هذه البنية من تغير عبر الزمن. وبتعبير معاصر، فقد نظرنا إلى اللغة من زاوية سانكرونية وليس من زاوية دياكرونية. فكما هو معروف، لا تستقر اللغات على حال واحدة، بل تتبدل تدريجيا خلال فترات زمنية متفاوتة، وهذا التغير لا يمس مستوى معين دون غيره بل قد يلحق جميع المستويات بما فيها النظام الصوتي والصرفي والنحو والمعجم. وعلى عكس ذلك، فإن الكتابة تميل إلى الاستقرار لارتباطها بتراكم كبير من التراث المدون مما يؤثر في علاقة الرسم بالأصوات اللغوية. ومن أبرز ما يمكن أن ينتج عن التغير اللغوي هو انفصام الحروف عن الأصوات التي يفترض أن تمثل.

وقد حدث هذا في لغات كثيرة مما دفع كثيرا من المثقفين في بعض البلدان التي تستعمل فيها هذه اللغات إلى المطالبة باستبدال الأنظمة الكتابية بأخرى قريبة من الواقع الصوتي. فدسوسير مثلا يلاحظ أن صوت الجيم في الفرنسية يرمز له بأشكال مختلفة هي :   ge, g , j  نحو  geai ; geler ; joli  .كما أن صوت الزاي يرمز له إما ب Z  أو S  أما صوت السين فرموزه متعددة منها t. c. ç   (alex). x .sç. sc. ss .(nation .[8]  كل هذه الأمثلة تبين أن تعلم الكتابة وربطها بأشكال القراءة عملية تتطلب مجهودا ووقتا لا يستهان بهما، بل أن هذه العملية قد تستمر طيلة حياة المتعلم لأنه كل ما تعلم كلمة جديدة  إلا ووجب أن يتعلم معها طريقة كتابتها . ولتبيان أن هذا التنافر بين الكتابة والأصوات اللغوية راجع إلى التغير اللغوي من جهة وعدم مسايرة الرسم لهذا التغير من جهة أخرى، يمكن أن نمثل لذلك بحرف S   في الفرنسية الذي يمثل صوت السين . فقد حدث في مرحلة من تغير الفرنسية أن أصبحت السين الواقعة بين حركتين تنطق زايا نحو: Miserable  (بئيس) ، وربما كان الأمر في البداية يتعلق ببعض الكلمات فقط، لكنه لما لبث أن عمم قياسا على باقي الكلمات. وقد نتج عن ذلك أن حرف S  أصبح يقرأ تارة سينا وتارة زايا . وحدث كذلك أن صوت اللام في الفرنسية بدأ يستبدل بصوت الياء ، ومع ذلك لازالت الكتابة تحتفظ بحرف اللام في الأمثلة التالية رغم أن هذا التغيير قد لحقها: eveiller  (أفاق) ، MOUILLER  (بلل) ، وقد دفع هذا الانفصام مصنفي المعاجم إلى إضافة الكتابة الصوتية العالمية وذلك لتبيان طريقة قراءة كل كلمة لأن كتابتها العرفية لا تستطيع أن تؤدي هذه الوظيفة رغم أنها اخترعت في البداية من أجل لذلك .

وبالنسبة للغة العربية وكتابتها، يمكن أن نرصد نفس الظواهر رغم أن مستعملي هذه اللغة يميلون إلى الاعتقاد بأنها بقيت في مأمن من التغير. وتجدر الإشارة إلى أن جل الظواهر التي يمكن إيرادها في هذا الباب ترجع بالأساس إلى لكنة متكلمي العربية التي تختلف باختلاف اللهجات. وفي هذا الإطار ، يمكن أن نميز بين إبدال تام وإبدال سياقي. فالأول مقتضاه أن صوتا ما استبدل بصوت آخر في جميع المواضع، أما الثاني فيبدل فيه صوت بآخر في موضع معين فقط دون المواضع الأخرى وذلك لتأثير الجوار فيه. فالمصريون مثلا يبدلون الذال زايا والثاء سينا فينطقون الذهب "الزهب" والثمن "السمن" وهلم جرا، ماعدا قلة ممن يولون أهمية كبرى لمخارج الحروف. كما أن المغاربة عامة يبدلون الذال دالا والثاء تاء، وعوض الذهب والثمر يقولون "الدهب" و "التمر". بالإضافة إلى ذلك، فبعض خصائص الأنظمة الصوتية المحلية تنقل إلى اللغة العربية فتأثر بذلك على الحروف. فقد أوضح اللغويون العرب مثلا أن الحروف المطبقة تؤثر في الحروف المنفتحة حين تجاورها كإبدال تاء افتعل طاء نحو: اصتفى ـــ  اصطفى، غير أن هذه القاعدة توسع مجالها في بعض الدارجات المعاصرة، فأصبح المغاربة مثلا يقرؤون السفر، بالصاد عوض السين و"الدرس" بالضاد عوض الدال، إلى غيرها من الأمثلة. ويتضح من خلال هذه الحالات أن هناك تنافر بين الحروف والأصوات التي تقابلها، وهذا التنافر لم يكن معروفا في الفترة التي دون فيها اللغويون ملاحظاتهم وقواعدهم ( أو ربما كان بعض هذا التنافر موجودا ولكنه أهمل لاعتباره في عداد الكلام غير الفصيح ) ولكنه جاء نتيجة التغير الذي يرجع إلى عوامل خارجية. ولا يشك أحد أن اللغة العربية كما يتكلمها المتعلمون اليوم تختلف عن تلك التي تكلمها العرب في الجاهلية والمراحل الأولى من الإسلام. قد يحتج البعض بأن ذلك راجع إلى أخطاء شائعة لكن خطأ شائع خير من صحيح مهمل ، كما أقر بذلك اللغويون القدامى.

نخلص في الأخير إلى أن الكتابة عادة لا تساير التغيير المستمر للغة، فهناك أصوات تبدل بأخرى وقد تدخل اللغة أصوات لم تعهدها من قبل، كما أن النظام الصوتي بدوره يعرف تغيرات تدريجية، وقد تصل هذه التغيرات درجة تصبح معها الكتابة المستعملة بدون جدوى مما يستدعي إصلاحها. وبالنسبة للغات التي لم تعد تستعمل في التواصل اليومي ( مثل العربية التي أدى ارتباطها بالقرآن وبالتراث الديني والثقافي بصفة عامة إلى تجميد مرحلة معينة من تطور نحوها) فإنها لا تتوقع أن تحيد كثيرا عن النظام الكتابي الذي خط لها منذ البدء.

خاتمـــــــة :       

حاولنا في هذا المقال أن نبحث في علاقة الكتابة باللغة من حيث هي أصوات تحمل معان، فبينا أن الكتابة نظام مستقل بذاته رغم أنه رهين في كثير من تفاصيله ببنية اللغة المراد كتابتها. وهكذا خلصنا إلى أن الحروف رموز تمثل مفاهيم مجردة هي الفونيمات، لذلك وجب الاحتياط عند استعمال أبجدية لكتابة لغة غير لغتها الأصلية. كما أن الكتابة غالبا ما تأخذ بعين الاعتبار البنية الصرفية للغة المراد كتابتها وذلك بالتركيز على عناصر التشابه والوحدة عوض الانسياق وراء التفاصيل الصوتية. ولأن اللغة في تغير مستمر، فانه من الطبيعي أن يحدث انفصام بين الحروف والأصوات مع مرور الوقت. لقد كان الهدف من وراء هذه المحاولة هو نقد الانطباع السائد بأن الخط العربي جزأ لا يتجزأ من اللغة العربية، ومن جهة ثانية الطعن في الرأي السائد كذلك بأن ما يسمى بالعاميات ليست لغات فقط لأنها غير مكتوبة وكأن اللغات منقسمة من حيث طبيعتها إلى لغات مكتوبة وأخرى غير مكتوبة. ولتعميق هذا النقد، لابد من توضيح العلاقة بين اللغة والنحو، واللغة والفصاحة، واللغة واللهجة،الخ. وهو ما سنقوم به في محاولات أخرى.

 



[1]-  انظر: Duckworth, London. p 25   Saussure,F. A Course in General Linguistics.

[2] - انظر:أحمد الحمو؛ "محاولة ألسنية في الاعلال" مجلة عالم الفكر المجلد العشرون العدد الثالث 1989

[3] -  انظر على سبيل المثال: السغروشني ادريس :مدخل إلى الصواتـــة  التوليدية، دار  توبقال للنشر،

الدارالبيضاء

[4] - ليس المقصود هنا أنها تشبه الحركات من الناحية الصوتية، بل فقط أنها تكتب على الحروف مثلها مثل الحركات.

[5] - انظر في هذا الصدد، الأنطاكي ؛ المحيط في أصوات العربية ونحوها وصرفها. دار الشرق العربي, بيروت.  

[6] - تمام حسان:   اللغة معناها ومبناها ، دار الثقافة، الدارالبيضاء 

[7] - وردت هذه الاشارة في:Saussure,F. Course in General Linguistics, Duckworth London. P28

[8] -   Saussure, F. Course in General Linguistics. Duckworth, London. P29