ص1       الفهرس  81-90

قوة الذاتية ومسارات ذاتية القوة

أو الغيرية كأساس لحوار الحضارات

 

                     عبد العزيز بومسهولي

إن التفكير في مستقبل العالم-باعتباره الفضاء المشترك للإنسانية الذي يسمح بإمكانية تحقيق تعايش المجتمع الإنساني بتعددية ثقافاته، واختلاف توجهاته الحضارية، وفقا لغايات لا تستهدف سوى الإنسان ذاته بوصفه غاية وليس مجرد وسيلة- يظل مرتهنا بسؤال الغيرية بما هي القدرة على إمكان الصيرورة والتفاعل مع الوجود ومع العالم.

إن الغيرية من خلال هذا المنظور تغدو إمكانية لإعادة تأسيس الأساس بمعنى تأسيس إمكانية الإنسان ذاته في أفق تحريره من هيمنة التقنية التي تعد المسؤولة الرئيسية لا في اغتراب الإنسان عن التفكير، فحسب، وإنما في خلق أوهام عبادة الخصوصيات الثقافية والحضارية، تلك التي لا تعبر عن القدرة على الاختلاف، بقدر ما تعبر عن أوهام الإحساس بالتفوق والتفضيل وليس التفاضل الحضاري. ومن تم تهديد أية إمكانية في التأسيس للغيرية بما هي القدرة على الاختلاف والانفتاح معا، فما لا يختلف لا يستطيع أن ينفتح، بمعنى أن وهم التطابق والتماثل بالأصل، لا يصير غيريا منفتحا وإنما يؤول إلى بنية مغلقة، وهكذا فكل الأصوليات تتشابه، فبقدر ما تقيم داخل التماهي بالأصل، بقدر ما تكون تتشابه في عبادة النموذج والتعلق بوهم الأصول، وبقدر ما هي متمسكة بوضع الأختام على ما يمكن أن يسمح به التفكير في اتجاه غيريتها، بقدر ما تقضي على إمكانية الاختلاف بما هو اعتراف بالخصوصية لا على أساس الأحقية، وإنما على أساس إبداع سبل جديدة متعددة للتشارك والانخراط في تجربة انبثاق المستقبل، انطلاقا من حاضر متحرر من التطابق والتماثل.

إن القضاء على إمكانية الاختلاف، لا يعني إلا الانخراط في أفق ما يسمى اليوم بتصادم الثقافات، إن صراع الثقافات وتصادمها ليس نتيجة طبيعية للاختلاف، بقدر ما هو نتيجة لوهم التطابق والتماثل، بمعنى أن الأساس الثقافي الذي يؤسس للتصادم يظل مرتهنا بميتافزيقا الأصل، القائمة على مبدإ الأحقية، وبالتالي لا نستطيع أن نتحدث عن تصادم الحضارات بقدر ما نتحدث فقط عن تصادم ثقافات تظل متشبثة باعتبار أن ذاتها وحدها تتماثل بالأصل وأنها وحدها هووية(مطابقة لهويتها)؛ ذلك أن مفهوم حضارة يحيل في معناه التاريخي إلى سيرورة التفاعل الإنساني، والانفتاح على ثقافة الآخر، إن الحضارة وفق هذا المنظور تنفلت عن أن تكون متماثلة بذاتها بما أنها تتأسس داخل صيرورة الوجود التاريخي، حتى وهي تحدد لنفسها منطلقات ومبادئ ثقافية تنشد المطابقة بالأصل، إلا أن إمكانيات التاريخ المؤسسة للفعل الحضاري تسمح بإحداث فجوات، وهوّات داخل الثقافة المؤسسة، وهذا ما يتجلى في حدوث التباعد داخل الهوية ذاتها، إنها في حالة التصدع بالمعنى الإيجابي، إن التصدع أساس قوة الدفع نحو الخارج، بمعنى أن الهوية بقدر ما تتخارج بقدر ما تنحو نحو إكساب قيمة لقيمتها الثقافية لا لذاتها فقط، وإنما للآخر، ولكن هذا التخارج ذاته هو إمكانية تباعدها عن القيم القديمة، ففي الوقت الذي تظهر فيه للآخر قيمها الثقافية، فإنها تتخطى عتبة المطابقة والتماثل، إنها اللحظة التي تجبر فيها ضرورة الصيرورة التاريخية الهوية على الغيرية.

إن الغيرية بهذا المعنى هي ذاتية مؤسسة على الانفصال عن هيمنة ميتافزيقا الأصل، ما دام أن أساس تأسيس الذاتية إنما يكمن في الانفصال الذي يمنح إمكانية تأصيل الاستقلالية والمسؤولية معا، بمعنى أن الانفصال يغدو مؤسسا للمشروعية التأصيلية، فالذات تمنح لنفسها قدرة الالتحام بالحديثة، فوجودها رهين بإحداث الحركة داخل التاريخ، إنها هوية صيرورة، لا هوية تماثل وتطابق، فهي قدرة على الإتلاف والتوكيد، إتلاف يمنحها الانفلات عن النمطية بما هي انسياق داخل نسق ثقافي يحول دون تفتحها وتفاعلها مع العالم، وتوكيد يمنحها الرغبة في أن توجد وفق نمطيتها الخاصة، إنه توكيد يجعل الذاتية في قلب الوجود التاريخي، توكيد تستعيد من خلاله قوة التشريع لغاياتها الخاصة، فالذاتية هي الخاصية الأساسية المميزة للكائن الإنساني، فإذا كان الإنسان فيما يرى كانظ، هو الكائن الوحيد على الأرض الذي يملك عقلا، وبالتالي قدرة على أن يضع لنفسه غايات كما يحلو له. فهو هنا بكل تأكيد سيد الطبيعة المسمى[1]، بمعنى أنه لا يوجد في العالم سوى نوع واحد من الموجودات علته غائية، أعني موجهة نحو غايات... والكائن من هذا النوع هو الإنسان"[2]، فإننا نستطيع أن نصف هذه الذاتية- التي تتأسس فعاليتها على العقل والقدرة على وضع الغايات، أي التشريع للمستقبل بناء على ما يستطيعه العقل الإنساني بقوة الذاتية التي لا تعني وفق هذا المنظور ذاتية القوة، وإن كان بالإمــكان أن تنقلب الذاتية على نفسها فتغدو مفعولا للقوة، فبانفلاتـها عــما تستطيعه كقدرة على تدبير المستقبل، فإنها تقع ضحية مكر القوة أعني ضحية ذاتية القوة، فالذاتية هنا منسوبة للقوة وليس للإنسان، فذاتية القوة تشرع لإخضاع ذاتية الإنسان وإتلاف غاياتها، كما هو الشأن في الإخضاع الذي تمارسه التقنية باعتبارها تعبيرا عن لحظة اكتمال الميتافزيقا بحسب هيدغر -على الإنسان، بما أنها النفي الجذري لما يستطيعه الإنسان في العالم.

إن ذاتية القوة هو التعبير الأكثر ملائمة لتحول القوة إلى ذات فاعلة تقرر مصير الكائن الإنساني، وهي من خلال هذا المنظور ليست إلا تجليا لحالة الإكراه الثقافي التي تستهدف الذاتية وفق المسارات التالية:

1- المسار الأول وهو تعبير عن الوضعية التقليدانية المتمثلة في عمل ذاتية القوة على إتلاف ذاتية الإنسان، وإبقائها ضمن منظور ضيق للهوية فتقضي بالتالي على كل نمط للتفتح، أي للغيرية بوصفها الخاصية الملازمة للذاتية، فالذات لا تصير إذا لم تغدو آخر، فغيريتها هي ما يحقق وجودها الإثباتي، أما تماهيها فهو ما يرجعها إلى حالة الانمحاء والذوبان الخالص داخل قوة تحول دون انبثاقها كرغبة وإرادة.

إن ذاتية القوة تجبر الذاتية على البقاء في حالة كمون لا إرادي ضمن نسق الوصاية الخالص الذي يسلبها إمكانية القدرة والتفكير والانخراط في لعبة الوجود، بمعنى أن الذاتية تظل متحجبة عن ذات الكائن، فليس نسيان الوجود هو فقط ما يشكل رهان ذاتية القوة، وإنما هو نسيان الذاتية كذلك، إنه النسيان الذي يحول دون الكائن والتحامه بذاتيته، وتلك خاصية النسق التشميلي والكلياني القديم والحديث، نسق يجعل من الجماعة كمفهوم يعبر عن مذهبية عقائدية ناسخا الذات كتعبير عن الاختلاف والانفصال والفعالية أو بمعنى أدق كتعبير عن الغيرية، كما أن هذا النسق الذي يعلي من شأن الثابتة المطابقة للأصل وفق مبدإ الأحقية يجعل من الجماعة ناسخا للآخر أيضا من خلال استهداف ثقافته أو عقيدته المغايرة، إن الجماعة باعتبارها الوسيلة التي يستخدمها النسق الوصائي تقوم بنسخ مزدوج للذات والآخر في آن معا، ففي نسخها للذات تغيب الحرية وتنعدم الرغبة والإرادة، سوى إرادة التشميل التي أساسها ذاتية القوة، وتلك هي حالة كثير من الشعوب التي وجدت نفسها محصورة داخل أنظمة إكراهية تمارس تغييب الفرد والمجتمع باسم الدين كما هو شأن أغلب المجتمعات التقليدانية المستندة إلى حكم العشيرة، والتي يشكل الاعتراف بالمواطنة تهديدا لنظامها الوصائي، وخلخلة لاستراتيجية القوة التي يقوم عليها نسق تعديم الحرية. أما في نسخها للآخر استحواذ على مبدإ الأحقية الذي يعني أن الجماعة هي الوحيدة في العالم التي تستند إلى الحق، بينما الآخر بكل أصنافه وتلاوينه وأجناسه لا يقوم إلا على ضلال، وبالتالي فإنها تعد مصدرا للشر الأخلاقي، وتبقى خطورة هذا التصور في كونه يقدم التبرير الأمثل لمنظورية صدام الحضارات التي تعرف اليوم نوعا من التداول الواسع النطاق، إنها منظورية لا تجعل من الصراع وسيلة تجاوز واستباق للمستقبل، ولكنها تجعل من الصراع وسيلة لنفي الذاتية داخل الهوية الثقافية المتجانسة، ولمحو الآخر وتدميره أو على الأقل إخضاعه لذاتية القوة، وهو ما تكشف عنه ذاتية القوة في المسار الثاني.

إن هذا المسار الذي تتخذه ذاتية القوة يمثل تحولا طبيعيا عن المسار الأول، إنه يكشف عن الطبيعة الازدواجية لذاتية القوة التي تستند إلى المنظور الميتافيزيقي للهوية باعتبارها تطابقا وتماثلا بالأصل، إنه منظور اختزالي يختزل الهوية داخل الوحدة المتجانسة التي تحول دون انفتاحها وتخارجها المؤسس لغيريتها. إن التحول الذي تتخذه ذاتية القوة تعبير عن أزمة داخل هذا النسق الهووي المغلق الذي يستبدل إمكانية انفتاح الذات على آخريتها، بإمكانية أخرى تتمثل في اتهام الآخر المختلف، إنها إمكانية لاستخدام العنف الرمزي الذي غالبا ما يتحول على عنف مادي، فالعنف الرمزي، بما هو تعبير عن تعصب شديد للهوية، وكراهية قصوى للآخر ينبني على ما يسميه علماء النفس الاجتماعيين بالغريزة الثنائية للنفس البشرية، أي الميل الفطري والعام إلى تعريف العالم وفقا لمعادلة نحن مقابل هم، وفي البدء قامت هذه الغريزة بإيجاد نحن قبل أن ترتبطه بكل ما هو جيد وأخلاقي، وربطت "هم" بكل ما هو نقيض ل"نحن"مع الافتراض بالتالي أن الآخر غير صالح إن لم يكن شيطانيا"[3]، إنه نفس الميل الذي يغدي اليوم كل الأصوليات العرقية والدينية والذي يتجلى في مبدإ الولاء والبراء.

إن ذاتية القوة وفق استراتيجيتها المهيمنة هي من يغذي هذا الميل نحو تمجيد الذات وتبخيس الآخر ببنائها للأوهام التي تحجب الأساس الغيري للإنسان، وبالتالي فهي التي تغدي كل صراع قائم على العداء سواء داخل الحضارة المتجانسة التي تنتمي إليها شعوب تشترك في التاريخ أو اللغة أو الدين أو العرق... ألخ أو فيما بين الحضارات، هذا إذا صح التمييز بين هذه الحضارات بناء على مواصفات الهوية والأصل والتطابق، ذلك أن مفهوم الحضارة يجب تحريره بالذات من ميتافزيقا الأصل بمعنى ربط الحضارة بالسيرورة التاريخية من حيث هي انتظام في التاريخ يتشكل من تلاقح الثقافات وتشاركها، إن الحضارة بهذا المعنى هي روح العصر التي تعبر عن اشتراك الإنسانية في المصير. ولاشك أن كل الحضارات التاريخية التي كانت تعبر عن روح عصورها، إنما تشكلت على استنبات ثقافات الغير داخل نسقها كما هو شأن الحضارة العربية الإسلامية التي لم تستمد قوتها إلا من خلال هذا الانفتاح على الثقافات الأجنبية الفارسية الهندية واليونانية رغم أن ما كان يوجه هذا الانفتاح نحو ثقافة الغير في البدء ليس سوء إرادة الهيمنة، وتعزيز قوتها في التاريخ وتوكيد الرغبة في التفوق، بمعنى أكثر دقة فإن ذاتية القوة هي المسؤولة عن الرغبة في اقتحام الغير الضال قصد إرجاعه إلى الذات وإخضاعه، لكنه اقتحام يشكل فرصة لتلاقح الثقافات، حتى وإن كان قصد الغازي في البداية يتمثل في محو أثر ثقافة المعتدى عليه، إلا أنه لا يستطيع الانفلات من تأثيره، لكن مكر ذاتية القوة بما هي استراتيجية مهيمنة يجعل من لحظة التأثر هذه إمكانية جديدة لاستجماع القوة كقاعدة لفرض الهيمنة، فمعرفة ثقافة الآخر في لحظة استسلامه لا تشكل إلا مدخلا لممارسة المحو وتأكيد الرغبة في تعميم أسس الثقافة الوصية، وهي رغبة في التملك والاختيار واختزال صورة الآخر في الذات، إن الحضارة وفق هذا المنظور لا تعني التعايش مع الآخر، ولكنها تعني تملك الحضور الذي يرمي من خلال تعميم نماذجه الثقافية بسط سيادته على العالم، إنها الاستراتيجية ذاتها التي تنهجها جل الثقافات الغازية بما فيها الثقافات التي تنتمي إلى الحضارة الحديثة، أعني الثقافات الاستعمارية التي غزت العالم المسمى ثالثيا قصد امتلاك إرادة الهيمنة، وتجميع القوة بما هي إرادة تدبير مصير العالم والتحكم في طاقاته.

إن ما يحدد دينامية ذاتية القوة في المسار الثاني هو الصراع وفق تقسيمات حضارية وتحديدات جيوسياسية اتخذت أسماء ذات حمولة أسطورية في بعض الأحيان[4]، بمعنى أن الصراع بين الثقافات يستند إلى استراتيجية ذاتية القوة المتمثلة في أسطرة الحضارة باعتبارها معلولا لثوابت ثقافية هي ما يحدد هويتها، إنها استراتيجية ترمي إلى أدلجة الهوية الحضارية بوصفها نسقا مغلقا، وتقليدا يجب المحافظة عليه كما لو أنها طبيعة ثابتة، ومعنى ذلك أن الأفراد والشعوب المنتمية لذات الحضارة لا يمكنهم الانفلات من محددات هذه الطبيعة الثقافية الخاصة، كما هو الشأن بالنسبة للطبيعة البيولوجية، ومعنى ذلك فليست الطبيعة الثقافية لحضارة ما إلا مجرد تورية لكلمة العرق أو اللون أو الدين[5]، وليست وظيفتها إلا الحضور في قلب الصراع لحماية الحمولة الأيديولوجية لتلك الخطابات التي تمجد الهوية باعتبارها نتيجة التطابق مع ثقافة متصورة ككيان مستقل، عن الآخرين بواسطة حدود واضحة غالبا ما يتم التعبير عنها بالأصالة، إنه تمجيد للخلاف وليس الاختلاف، ذلك أن الخلاف يستند إلى مبدإ الأحقية المطابق للخير الذي يعبر عن هوية الذات، والمقابل دوما للشر المعبر عن هوية المخالف.

إن مبدأ الأحقـية يكشف عن نسيان إنسانية الآخر، إنه بعــبارة أخرى نسيان لـحـق الإنسان في أن يغدو وآخر، وبالتالي فإن إقراره بالخلاف إنما يعني تبنيه لمبدإ التمايز والأفضلية والتفوق على أساس ديني أو عرقي أو لغوي أو ثقافي، ولكنه لا يعني البتة إقرارا بالاختلاف من حيث كون هذا الإقرار اعترافا بحق الآخر في الوجود والعيش سوية مهما كانت الأصول التي تتشكل منها هويته.

إن الخلاف الذي ينتج عن مبدإ الأحقية هو المولد الحيوي لصراع الهويات والثقافات، إنه إحدى آليات ذاتية القوة التي تتأسس عليها استراتيجية الهيمنة التي يغدو كل آخر مخالف مستهدفا باعتباره ممثلا للشر، إن استهداف الآخر يرمي إلى انتزاع حقه في غيريته، إما بإخضاعه إلى الذات أو عبر محو وجوده.

إن الصراع الذي يتولد عن الخلاف الهوياتي بما هو تعبير عن إرادة ذاتية القوة هو المسؤول عن حالة التناحر الذي ينخر بنية المجتمعات الحديثة، لكنه لا يعبر عن صراع الحضارات حسب أطروحة "هتنعتون"، بل إنه صراع يتم غالبا داخل الجغرافيا ذاتها أي بين الهويات المتعددة المنتمية لذات الفضاء المشترك، إنه أخطر أنواع الصراع الحديث لأنه يقوم على ميتافزيقا التطهير التي تغدي أوهام النقاء العرقي أو الديني وما شابه ذلك، وتعبر النازية خاصة عن هذا التوجه الذي ترك بصمات على التاريخ المعاصر، ذلك أن اضطهاد اليهود بأروبا النازية، كان عاملا حاسما في توليد اضطهاد مماثل ضد عرب فلسطين، وهو اضطهاد يصل إلى حد الإيادة والإجلاء ومصادرة الحق في الانتماء إلى الوطن، ومن تم فإن في استمرار الصراع العربي الصهيوني تغذية لأشكال أخرى من الصراع الذي يتبنى أيديولوجيات دينية تقدم نفسها كبديل لإيديولوجيات أخرى، ما دامت هذه الأخيرة تعد مسؤولة عن العجز والفشل الذي ينخر مجتمعاتها، وما العمليات الانتحارية التي تستهدف مدنيين في بلدان بعينها: السعودية، مصر، تركيا، الأردن، العراق، إلا تعبير عن هذه الإيديولوجية الأصولية التي تتبنى موقفا جذريا يستهدف ترهيب هذه الدول التي تدعم الاستراتيجية الأمريكية.

إن العالم اليوم بقدر ما يتقدم نحو ترسيخ القيم المشتركة للإنسانية، بقدر ما تظهر على سطح أحداثه النزوعات الذكوصية الممثلة في تمجيد الهوية المماثلة وتبخيس الغيرية، وهي هويات لا تتوانى عن تبني مبدأ التماهي. بالأصل الديني أو العرقي كتبرير لممارسة الفظا عات المرتكبة ضد الإنسانية من ذلك ما تعرض له المسلمون البوسنيون من إبادة وتقتيل من طرف الصرب، وما تتعرض له بعض القبائل الإفريقية من جرائم مشينة، وما يحدث في بقاع أخرى من العالم، وما يمكن أن يحدث في أية منطقة أخرى تتصاعد فيها إيديولوجيا الهوية الأصل.

إن ما يهدد مسار العالم اليوم ليس صراع حضارات، وإنما هو صراع هويات بما هو أخطر صراع يستهدف إمكانية العيش سوية داخل الانتماء المشترك لحضارة بعينها، هذا إذا صح الحديث عن تباين الحضارات وتنافرها، والحال أن الحضارات بما فيها ما يسمى الحضارة الغربية إنما تتشكل على قاعدة التصاهر والتفاعل، وقد غدت اليوم الثقافة العربية الإسلامية تشكل رافدا أساسيا داخل الفضاء الأوروبي المشترك وهي تغدي فكرة التفاعل بين الهويات حتى وإن كانت تكشف عن جوانب أخرى من اللاتجانس والتنافر، وهو أمر طبيعي يدخل ضمن صيرورة التحولات الحضارية التي تجبر قوتها التفاعلية الهويات على التقارب من بعضها البعض أي الانفتاح على غيريتها، كما تجبرها عن التباعد من المماثلة بذاتها أي على التخلص من انغلاقها الهووي، وهو ما يشكل الأرضية الأساس للانتماء للفضاء المشترك للإنسانية، القائم على الاعتراف بالاختلاف والندية، فالآخرية هي العنصر المتبادل، إنها آخرية بالنظر إلى السمات الثقافية المتعددة، ومن تم فالآخرية هي الوجه الآخر للنسبية الهووية المؤسسة ثقافيا، ولكنها لا تنفي أساس إنسانية الإنسان. إن التجاور المقارب يشكل علامة مائزة للوجود الإنساني، غير أن ما يهدد طبيعة هذا التجاور كما يهدد أساس إنسانية الإنسان يغدو من طبيعة أخرى تتمثل في ما نسميه بمكر التقنية وهذا هو المسار الثالث لتحولات ذاتية القوة.

3- المسار الثالث: تبلغ ذاتية القوة ذروة غايتها بالتحامها بالتقنية، إنها اللحظة التي تغدو فيها الذاتية مغتربة عن قوتها، منفصلة عما تستطيعه، إن ذاتية القوة في التحامها بالتقنية غدت غاية في حد ذاتها، ولم يعد الإنسان سوى وسيلة من أجل التقنية تعيد إنتاجه وفق مبادئها هي، لا وفق إرادته ورغبته.

إن عمل التقنية كما بينا في كتابنا: الأسس الفلسفية لنظرية نهاية الأخلاق، أضحى مسيطرا، وأضحى الكائن الإنساني متحكما فيه، في نوازعه وهواه. كما أضحت الحقيقة غير متعلقة بالكائن الإنساني، بقدرما هي تعبير عن حقيقة التقنية ذاتها، وهذا المصير الذي انتهت إليه التقنية بوسائلها الاتصالية الإعلامية والتكنولوجية استطاع أن يشبع في الكائن رغبته في المعرفة وفي تلقي المعلومات كما استطاعت أن تجعل منه كائنا استهلاكيا بامتياز، وبذلك حولته إلى نسخ متشابهة، كما حولت نزعته في البحث عن الإبداع والخلق إلى رضى تام بواقع التقنية التي تقدم إليه كل شيء، ولكنها في نفس الآن تأخذ منه كل شيء روحه وكيانه ووجدانه، ففي الوقت الذي تقر به من غيره/آخريته، وفي الوقت الذي توهمه فيه بوهم العالمية والمواطنة الكوسموبوليتية، فإنها تجعل منه كائنا بدون إرادة، كائنا انتهى زمانه، وانتهت خاصيته الزمانية، لتفسح المجال لزمان التقنية وللخاصية التقنية، بما هي نفي خالص وجذري لكينونة الإنسان لصالح كينونة افتراضية تقدمها التقنية على أنها الأصل، أما الإنسان فلا تقدمه سوى كنسخة مطابقة للأصل، ومن ثم تصاعد ولع الجماهير بالنموذج الذي تصنعه التقنية باعتباره مثلا أعلى يتحدى، بل إن القيم التي غدت شمولية أضحت مقترنة بالنموذج الذي اختاره العقل التقني[6]. ومعنى ذلك أن مكر التقنية أخضع الإنسان لإرادته، وفصله عن ذاتيته بما هي استجماع لقوة تدبير غاياته وفق إرادة عقله الخاص. إن فصل الإنسان عن قوة الذاتية معناه فصله عن علة التأسيسية، بما هي قوة لاختبار قدرته على صنع تاريخه ومصيره الخاص والتغلب على كل الوسائط. إن الإنسان بوصفه علة تأسيسية يعني إظهار ذاتيته كنمط للاختلاف النوعي الذي يعتبر تأصيلا للممارسة التاريخية.إن فصل الإنسان عن ذاتيته هو قضاء على الاختلاف، وهو ما يؤكده بنعبد العالي حينما اعتبر"أن أهم ما يميز عالم اليوم أي العالم وقد اكتسحته التقنية والإعلام هو غياب الاختلاف، أي سيادة التبسيط والأحادية والتنميط الثقافي على الخصوص"[7].

إن الإنسان في عالم اليوم أصبح ينهل من ثقافة جارية نحو التوحيد، توحيد تاريخ الكرة الأرضية بتدخل وسائط الإعلام التقنية التي توزع في العالم كما يؤكد كونديرا، نفس التبسيطات والصيغ الجاهزة التي يمكن أن يقبلها مجموع البشرية[8].

إن ما يكشف عنه هذا التحليل هو أن الذاتية بما هي قوة تأسيسية للاختلاف بوصفه سمة الوجود النوعي للإنسان في العالم تغدو مستهدفة ومندورة للاتلاف، بمعنى أن الغيرية باعتبارها الخاصية المميزة لقوة الذاتية أساس التفاعل الإنساني تغدو موضع نسيان.

إن العالم الذي يستهدفه مكر التقنية سيكون إذن موسوما باللاغيرية، إنها حالة من التلاشي ستصيب العلاقات الإنسانية ما لم يتولد صراع من طبيعة أخرى، إنه بالطبع ليس صراعا بين الحضارات ولكنه صراع بين قوة الذاتية وبين ذاتية القوة المؤسسة على مكر التقنية، صراع يستهدف توكيد الإنسان كعلة تأسيسية[9] ملتحمة بقدرتها على استرداد قوتها في تدبير الغايات، والانفلات عن هيمنة التقنية. إنه الشرط الجوهري لإمكانية التفاعل البشري ولإمكانية حوار الثقافات.

 



 

 

هوامش

 

[1] - كانت، نقد ملكة الحكم. ترجمة غانم مهنا المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2005، ص 397

[2] - نفسه، ص 392.

[3]   - خالد أبو الفضل: الحداثة البشعة والبشاعة الحديثة"، مجلة مقدمات، عدد 34، صيف 2005، ص 16.

[4] - عبد السلام بنعبد العالي: ضد الراهن، دار توبقال للنشر البيضاء، 2005، ص 23.

[5] - Denys cuche :nouveau regards sur la culture Sciences Humaines، N° 77, Novembre 1997, p.20.

[6] - عبد العزيز بومسهولي، الأسس الفلسفية لنظرية نهاية الأخلاق، سلسلة أبحاث فلسفية، وليلي، مراكش، 2001، ص 86.

[7] - بنعبد العالي، ضد الراهن، ص 24.

[8] - نفسه، ص 24.

[9] - بومسهولي، أخلاق الغير، نحو فلسفة غيرية، سلسلة أبحاث فلسفية، منشورات مركز الأبحاث الفلسفية بالمغرب، ص 81.