ص1       الفهرس  81-90

 

تأويل القصة القصيرة

"زعبلاوي" لنجيب محفوظ نموذجا

                    

حميد لحمداني

مهاد منهـجي:

لم تعد مسألة استيعاب النصوص الأدبية أمرا بسيطا خاضعا لمدى معرفة القارئ بالمدلولات المعجمية للكلمات أو تركيباتها، فالمسألة أعقد من ذلك بكثير، ففي نطاق الأبحاث المعاصرة الخاصة بسيكولوجيا القراءة لا تملك النصوص تلك السلطة الكاملة لمنح قرائها كل المدلولات التي يريد مؤلفوها تبليغها إليهم.فمثل هذا التصور أصبح في حكم التاريخ، حيث كان يعتقد بشكل جازم أن الكاتب يستطيع تضمين النص الأدبي كامل مقصدياته.إن الأسئلة التي طرحت في رحاب النظريات النقدية المعاصرة كانت مدعاة للتشكيك في أن الأدب ليس سوى أداة لتجسيد ما يفكر فيه الكاتب.

 وما الذي يستفيد منه الكاتب إذن؟ ألا يكون الأدب مساعده على خلق مقصديات لم تكن إلى حد كبير واضحة في ذهنه قبل الكتابة نفسها؟ لقد كان من شأن هذه الأسئلة أن تجعل مواقع القراء تتجاوز الخضوع الدائم لسلطة المقصديات المفترضة للمؤلفين، ولذلك تحولت العلاقة بين القارئ والنص إلى دينامية يحكمها التفاعل بين خطاطتين ذهنيتين هما خطاطة النص(ومن ثم خطاطة المؤلف)ثم خطاطات القراء المتفاعلين مع النصوص.وهكذا أضحت القراءة بمعناها السلبي المحصور في البحث عن المدلولات الجاهزة والعمل على استخراجها من النصوص بعيدة أكثر من أي وقت مضى عن البداهة.«فما يجري هو تحويل وانتقاء وإعادة تنظيم للمعلومات المقروءة بغية تكوين بنية ذهنية ] يُعتقد أنها[مطابقة أو شبيهة بالبنية التي يقصد نقلَها مؤلفُ النص»1

وبالإضافة إلى ذلك فإن ما يُعبر عنه بالمقصدية عادة، في نطاق الكتابة الأدبية، أضحى إلى حد كبير مسألة افتراضية؛ لأن الأدب لا يعبر في الأعم عما يُفترَضُ أنه"يُقصَد"من قبل المؤلف إلا بطرق تمثيلية أو استعارية.لذلك فالمدلولات"المقصودة"غير ماثلة بالضرورة في النصوص.وهكذا فوسائل الإيحاء الخاصة بتلك المدلولات لا تكون ضامنة لمقروئيتها بشكل واضح، مما يؤدي إلى اختلاف"الفهم"والتأويل عند القراء.

إن البناء النصي والعبارة الأدبية لهما طبيعة حوارية.وكثيرة هي مواقع النص التي لا تعرض الآراء والمواقف بقدر ما تثير أسئلة متعددة في أذهان القراء من أجل الحث على التفكير فيها.

يضاف إلى كل هذا ما نبهتْ إليه نظرياتُ القراءة من وجود فراغات كثيرة في تضاعيف الأعمال الأدبية، وهي لابد أن تُملأ من أجل إنتاج ما يسميه فولفغانغ أيزر"تأويلا متسقا"يلائم كل قارئ على حدة، وهذا التـأويل لا يمكن إرجاعه لا إلى النص الأدبي وحده ولا إلى الاستعدادات الخاصة للقارئ، لأنه في الواقع حصيلة التفاعل بينهما2.

لقد بدأ الوعي بهذه الجوانب النظرية المهمة بالظهور لدى النقاد العرب في الوقت الحاضر، مما جعل النقد الأدبي العربي المعاصر يفتح نوافذ جديدة من الرؤى النقدية تستبدِل تلك النزعة الوثوقية المشدودة إلى ما يشبه   قدسية        "الغرض ومقصدية الكاتب الأدبي.

محنة نجيب محفوظ مع القراء وتأويلاتهم، التي سنشير إليها، تأتي من هذا الجانب بالذات؛ أي من اعتبار أعماله السردية التخيلية معبرة دائما عن نواياه الخاصة.وإذا كانت هذه التأويلات قد أتت متعددة، فإن كل تأويل يَنظرُ إليه أصحابُه على أنه الفهم الوحيد لما كان يريد الكاتبُ قوله في عمله، نستثني من ذلك ما ندرك من القراءات الجادة التي أخذت تراعي الطبيعة الحوارية والاحتمالية لوجود المعاني في النصوص الأدبية، بحيث يُنظر إلى البنيات والعبارات فيها باعتبارها«محاوِرَة بطبعها أو سائلة بطبعها، فالعبارة تأخذ بقية وجودها من شيء محذوف وكل عبارة  لها باطن محذوف، باطن يناوئ، يركن إلى الظاهر في التعبير عن نفسه، ويخفي نفسه في ردائه أيضا.المحذوف هو جزء جوهري من كياننا، كيان النص»(مصطفى ناصف.نظرية التأويل.النادي الأدبي.ط:1. مارس 2000. ص:172)

وإذا ما قيل بأن كل تأويل تكمن وراءه أغراضٌ ومصالحُ ذاتية وربما إيديولوجية، فإن التأويل الذي نتحدث عنه في الدراسة التي نعتزم القيام بها لهذا النص القصصي، له خلفية معرفية تستمد مصداقيتها من مراعاة طبيعة المعطيات النصية والفنية، بما فيها الفراغات والإيحاءات والمحذوفات كما تعتمد من جهة أخرى على مبادئ التحليل العقلاني والمنطقي بغاية الإقناع بصدقية الاستنتاجات والتأويلات المقترحة، فضلا عن تحقيق نظرة ابستمولوجية متحركة تأخذ بنسبية النتائج وقابليتها على الدوام للمراجعة والتعديل.هذا ما يجعل القراءة التأويلية التي ننشدها بعيدة قدر الإمكان عن القراءة الاديولوجية المغرضة، كتلك التي خضعت لها أحيانا أعمال نجيب محفوظ دون أن تنجح حتى في إخفاء  أحكامها المسبقة فضلا عن النظرة الاختزالية التي تحكمت فيها لتسهيل بلوغ غاياتها المرصودة.علما بأن هذا الاختزال كان يطول في بعض الحالات كل الوسائل الشكلية والبنيوية والفنية التي يستخدمها الكاتب لبناء عالمه القصصي أو الروائي3 .

ويشير المشتغلون بعلم نفس القراءة إلى ثلاثة عوامل تكون حاضرة ومؤثرة في ناتج تفاعل القراء مع النصوص، وهي على التوالي4:   

 -سياق القراءة:ولا يتحدث فيه هؤلاء، كما يفعل السوسيولوجيون عن الوسط الاجتماعي أو البيئي وإنما يشيرون إلى عناصر مرتبطة بالنصوص ومؤطرة لها، وأهمها ما يدعى عادة بهوامش النص أو النصوص الموازية:العنوان، الإشارات التمهيدية، الخواتم  كلمة الغلاف، رسوم الغلاف وجميع طرائق عرض النص وتقديمه للقارئ. جميع هذه المعطيات السياقية المؤطرة يكون لها دور ملحوظ في عملية توجيه القراءة نحو فهم أو تأويل محددين.

-خصائص النص:بما في ذلك خصائص معجم وعبارات وبناء النص.مع مراعاة طبيعته الشكلية الخاصة؛ أي فيما إذا كان ينتمي إلى السرد أم الشعر أم الحوار أم الوصف الخ بالإضافة إلى مستوى الإيحاء وإمكانيات التدليل المتاحة في النص. 

ـ خصائص القراء:وهذه تكون عادة على درجة كبيرة من التعقيد؛ لأنها تشمل نوعية المعلومات المتحصلة سابقا لدى القارئ ثم درجة الانفعال والقدرة على التنظيم ثم القدرة على الفهم  والتحليل  واستغلال الذاكرة وإقامة العلاقات بين الوحدات النصية والاستدلال  والاستباق  والاستنتاج  والتخييل، ثم القدرة على عرض التصور وما يتصل بذلك من قدرة على التوضيح والبيان ورسم الخط إذا كان التأويل مكتوبا.

وهناك تفاصيل أخرى دقيقة تتعلق بنشاط القراءة وخصائص النصوص وسياق القراءة بحيث يصعب تحديد جميع المؤثرات الدقيقة الفاعلة في لحظة القراءة.

على أننا نرى من الضروري إضافة الخلفيات الثقافية للمؤلفين وكذا التيارات الثقافية المؤثرة في عصر الكتابة أو في العصور اللاحقة.

تعريف بالنص القصصي المدروس:

هذه بعض المقدمات النظرية التي ستتحكم في تحليلنا وتأويلنا لنص قصصي مشهور لنجيب محفوظ عنوانه:  "زعبلاوي"وهو صادر ضمن مجموعته القصصية"دنيا الله" التي ظهرت في طبعتها الأولى سنة1972 5. فلماذا العودة إلى هذا النص القديم؟

 ذلك لأنه نص يلتقي في كثير من الجوانب مع نصوص روائية وقصصية أخرى لنجيب محفوظ، كانت وماتزال إلى الآن موضع اختلاف بين النقاد في القراءة والتأويل،كما أنها نصوص سببت محنا خاصة للكاتب، علما بأن رواية أولاد حارتنا، وهي أقدم من قصة زعبلاوي،كانت في مقدمة هذه النصوص التي خلقت متاعب حقيقية للكاتب كادت أن تودي بحياته.

ونقدم أولا تلخيصا مقتضبا لقصة"زعبلاوي"لا نراه يغني أبدا عن قراءة النص لفهم كل ما سيأتي من تحليل وتأويل، ولكنه تلخيص ضروري في حالة تفضيل القارئ عدم الرجوع إلى القصة حتى يسهل عليه تتبع المراحل الأساسية لمسار التحليل والتأويل.

المعلومة الأساسية الأولى التي تقدم لنا في البداية عن شخصية زعبلاوي في هذه القصة، هي ذلك البيت الشعري العامي الذي كان يسمعه السارد منذ طفولته يتردد على لسان الناس:

 

الدنيا مالها يازعبلاوي       شقلبوا حالها وخلوها ماوي

(زعبلاوي. دنيا الله: ص: 137)

وهذا البيت إذا وضع في سياق الثقافة الشعبية، سيدل على أن شخصية زعبلاوي تمثل"الإنسان المجرب العارف بأحوال الدنيا".

غرابة الاسم دفعت السارد إلى سؤال أبيه عن من يكون زعبلاوي؟ فيجيب الأب:

«ـ فلتحل بك بركته، إنه ولي صادق من أولياء الله، وشيال الهموم والمتاعب ولولاه لمتُّ غما»(زعبلاوي. دنيا الله.ص:37)

عندما كبر السارد أصابه داء لم يجد له دواء بعد أن كان في الماضي يبرأ من أدوائه بأقل التكاليف.ولا يفصح السارد عن طبيعة دائه الجديد، المهم أنه أشار إلى أن الأبواب سدت في وجهه وأن اليأس طوقه، فعادت به الذاكرة إلى زعبلاوي شيال الهموم.فقرر أن يبحث عنه ليخلصه من أدوائه، وهنا تبدأ رحلة السارد في البحث عن زعبلاوي وقد مرت هذه الرحلة بالمراحل التالية:

+المرحلة الأولى:سؤال السارد عن زعبلاوي لدى الشيخ قمر  بخان جعفر ثم بجاردن سيتي دون جدوى.

+المرحلة الثانية:سؤال السارد عن زعبلاوي لدى بائع الكتب القديمة بربع البرجاوي بالأزهر دون أن يظفر بشيء.

+لمرحلة الثالثة:سؤال السارد عن زعبلاوي لدى شيخ حارة الحي فيمده بخريطة أحياء المدينة ويدعوه إلى البحث عنه في أزقتها وميادينها.

+المرحلة الرابعة:بحث السارد عن زعبلاوي لدى حسنين الخطاط بأم الغلام.يطمئنه هذا أن زعبلاوي لا يزال حيا ولكنه لا يعرف مكانه.

المرحلة الخامسة: بحث السارد عن  زعبلاوي في بيت الشيخ جاد الملحن.يؤكد الشيخ أن الولي زاره وساعده على وضع لحنه لقصيدة اختارها له بنفسه.

+المرحلة السادسة:بحث السارد عن زعبلاوي عند الحاج ونس الدمنهوري في حانة النجمة.ينخرط السارد في السكر معه وتصيبه إغفاءة نوم وعند استيقاظه يؤكد له الدمنهوري أن زعبلاوي قد حضر أثناء نومه فأشفق عليه وباركه بقطرات ماء صبها على رأسه.

يحس السارد بالارتياح؛ لأنه تأكد  زعبلاوي موجود. وأنه لابد أن يسعى إلى لقائه.

من خلال هذا التلخيص يمكن أن نلاحظ أن رحلة البحث عن زعبلاوي تمر بمراحل متعددة من الخيبة لكنها تبدأ شيئا فشيئا تتكشف عن بصيص الأمل في العثور على زعبلاوي، دون بلوغ السارد لهدفه المنشود تماما وهو اللقاء المباشر بزعبلاوي.

إضاءات ثقافية ذات صلة بالمؤلف: 

بعد هذا التلخيص المركز نشير إلى أن ما قدمناه من منطلقات نظرية لا يجعلنا نستغني عن الاستفادة من السياقات الخارجية غير السيكولوجية وغير النصية، بل سنحاول، إلى حد ما، أن نستفيد من الظروف الثقافية الخاصة للكاتب لنلقي بعض الضوء على قصة زعبلاوي من أجل تقديم تأويل مقنع لعالمها البنائي المتميز.

ونرى أن هذه المعطيات الثقافية المرتبطة بسيرة الكاتب تقدم لنا أحيانا معلومات مفيدة عن التصورات الخاصة التي كان نجيب محفوظ دائما يحرص على أن يصوغ أعماله السردية على منوالها، وهي في الأعم تصورات تستجيب لنزعته الحيادية في عرض المواقف والأفكار والآراء، مع التمسك الضمني الدائم بما يمكن تسميته بنسبية المعرفة.

 ورد على لسان نجيب محفوظ وهو يتحدث لرجاء النقاش عن مرحلة الدراسة المتأخرة:«كانت العلاقة بيني وبين الشيخ عجاج(مدرس البيان) ودية للغاية.وكان من المعجبين بأسلوبي في الكتابة.كما كان يعتبر موضوعاتي في الإنشاء  نماذج تحتذى للتلاميذ.وكان يعكر صفو  هذه العلاقة أحيانا بعض الأفكار التي أضمنها هذه الموضوعات ويعتبرها الشيخ مساسا بالدين.ففي تلك الفترة  كانت نظرتي للدين تتسم ببعض التحرر، ولكني أؤكد أنها كانت نظرة تحررية وليست كافرة.كنت مثلا أكتب موضوعا عن عظماء التاريخ وأضع بينهم محمد(ص) فكان الشيخ  عجاج يعتبر هذا مساسا بقدر النبي وإنزالا من شأنه»6.

كانت ثقافة نجيب محفوظ تتجه منذ وقت مبكر إلى المجال الفلسفي والأدبي فهما مجالان يسمحان للفكر بأن يجول بعيدا عن القيود والأعراف والتمرد أحيانا على الضوابط وهو ما بخلق للأدباء والفلاسفة عامة  متاعب كثيرة، سيحذر المازني يوما نجيب محفوظ من عواقبها كما سنرى7

هكذا ذكر نجيب محفوظ أن المازني طلب لقاءه بواسطة عبد الحميد جودة السحار وذلك مباشرة بعد صدور روايته:زقاق المدق:فقال:«..استقبلني استقبالا حارا وأفاض علي من المديح ما أخجلني منه.ثم صمت قليلا وقال لي: إنه يريد أن ينصحني وأنا في بداية حياتي الأدبية.وما زالت كلمات المازني محفورة في ذاكرتي حتى الآن.قال لي إن الأدب  الذي أكتبه هو الأدب الواقعي.وأن هذا النوع من الأدب يسبب لصاحبه مشاكل كثيرة.وفي أوربا حدثت مشاكل كثيرة  للأدباء الواقعيين.وطالبني المازني بالحرص، لأننا في مصر لم نعتد على فن الرواية.والفكرة الشائعة عن الروايات هي أنها اعترافات شخصية.فطه حسين كتب حياته في الأيام والدكتور هيكل فعل نفس الشيء في رواية زينب. وأنا في رواية إبراهيم الكاتب.ثم قال لي المازني.إذا كنت ستستمر في كتابة الأدب الواقعي فستجلب لنفسك المتاعب والمنغصات دون أن تدري.وقد شكرت المازني على النصيحة، وانصرفت ولم ألتق به بعدها»8

إذا ما أخذنا أقوال المازني باعتبارها نوعا من النصيحة وليس تعبيرا ملتويا عن الغيرة من النجاح الذي كان نجيب محفوظ قد بدأ يحققه بلا منازع بعد نشر روايته المذكورة، فإننا نرى أنه كان قد تنبأ فعلا بالمتاعب الكثيرة التي لقيها نجيب محفوظ بسب نشر بعض أعماله الروائية والقصصية.كما أنه وضع يده على حقيقة عدم قدرة الناس التفريق بين حياة الكتاب وأعمالهم الأدبية.فكل ما يكتب هو من قبيل الاعترافات التي يتحمل مسؤوليتها الكاتب نفسه.

لكن المفارقة العجيبة هي أن متاعب نجيب محفوظ لم يكن سببها رواياته الواقعية بل على العكس، فقد اعتبرت هذه الأعمال عاملا من عوامل احتفاء المجتمع المصري بكاتب كبير علَّم الناسَ أسرار الحياة ونقلهم من حالة الوعي الواقع إلى حالة وعي الوعي أي وعي الذات، ومن ثم محاولة تجاوز عيوبها وعيوب المجتمع.لقد أتته المتاعب من روايات وقصص شكلت مرحلة جديدة في الكتابة تتجاوز نقل أسرار الحياة الاجتماعية المصرية.وأشير هنا بالتحديد إلى روايته أولاد حارتنا، التي اعترف نجيب محفوظ نفسه أن شخصياتها انتقيت بشكل يوازي شخصيات الأنبياء دون أن يكون هذا الاختيار مضمرا لأية إساءة لهم.لذا فوجئ بالتفسيرات التي قدمت للرواية وخاصة ما قام به بعض المعلقين حين طابقوا بشكل تام بين الشخصيات المتخيلة وشخصيات الأنبياء.وأوضح نجيب محفوظ أن«المغزى الأساسي لرواية أولاد حارتنا هو أنها حلم كبير بالعدالة وبحث دائم عنها ومحاولة للإجابة عن سؤال جوهري:هل القوة هي السلاح لتحقيق العدالة أم الحب أم العلم ؟»9.لكن خبرا صغيرا نبه إلى تعرض الرواية للأنبياء عندما كانت تنشر في حلاقات بجريدة الأهرام(1959)فجر أزمة كبيرة طالب فيها البعض بوقف نشر الرواية وطالب آخرون بعرضها على الأزهر، وآخرون رأوا ضرورة تقديم صاحبها للمحاكمة.ومعلوم أن هذه الضجة قد توقفت أمام دفاع البعض عن هذا العمل الفني الذي كانت دوافعه حسب نجيب محفوظ هي البحث عن الوسيلة المثلى لتحقيق العدالة.لكن بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل جاءت المتاعب الكبرى التي انتهت كما هو معروف بالاعتداء المباشر على الكاتب يوم الجمعة 14 أكتوبر سنة 1994.

قصة زعبلاوي على محك التأويل:

لقد احتفظ نجيب محفوظ رغم متاعبه الناتجة عن نشر روايته أولاد حارتنا في  المرحلة الأولى بإصراره على ممارسة حرية الكتابة في هذه المواضيع الدينية مستعملا أحيانا شكل القصة القصيرة وسيلة للتعبير كما هو الحال في مجموعته القصصية دنيا الله الصادرة في طبعتها الأولى سنة 1972.على أن القصة التي تماثلت مع أولاد حارتنا في هذه المجموعة كانت هي قصة زعبلاوي.

ذكر جورج طرابيشي أن«أول ما يلفت الانتباه  في هذه القصة هو التشابه الغريب في الوقع والجرس بين زعبلاوي وبين"جبلاوي"أولاد حارتنا، ولعل هذا التشابه كاف وحده لإشعارنا  بأننا أمام قصة ينبغي أن تفسر على صعيد آخر غير صعيد  الظواهر والوقائع المباشرة»10

ولعل جورج طرابيشي  يرى هنا أن التشابه بين العملين أعمق من مظهره السطحي بكثير، وهذا ما سنقف على طبيعته عند تحليل هذا العمل.إنه جعل موضوع قصة زعبلاوي محصورا فيما سماه الجانب الصوفي.ونقف هنا أولا على المعالم الكبرى لتأويله لهذه القصة في كتابه:"الله في رحلة  نجيب محفوظ الرمزية"وقد لخصها بنفسه في دراسته حين قال:«أن قصة زعبلاوي هي إذن قصة رحلة معكوسة في مدارج المعرفة.فالبحث عن زعبلاوي قد تم في طريق انحداري من أعلى أشكال المعرفة إلى أدناها، ومن أحدثها إلى أقدمها:أي من العلم إلى الفن إلى الحدس الصوفي، ولا يستطيع أحد أن يقول إن الخيبة التامة كانت هي ثمرة هذه الرحلة المعكوسة.ولكن لا يستطيع أحد أن يقول إن ثمة ظمأ قد رُوِيَ أو جوعا قد أشبع.كل ما هنالك أن وجود الزعبلاوي قد أمسى في خاتمة الرحلة بحكم المؤكد ولكن لم يتأكد إلا ليتأكد معه تعذر لقائه والوصول إليه»11

ونشير قبل التعليق على هذه الخلاصة المركزة إلى أن دراسة جورج طرابيشي شديدة الاحتياط في تأويل قصة زعبلاوي.فقد قام في الأعم بتقديم تلخيص لها اقتطف فيه منها ما بدا له دالا وتحرر بذلك من الإشارات التأويلية الكثيرة حتى لا يذهب بعيدا في التورط بآراء قد تكون صادمة للقارئ.

وحينما يشير في كلامه السابق إلى الرحلة المعكوسة فهو يدعونا ضمنيا لمقارنة قصة زعبلاوي برواية أولاد حارتنا التي انطلقت من الوجود الثابت غير المشكوك فيه للجبلاوي(نظير"زعبلاوي") بينما تجعل القصة القصيرة همها الأساسي هو البحث عن زعبلاوي.كما أنه يلمح إلى تناظر معكوس أيضا بين العلم  والفن والحدس في قصة زعبلاوي وبين جيل ورفاعة وقاسم وعرفة في رواية أولاد حارتنا(الجدير بالذكر أن معظم قراء هذه الرواية أدركوا فور نشرها في جريدة الأهرام أن شخصياتها المذكورة ترمز على التوالي إلى موسى  ثم عيسى ثم الرسول صلى الله عليه وسلم12   لكن السؤال المطروح هو ما هي العناصر المتماثلة بالذات في العملين إذا ما استثنينا ما هو واضح التناظر فيهما:

فالجبلاوي يناظر زعبلاوي وعرفة يناظر المقدم.ولكن ما هي نظائر الفن والحدس الصوفي في رواية أولاد حارتنا؟

أشار الباحث نبيل راغب إلى أن رواية أولاد حارتنا اعتمدت أيضا على المضامين والمواقف لبناء عالمها التركيبي «فالشكل الفني لا ينهض على الحبكة التقليدية في" أولاد حارتنا"(فالواقع] أنـها[ تنقسم  إلى خمس حكايات متتالية:هي حكاية أدهم وجبل ورفاعة وقاسم وعرفة ولا تكرر كل حكاية  الحكاية التي سبقتها ولكنها تضيف إليها بعدا  دراميا جديدا بحيث تتكامل  أمامنا النفس البشرية بكل صراعاتها وتناقضاتها التي تجمع بين الخير والشر أو بين المثال والواقع أو بين السماء والأرض أو بين الروح والمادة أو بين الجوهر والمظهر في لحظة واحدة من الزمن»13

التماثل حاصل اذن، بين قصة زعبلاوي ورواية أولاد حارتنا في المظهر البنائي الدلالي العام وهو مظهر يصعب التمييز فيه بين ماهو شكلي وماهو مضموني.كما أن العملين معا يؤسسان لحوارية خفية تظهر معالمها من خلال اختلاف المواقف والتصورات كما بين الناقد أعلاه.وهذا التشابه الشكلي العام لا يلغي إمكانية أن يكون نص قصة زعبلاوي محملا بمضامين محتملة مخالفة أو مصححة لمضامين أولاد حارتنا.وهذا ما سنراه لاحقا أثناء التحليل.

 أشار  جورج طرابيشي من جهة ثانية إلى أهمية الطابع الرمزي الصوفي في قصة زعبلاوي.وأرى من جهتي أن قصة زعبلاوي لا تناظر بطريقة حرفية رواية أولاد حارتنا، لأنها مادامت قد بنيت بطريقة معكوسة فهي تريد أن تميل إلى قناعات ربما تكون أيضا معاكسة أو مصحِّحة لما جاءت به الرواية.ذلك أن رواية أولاد حارتنا كما ذهب معظم الباحثين تنتصر للعلم باعتباره بشكل من الأشكال استمرارا لدور الأديان.لكن قصة زعبلاوي(بعد مرور قرابة ثلاث عشرة سنة على صدور رواية أولاد حارتنا) تريد من جديد أن تعطي للدين دورا أساسيا في عصر العلم، فبحث السارد عن زعبلاوي هو بحث عن من يقرب بطل القصة إلى الله.لكن السؤال الذي يبدو لأول وهلة محيرا في القصة هو كيف يكون من يرتاد حانة قادرا على تقريب البطل إلى الله؟ هنا بالذات يشير جورج طرابيشي إلى أن الخمرة والحانة في هذه القصة إنما هما رمزان للإشراق الصوفي على غرار ما نجد في أشعار الصوفيين من حديث عن الخمرة والسكر وغير ذلك أيضا من ألفاظ العشاق.

ولقد كان في إمكان الباحث أن يتوسع في تأكيد هذا الجانب لو رجع إلى النص واستثمر معطياته وكلماته الدالة.

ونحن نجد قي قصة زعبلاوي إشارات دالة على هذا التأويل نذكر منها ما يلي:

- اعتبار زعبلاوي وليا من أولياء الله يتبرك الناس بنفحاته:

- زعبلاوي هو ملهم الشيخ جاد في صنع ألحانه واختيار قصائده:ومنها قصيدة مطلعها

أدر ذكر من أهوى ولو بملامي     فإن أحاديث الحبيب مدامي

وهي على غرار الشعر الصوفي كما نرى(دنيا الله قصة"زعبلاوي"مرجع مذكور ص: 145):

   -إنه مالك أسرار يشفي بها الناس من أمراضهم:

    «- وكيف يشفي من المتاعب التي يعجز عنها البشر؟

   -هذا سره، ولعلك تظفر به عند اللقاء..)(زعبلاوي: دنيا الله ص:146)

   -يتحدث البطل الباحث عن زعبلاوي بعد سكره في حضرة ونس الدمنهوري عن حلم شبيه بحالة التوحد والإشراق التي يعيشها المتصوفة عند الاتصال بالمدارك العليا:«حلمت حلما جميلا لم أحلم به من قبل.حلمت بأنني في حديقة لا حدود لها.تنتشر في جنباتها الأشجار بوفرة سخية فلا ترى في السماء إلا الكواكب خلل أغصانها المتعانقة يكتنفها جو كالغروب أو كالغيم وكنت مستلقيا فوق هضبة من الياسمين المتساقط كالرذاذ، ورشاش نافورة صاف ينهل على رأسي وجبيني دون انقطاع.وكنت في غاية الارتياح والطرب والهناء.وجوقة من التغريد والهديل والزقزقة تعزف في أذني.وثمة توافق عجيب بيني وبين نفسي وبيننا وبين الدنيا فكل شيء حيث ينبغي أن يكون بلا تنافر بلا إساءة أو شذوذ.وليس في الدنيا كلها داع واحد للكلام أو الحركة ونشوة طرب يضج بها الكون»(زعبلاوي. دنيا الله ص: 148)

وتتأكد العلاقة بين المريد وسيده، ففي الوقت الذي غاب البطل عن الوعي من شدة"سكره"حضر زعبلاوي وعطف عليه وسقى جبينه بالماء  عله يستفيق:

 يقول الدمنهوري:«-ياخسارة؟ كان يجلس إلى جانبك وكان يتغزل طيلة الوقت بعقد من الباسمين حول عنقه أهداه إليه أحد من المحبين، ثم عطف عليك فراح يبلل رأسك بالماء لعلك تفيق..»(زعبلاوي. دنيا الله ص: 150)

العلاقة إذن، قائمة بشكل مباشر بين الحلم الناتج عن"السكر"وما كان يراه الحالم من ياسمين منثور وماء صاف ينهمر على جبينه وبين  الرضى الخاص الذي منحه الولي زعبلاوي لهذا العاشق الذي طوف الدنيا بحثا عنه فها هو  يزوره في عز"سكرته"الصوفية باللقاء.

هذا مجرد تأويل محتمل للنص ولا ندعي أنه التأويل الوحيد، لكنه تأويل يستند إلى العناصر النصية التي بدت لنا مؤيدة لكثير مما  ذهب إليه أيضا جورج طرابيشي في قراءته التلخيصية لقصة زعبلاوي.أي أن قصة زعبلاوي مبنية دلاليا على معطيات صوفية.ولها غاية معينة وهي أن العلم لا يقوم وحده بالمعجزات فلابد للإنسان من بعد روحي يخلصه من أدوائه وآلامه.

معالم التأويل المعاكس:

يعترف دارسون آخرون أن نجيب محفوظ كانت له علاقة بالنزعة الصوفية في كثير من أعماله السردية إلا أنهم يعتقدون أن نظرة الكاتب انحرفت كثيرا عن هذا الاتجاه نحو اللاأدرية والشك والحيرة. ومن هؤلاء نذكر على سبيل المثال: د. السيد أحمد فرج  الذي رأى أن  أعمال نجيب محفوظ السردية كانت أميل إلى إنكار الجانب الديني منها إلى إثبات أدواره.ومما ذكره في التعليق على النزعة الصوفية المعبر عنها عنده في رواياته:حكايات حارتنا والحرافيش و أولاد حارتنا وقصة زعبلاوي  ورواية رحلة ابن فطومة:ما جاء في أحد كتبه المخصصة لأدب نجيب محفوظ:«بالرغم من أن الدكتور عبد المحسن طه بدر اكتشف أن نجيب محفوظ يحن إلى سلوك طريق الصوفية"لولا ما يخشاه من المجازفة بحياته كلها في هذا الطريق المجهول"فإنه يمكن تصديق ذلك إذا أخذنا بظاهر كتابات الكاتب في الفترة من السبعينات وحتى الآن؛ لأن الرمز الصوفي ملموس فيها خاصة في حكايات حارتنا والحرافيش.إلا أن الكاتب مع هذا لم يكن يرمز إلا إلى مجهول، تماما كما يرمز(الجبلاوي) و(زعبلاوي) إلى رمز لاغائي، الوصول إليه عبث.وكما ترمز دار الجبل  في رحلة ابن فطومة  إلى الكمال الموهوم الذي هو اللاشيء بعينه، إذن  فالمسألة  ههنا لا تزيد عن كونها رياضة ذهنية  تشبع الخيال والنفس وتريح البدن، كما يريحه المشي اليومي الرتيب الذي اعتاده الكاتب»(لا حظ التهكم)14

ولا شك أن الطريقة التي اتبعتها أعمال نجيب محفوظ في عرض الجوانب الصوفية والشخصيات التي تمثلها بكل ما كان يكتنفها من التباس وغموض يبعثان على الحيرة التي لابد أن يتورط فيها القارئ أيضا، هي التي جعلت هذا الباحث المقيد بمرجعية محددة يرى في أعماله خروجا عن التفكير الديني الصحيح:«الله والدين عنده رمز أو ربما يعتقد أنه إحساس بحاجة غريزية في النفس: فالجبلاوي) لم يره أحد في أولاد حارتنا، وكذا شيخ التكية لم يره أحد في حكايات حارتنا و(الحرافيش) وحتى(زعبلاوي)في( زعبلاوي) لم يره أحد() ولما كان الدين عنده  رمزا والطريق إليه سرا مغلقا فهو يدعو  البشر إلى دين جديد، يعتنق فيه كل إنسان  ما يروق له يستوي في ذلك من يعبد الوثن  أي وثن ومن يعبد الله الذي لا يرى أي الإله المرفوض من(العلماني) مثل الجبلاوي و(زعبلاوي)...»15  

إن قراءة أعمال نجيب محفوظ من زاوية اديولوجية فحسب كانت من بين القراءات التي تعجلت كثيرا استخلاص النتائج التي يراد استنتاجها منها، علما بأن الكتابة الأدبية، بما تتوسل به من أدوات التعبير الرمزية والإيحائية لا تقطع في الغالب برأي محدد يلزم الكاتب وإنما تكتفي بطرح الأسئلة وإثارة الإشكاليات والدعوة إلى التفكير فيها وهذا ما دأب عليه نجيب محفوظ في معظم أعماله المنشورة.هذه الوضعية الخاصة تدعو إلى إيلاء التعبير الفني والشكلي أهمية بالغة قبل استعجال إطلاق الأحكام المتسرعة والتأويلات الاديولوجية التي لها نية مسبقة لإدانة الكاتب.

لذا يمكن فهم الأحكام الواردة في القولين السابقين في هذا السياق نفسه، ذلك أنه بالرجوع إلى  مقدمة كتاب الباحث المشار اليه سنجده يسقط بشكل تام دراسة الشكل التعبيري الفني الذي صاغ فيه نجيب محفوظ المضامين التي من المحتمل أن يكون قد عبر عنها في أعماله.وهو يشير صراحة إلى ذلك في الصفحة الأولى من المقدمة حين يقول:«ومن ثم فإن هذا البحث لن يتعامل مع قضية الشكل الفني عند نجيب محفوظ، ولكنه-فقط-سيتعامل مع الجانب(الاديولوجي) في إبداعات الكاتب الكبير..»16

التساؤل الكبير الملح هنا:هو كيف يمكن الوصول إلى المضامين الاديولوجية في أعمال أي كاتب دون المرور إطلاقا بدراسة وتفكيك البنى الفنية والشكلية، علما بأن الأدباء والروائيين لا يسجلون خطابات اديولوجية مثلما يسجلها السياسيون في منابرهم وإنما يتوسلون لكل ما يريدون التعبير عنه بالتشخيص والتمثيل والاستعارات وبالبناءات الشكلية المعقدة.وفي معظم الأحيان وهذا هو الموقف الغالب على نجيب محفوظ، يحاورون بين الشخصيات والرؤى بطرق فنية جاذبة ويتركون للقراء حرية اختيار ما يحلو لهم تسميته بالمضامين"الحقيقية"لأعمال الكاتب.

تأويل القصة باستنطاق البنية والثقافة:

لكل هذا نريد أن نستنطق من جديد معطيات النص البنائية وهي بالذات مجموع البناء الفني لقصة زعبلاوي دون أن ننسى الاستفادة إذا دعت الضرورة من الاهتمامات الثقافية الخاصة بنجيب محفوظ. 

 وإذا ما جاز لنا أولا أن نعتمد في هذه الدراسة على ما كان قد تحدث عنه نجيب محفوظ بخصوص مطالعاته وميوله المعرفية والروحية في مرحلة التحصيل  فإننا نجد في حديثه عن الثقافة الصوفية وإعجابه بها ما يفسر بعض أعماله القصصية ذات البعد الروحي ومنها قصة زعبلاوي.فمما قاله في معرض كلامه عن الله والإنسان:« عندما وضعت لنفسي برنامجا للتثقيف الذاتي قي بداية حياتي.كان جزء كبير من هذا البرنامج يتعلق بدراسة الديانات الكبرى وتاريخ الحضارة( ) استغرقتني الكتابات الصوفية والإسلامية.ورغم أني لا أومن بأفكار الصوفية ومعتقداتهم كما يؤمن بها المتصوفون، فإنني وجدت في قراءة كتبهم وتأملها راحة عقلية ونفسية كبيرة.جذبتني في الصوفية فكرة السمو الروحي.وفي المقابل لم أقتنع بفكرة رفض الدنيا.فلا أتصور مذهبا دينيا يرفض الدنيا أبدا.»17

ونرى أن تحديد علاقة الكاتب بالصوفية يمتاز بكثير من الدقة والتطابق مع المضامين المحتملة التي يمكن أن نصل إليها من تأويل مختلف التفاصيل السردية الواردة في هذه القصة. وأشير على الخصوص إلى هذه المزاوجة بين الميل إلى الصوفية والاحتفاظ في نفس الوقت بالعلاقة مع الواقع الدنيوي.ولا يمكن إدراك هذا الوضع الاستثنائي لهذا التجاذب في الموقفين  دون النظر إلى العالم البنائي التشخيصي في النص.

إن أجزاء التأويل على مجموع مسار رحلة الشخصية الرئيسية في قصة زعبلاوي سيجعلنا نقف عند محطات أساسية إذ سيتبين لنا أن السارد البطل يلتقي في سبيل البحث عن الولي زعبلاوي بعدد من الأشخاص كلهم كانوا على علاقة بالولي، لكن بعضهم لم يلتق به منذ زمن طويل لأن مشاغل الحياة ألهتهم عن تذكره، ولكنهم جميعا يتحسرون على مضي زمانه:ومنهم المحامي الشرعي الشيخ قمر الذي انشغل بإدارة أعماله بعد أن انتقل إلى مكتبه الجديد في أحد الأحياء الراقية وألهته أعماله حتى عن ذكريات علاقته  بالولي زعبلاوي.ثم بائع الكتب القديمة  الذي من فرط نسيانه للولي زعبلاوي استغرب أن يتقدم السارد بالسؤال عنه:«-زعبلاوي؟ياسلام والله زمان.كان يقيم  في هذا الربع حقا عندما كان صالحا للإقامة وكان يجلس عندي فيحدثني عن الأيام الخالية، وأتبرك بنفحاته.ولكن أين زعبلاوي الآن ؟»(زعبلاوي. دنيا الله.ص: 140)

 هاتان الشخصيتان تمثلان نموذج الإنسان الذي ألـهته تماما أعماله وانشغالاته الدنيوية وهموم الكسب عن تغذية الجانب الروحي.

ويجد السارد في طريق البحث عن زعبلاوي نموذجا آخر للإنسان  الذي انشغل أيضا بهموم الدنيا وبالتفكير العملي لاغبر أما فضائل الولي  فليست واردة في قاموسه؛ لأن زعبلاوي في نظره هو مجرد رقم في دائرة الإحصاء  السكاني وإن كان يذكره بأجمل عهود الشباب أي أنه علامة تاريخية تذكر بالذات ولاتذكر بفضائل الولي أو كراماته، هذا موقف شيخ الحارة  الذي يقدم خريطة أحياء المدينة للسارد ليساعده في البحث عن الولي ويقول له: «لم لا نستعين بالعقل()..الرسم خير مرشد وخذ بالك من المقاهي وحلقات الذكر والمساجد والزوايا والباب الأخضر فقد يندس بين الشحاذين فلا يميز منهم. أنا في الواقع لم أره من سنوات وشغلتني عنه شواغل الدنيا...»       ( زعبلاوي. دنيا الله. ص: 141 )

كلما طالت رحلة بحث السارد عن زعبلاوي من أجل الشفاء من أدوائه المبرحة كلما رأيناه يلتقي بأناس أكثر قربا منه.فها هو يصل إلى من يدله على حسنين الخطاط بأم الغلام وكان صديقا لزعبلاوي، وهاهي النفحات الصوفية تبدأ تباشيرها في الظهور من خلال لغة السارد نفسه وهو يصف لقاءه بحسين الخطاط:« كان عم حسنين متربعا فوق فروة أمام لوحة مسنودة إلى الجدار، قد نقش في وسطها اسم الله  وكان مكبا على زخرفة الحروف بعناية تستحق الاحترام. فوقفت وراءه متحرجا من إزعاجه أو قطع فيض الإلهام على يده المنسجمة في ملكوتها...»(زعبلاوي. دنيا الله ص: 142)

إن رحلة السارد هنا تدخل في الواقع إلى منطقة الفن والإبداع فهل يشير ذلك إلى أن الفنون واقعة في أقرب الطرق إلى المجال الروحي؟ هذا تأويل محتمل على كل حال لهذا المسار الفني والحركي الذي قطعه السارد، وهو تأويل مرجح عندما نجد السارد يلتقي برجل آخر من أهل الفن هو الشيخ جاد الملحن ثم يزداد في صحبته قربا من الولي زعبلاوي، والرجل من أهل الموسيقا والتلحين، وهو أيضا من أصدقاء زعبلاوي بل إنه ملهمه إلى ألحانه وقصائده التي يتغنى بها...وإذا كان السارد لم يستطع بعد أن يلتقي بالولي الذي يسأل عنه فإن جميع العلامات والمراقي في رحلته تدل على أنه كان دائما يقترب منه أكثر فأكثر، إن حركته شبيهة إلى حد ما بحركة مراقي المريدين في كنف شيوخهم.وهنا بالذات نرى كيف تتحول رحلة السارد إلى حركة رمزية دالة على المراتب الصوفية.والارتقاء هو رياضة وعذاب لكنه سبب من أسباب السير نحو الشفاء.وهذا بالتحديد ما يتحدث به الشيخُ جاد الملحن إلى السارد حينما يشكوه  عناء البحث عن زعبلاوي:«زعبلاوي؟أنت في حاجة إليه؟ الله معك.ترى أين أنت يازعبلاوي؟

-فتساءلت في لهفة:

-ألا يزورك؟  

-زارني منذ مدة، قد يحضر الآن وقد لا أراه حتى الموت.

فتنهَّدْتُ بصوت مسموع وتساءلت:

لم كان هكذا؟

فتناول العود وهو يضحك وقال:

-هكذا الأولياء وإلا ما كانوا أولياء

-ويتعذب عذابي من يريدهم-هذا العذاب من ضمن العلاج...»(زعبلاوي. دنيا الله. ص: 144)

ونتأكد من العلاقة التي أراد النص القصصي أن يقيمها بين صياغة الألحان وبركة الأولياء حينما يخبر جاد الملحن  الساردَ بأن الولي زعبلاوي كان ضيفه في أيام عيد الفطر وأنه هو من حفزه على صناعة الحانه كلما استعصى عليه تركيبها، كما أنه هو الذي اختار له القصيدة التي لحنها في حضرته.ويتساءل السارد عندئذ:

 « ألَهُ في الطرب؟

-هو الطرب نفسه وصوته عند الكلام جميل جدا، ما إن تسمعه حتى ترغب في الغناء وتهيج أريحية الخلق في صدرك..»(زعبلاوي.دنيا الله.ص:146)

وتأتي بعد هذا مرحلة اللقاء  بالحاج ونس الدمنهوري الذي أشرنا إليه وهو رامز كما رأينا إلى المرحلة النهائية في مدارج الارتقاء إلى حضرة الولي زعبلاوي وهي مرحلة"القرب"المعبر عنها رمزيا في القصـة بنشــوة"السكر".

تعتمد صياغة البناء الدلالي في قصة زعبلاوي على نوع من الحوارية بين آراء متعددة ومواقف متباينة أو متعارضة تجاه حقيقة شخصية زعبلاوي.ويمكن تصنيف هذه المواقف كالتالي:

+الموقف المساند لزعبلاوي:

 ويمثله: والد السارد/السارد/حسنين الخطاط/الشيخ جاد الملحن/الحاج ونس الدمنهوري.

+الموقف المنشغل عن ذكر زعبلاوي:

 ويمثله:الشيخ قمر المحامي الشرعي/بائع الكتب القديمة/شيخ حارة الحي 

+الموقف المعارض لزعبلاوي:

 وتمثله آراء مبثوثة في القصة هي عبارة عن أقوال منقولة عن الغير تصدر أحكاما إيجابية أو سلبية تجاه شخصية زعبلاوي الغامضة:نذكر من هذه الآراء على سبيل المثال ما ورد في كلام  السارد التالي:«ورحت أسأل أصحاب الدكاكين المنتشرة في الحي، فاتضح لي أن عددا وافرا منهم لم يسمع عنه وآخرون تحسروا على أيامه الحلوة وان جهلوا مكانه.والبعض الآخر سخر منه بلا حيطة ونعتوه بالدجل ونصحوني أن أعرض نفسي على دكتور...» (زعبلاوي. دنيا الله. ص: 140)

ويعكس كلام السارد هنا في الواقع هذه الصورة المتعددة لمواقف الناس من شخصية زعبلاوي وهو ما يعزز النظرة الحوارية التي تم تأسيسها حول حقيقة هذه الشخصية المستعصية على التحديد أو القبض.

ورغم أن السارد هو واحد من الذين ينظرون إلى زعبلاوي نظرة إيجابية ويثقون مبدئيا في أنه ولي صالح قادر على تخليص الناس من طوق اليأس والخيبة في الحياة فإنه يمثل محرك الأسئلة والأجوبة المتعارضة حول هذه الشخصية في النص. وقصة نجيب محفوظ هذه تعتمد، لكل هذه الأسباب، على البنية الدلالية ومواقف الشخصيات لتركيب عالمها الفني.إنها قصة تشخص حركة المواقف والتساؤلات والحيرة وطرح الإشكاليات المتعلقة بالمعرفة الصوفية والمعرفة الفنية وحدود العلم.وهي بمعنى من المعاني تتبنى طريقة فنية تشخيصية لا تريد أن تظهر فيها السارد متورطا في اتخاذ موقف حاسم مع أو ضد أي اتجاه، لكنها تخلق في نفس الوقت  مسارات محتملة لكل اختيار من تلك الاختيارات.وهنا بالتحديد يمكن أن يتورط القراء والنقاد دون أن يتورط الكاتب بالضرورة.

هذا النص يعزز إلى حد كبير تلك العلاقة العضوية بين البنية الشكلية والمضمونية في الكتابة الأدبية وهي فكرة وجدت منذ القديم وبقيت تدافع عن نفسها من خلال اتجاهات متباينة في النقد الأدبي المعاصر وخاصة مع ظهور الشكلانيين الذين تحدثوا عن محتوى الأدب باعتباره بنية شكلية.وهذا ما تبلور من خلال النظرية السردية الحديثة عند بروب وغريماس على الخصوص.وهناك في نظر البعض«استحالة رسم الحد الفاصل بين العناصر اللغوية والأفكار التي يعبر عنها بواسطتها، فالمحتوى يتضمن بعض عناصر الشكل.والأحداث التي ترويها الرواية مثلا هي جزء من المحتوى بينما تشكِّلُ طريقةُ ترتيبها فيما يدعى بالحبكة جزءا من الشكل»18

إن لعبة حوارية الأفكار والمواقف وما يكتنف ذلك من غموض مقصود في شخصية زعبلاوي،كل ذلك يقود حتما قارئ القصة إلى التورط في التأويل، وهذا ما فعلناه بالضبط عندما قدمنا تحليلا يعتمد على تفكيك البنية القصصية الدلالية وإعادة بنائها من جديد.وإذا كان مبدأ التأويل يقود إلى متاهة تعدد التأويلات والقراءات، فإن التأويل المعرفي هو ذلك الذي يحاول قدر الإمكان استيعاب معظم العناصر النصية الدالة.19

ونضيف إلى ما قلناه سابقا أن القصة تتعمد ترك مناطق مجهولة كثيرة حول حقيقة شخصية زعبلاوي.وعادة ما يكون بعض النقاد والقراء غير مهيئين لتقبل هذا الغموض الذي يمكن وصفه بأنه"فني"، لذلك يلجأون إلى ملئه في تأويلاتهم بمعطيات مدلولية أو اديولوجية زائدة عن الحاجة.

لكل هذا لا يمكن دراسة عمل قصصي رمزي وحواري محرك للتساؤلات مثل قصة"زعبلاوي"دون أن يكون لدينا الاستعداد لتقبل الحوار الدائر بين المواقف المختلفة ودون تتبع حيرة السارد وتردده بين اليقين واليأس من وجود المخلص من الأدواء التي ألمت به.والرحلة الخاصة التي قطعها السارد كما رأينا هي في نفس الآن رحلة فكرية وفنية ورمزية يحتمل أن تكون كما قلنا شبيهة برحلة الصوفي الباحث عن الراحة النفسية لدى مريده. وبناء النص لا يمكن فصله عن المواقف والرؤى المتشابكة في سبيل البحث عن شخصية هي أصلا غير محددة المعالم، إنها الحاضرة الغائبة المتهمة والبريئة العطوفة والقاسية.المنقذة والمهملة.إنها شبيهة بما يراود أحلام الناس في كل مكان.  وقد حاول نجيب محفوظ أن"يقبض"في قصة زعبلاوي على هذه الأحلام فهل نجح في ذلك بالفعل؟ 



 

الهوامش

 

1-أندريه-جاك ديشين:استيعاب النصوص وتأويلها. ترجمة هيثم لميع. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت.ط:1. 1991 ص:11

2-انظر كتاب فولفغانغ أيزر:فعل القراءة، نظرية جمالية التجاوب في الأدب.ترجمة حميد لحمداني.الجلالي الكدية منشورات مكتبة المناهل.1995.ص:69 70.

3-انظر كلاما جميلا عما سماه باحث مغربي شاب"بالتأويل النزيه مقابل التأويل المغرض"وهو:د.أحمد فرشوخ في كتابه الصادر حديثا تحت عنوان: تأويل النص الروائي، السرد بين الثقافة والنسق. طوب اديسيون.ط:1.2006.ص:104-106.

4-جاك ديشين: استيعاب النصوص وتأويلها(مرجع مذكور):ص:13-14

5-قصة"زعبلاوي"منشورة  ضمن مجموعة نجيب محفوظ القصصية "دنيا الله"دار القلم بيروت الطبعة الأولى سنة 1972.

6-انظر كتاب:"نجيب محفوظ"أخرجه رجاء النقاش.مركز الأهرام للترجمة والنشر.ط:1981.ص:63.

7-انظر تأثير الفلسفة في بعض أعمال نجيب محفوظ السردية في كتاب: الفلسفة والأدب عند نجيب محفوظ قراءة فلسفية لبعض أعماله. د.وفاء ابراهيم..وخاصة تأثير الفلسفة الكانطية في رؤيته السردية الماثلة في روايته ليالي ألف ليلة وليلة.الهيئة المصرية العامة للكتاب.1997.ص:93 وما بعدها.

8-المرجع السابق ص: 75.

9-المرجع السابق ص:243.

10-انظر: جورج طرابيشي:الله في رحلة  نجيب محفوظ الرمزية.دار الطليعة.الطبعة الثانية.بيروت1978.

11-المرجع السابق ص:40.

12-انظر كتاب ودي آلن: الرواية العربية.ترجمة حصة ابراهيم المنيف.المجلس الأعلى للثقافة.القاهرة1997.ص:164.

13-نبيل راغب: قضية الشكل الفني  عند نجيب محفوظ.الهيئة المصرية العامة للكتاب.ط:1975.ص: 231.

14-د.السيد أحمد فرج:أدب نجيب محفوظ وإشكالية الصراع بين الإسلام والتغريب.دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع. المنصورة. ط:1. 1990.ص: 153-154. 

15-المرجع السابق ص: 149.

16-المرجع السابق ص: 05

17-نظر كتاب:"نجيب محفوظ"أخرجه رجاء النقاش.مركز الأهرام للترجمة والنشر.ط:1. 1998.ص:294.

18-رونيه وليك: مفاهيم نقدية.ترجمة د.محمد عصفور.عالم المعرفة عدد:110 فبراير 1987.ص:60)

19- انظر كتاب ارثور أيزبرجر:النقد الثقافي:تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية.ترجمة وفاء إبراهيم ورمضان بسطاويسي. المجلس الأعلى للثقافة.القاهرة.2003.ص:57.