ص1       الفهرس 91-100 

 

في معالجة أعطاب الخطاب

قراءة في كتاب

 

    إدريـس جـبـري

 

   0- ملاحظات أولية[1]:

   ارتبط اسم الأستاذ محمد العمري في معظم كتبه بالحرص الدقيق على احترام المعايير العلمية، والسير "الحريص" على "قواعد" البحث الأكاديمي، حيث لا يتراخى الباحث في "تطبيق" هذه المعايير، و"ترويض" تلك المعايير بما يخدم إشكالات كتبه، وطبيعة أسئلتها. وكذلك كان الحال منذ أن نشر أول كتابه: في بلاغة الخطاب الإقناعي، سنة 1986، وبعده كتاب:تحليل الخطاب الشعري، سنة 1990، وكتاب:الموازنات الصوتية، سنة1991، ثم كتاب:البلاغة العربية، أصولها وامتداداتها، سنة 1999؛ ناهيك عن تجربته في ميدان الترجمة والتحقيق، وتحريه الدقة فيهما على حد سواء[2].

غير أنه أبى في كتاب: دائرة الحوار، ومزالق العنف، سنة 2000، إلا أن يؤلف كتابا "استثنائيا" في مسار مؤلفاته، إذ "خفت" فيه المعايير العلمية الصارمة،  والانضباط لقيمه الدقيقة، و"ظهرت" عليه معايير الكتابة الصحفية المنفلتة من الصرامة العلمية، وكثافة العدة النظرية، دون أن يخل كل ذلك، بقواعد العلم العامة، وإرغامات الكتابة الصحافية ومتطلباتها؛ فجاء الكتاب بذلك في منزلة بين المنزلتين، لا هو بالكتاب الأكاديمي الصرف، ولا بالكتاب الصحافي الصرف؛ إنه هُمَا معا.

وبناء على ذلك جاء الكتاب يسير على "رِجْلََين": واحدة، بعدة علمية وأكاديمية، وعتاد نظري مجرد ومتجانس في مجاله، دون أن يكون ثقيلا على القارئ. وهي عدة وعتاد  حجاجي في العموم، يبدأ من أرسطو  ويمتد إلى الجاحظ، وعلماء المناظرة الإسلامية، حتى بيرلمان وعلماء الخطاب الإقناعي الآخرين. وهذا واضح في القسم الأول من الكتاب، وعلى امتداد صفحاته المتبقية؛ والرِّجْل الأخرى، صحافية وإعلامية تنطلق من الراهن السياسي والثقافي المغربي، وتستحضر تحولاته "الكبرى" و"الصغرى"، وتعلن، بمعنى من المعاني، عن طموحات صاحب الكتاب، باعتباره منخرطا في لُجة السياسي والثقافي والفكري لوطنه وأهله، من أجل "صيانة المكاسب الجديدة- بالمغرب- في مجال حرية الرأي حتى لا نكون كمن يشرق بجرعة ماء يطلب بها الحياة".

   بهذا الإجراء يكون الأستاذ العمري، ومن خلال كتابه: دائرة الحوار، ومزالق العنف، قد "أنزل البلاغة من الكراس إلى الناس[3]"، بعبارات الأستاذ سعيد يقطين[4]، وإن كان مدلول البلاغة في سياق المقام، ومدلوله عند الباحث يعني الانخراط في قضايا الناس، والخوض في أسئلتهم، والمساهمة في بلورة أجوبتهم، دون الإخلال بمقاييس العلم العام، ومقتضياته الأساسية، في زمن اتسعت فيه فسحة الحرية، بعدما كانت تُشتم من خُرْم الإبرة، وانعدمت فيه شروط استغلال هذه الفسحة بما يُؤمِّن الحوار، ويُؤَّسس للتواصل، ويمنع العنف والتجافي.

فاللحظة "استثنائية"، كما يقول الباحث، إذ "توسع مجال القول، كما وكيفا، بشكل يتطلب الإسراع بمواكبة المنتوج الخَطَبي بالتحليل والنقد: خفت الرقابة الأمنية العمياء التي تسوي بين الماء والخشبة، بل تنفي الماء وتحتفظ بالخشبة، وينبغي إزالة مبررات عودتها  بقيام عملية حضارية برقابة علمية وحضارية. وحين أستعمل كلمة حضارية إنما أفر من سوء تأويل كلمتي "أخلاقية" و"وطنية" اللتين نفتقر إلى محتواهما[5]"، ولاسيما في ما يذاع على شاشات التلفاز من حوارات تلفزية، وما ينشر على صفحات الجرائد والمجلات، حيث انعدمت الحدود الضابطة لهذا التوسع في القول، خاصة في زمن العولمة و"قولبة" الوعي والسلوك والذوق والفكر والرؤية، وافتُقدَت آليات التحليل والنقد والمساءلة والمساجلة والحوار، فكان لابد من رسم تلك الحدود بالدقة اللازمة، واستنفار تلك الآليات القادرة على "كشف المغالطات، وإبطال الأحاييل، والفخاخ التي ينصبها الخطاب لجمهور القراء في حواراتهم وكتاباتهم وخطبهم المباشرة"، فجاء كتاب: دائرة الحوار، للأستاذ العمري،  لهذه الأغراض.

ولعل هذه الخاصيات، وأخرى سنأتي على ذكرها في مكانها، من الخاصيات التي ميزت كتاب: دائرة الحوار، وجعلته بحق "كتابا استثنائيا" في مسار الكتابة عند الأستاذ العمري، لأنه "علمي"، دون أن يكون مثقلا بالنظريات العلمية ومفاهيمها المجردة، ولأنه "بسيط"، أي غير معقد، دون أن يكون فجا أو مستعصيا على فهم "طلاب المعرفة" من غير المتخصصين، ولأنه "واقعي"، باعتبار مادته من الواقع المغربي الجاري، دون أن تكون مسفة وتافهة أو متعالية "لاهوتية"، ولأنه "استباقي"، مادام ينطلق من الراهن، ويطلب المستقبل، وما ينبغي أن يكون عليه، ولأنه "مقنع"، بانطلاقه من نصوص قائمة وثابتة، بخلفياتها الخطابية والمقامية، ومسنودة بالحجج والحجاج حتى لا يكون التحليل معلقا ومن دون سند، ولأنه "نقدي"، يستنفر القوى العقلية، ويستفز الملكة النقدية دون أن يسقط في مطاب الهجاء والقدح في الآخر المخالف، ولأنه "سجالي"، يبني موقفا لمواجهة كل الآراء الدوغمائية، وإظهار تهافت كل المواقف المتطرفة، وبالتالي تحريك الساكن الأسن في المجتمع والعقل والذاكرة، ولأنه "نضالي"، يدافع عن فكرة، وينافح عن مبدأ، ويحتكم إلى مرجعية، ولأنه "نسقي"، تحكمه رؤية علمية وشمولية لا تترك الشاذ في الكتاب إلا ردته إلى النسق، وحصنته من الشرود، وأخيرا لأنه "أخلاقي" لأنه يرصد عاهات الخطاب ويفحص أعطابه، ويفضح تهافته في إطار دائرة الحوار وقيمه...

І- حول المفاهيم المؤسسة لكتاب: دائرة الحوار

   رفعا لأي لبس قد يقع في سياق قراءتنا لكتاب: دائرة الحوار، ومزالق العنف للأستاذ محمد العمري، وإمعانا في معرفة الحوار، وضبط قواعده، وبالتالي تحسين قنوات التواصل مع القراء، يستحسن من الناحية المنهجية والإجرائية، إضاءة المفاهيم المؤسسة للكتاب، وتوضيحها بما يكفي. ذلك أن من أسباب التشويش على التواصل، وخنق الحوار، مسألة ضبابية المفاهيم التي بها نفكر، وننتج المعرفة والقيم، بل والتي بها نصدر الأحكام ونقومها، متى كانت تلك المفاهيم من صنف المتداول المعروف، ولكن بمضامين تتطلب مزيدا من التمحيص وإعادة المقلوب إلى نصابه الأصيل والأصلي حتى نؤسس، من ناحية، لحوار بناء ومنتج في موضوع الحوار وأخلاقه ومقاصده "المثلى"، ونتيح من ناحية أخرى للقارئ شروط التواصل والمحاججة بناء على ما تم تحديده.

   ومن أهم هذه المفاهيم المؤسسة للكتاب في نظرنا، وفي نطاق أفق مقالنا، والضامنة للتفاعل الإيجابي معه، مفهوم "البلاغة" و"الخطابة"، ثم "بلاغة الخطاب الإقناعي"، بحكم درجة التداخل والتقاطع والتكامل فيما بينها في تاريخ الشعرية والخطابية العربيين، ودرجة سوء الفهم الذي تعرضت له هذه المفاهيم، والاختزال القسري الذي طالها، وترسخ في عقول القراء إلى درجة أصبحت معه "حقيقة" لا يأتيها الباطل من الجهات الأربع. وهو ما سيعمل كتاب: دائرة الحوار على تداركه وتغييره، وتصحيح مضامينه، وإبرازه من خلال نماذج تطبيقية واقعية، وبحس نقدي وعلمي خفيف على القراء، ثقيل في ميزان الباحث، والبحث العلمي.

1- البلاغة بين الاختزال والاتساع

       تنبيه أول:

   سبق للأستاذ العمري أن ألف كتابا، اختار له عنوان: البلاغة العربية، أصولها وامتداداتها ( صدر سنة 1999). وهو كتاب ضخم يتألف من أزيد من 500 صفحة من القطع الكبير، والرسم الصغير، استخلص فيه الباحث أصول البلاغة العربية ومنابتها، ورصد امتداداتها الكبرى، ومساراتها الحاسمة، ومن منظور نسقي علمي وبيداغوجي محكمين، مخيبا بذلك أفق انتظار كثير من القراء الذين ارتبط لديهم مفهوم البلاغة ب: علم البيان، وعلم المعاني وعلم البديع، بكل فروعها وأنماطها، ومكوناتها المعلومة، كما ظهرت بعد السكاكي (مفتاح العلوم)، وترسخت من بعده، خاصة مع مصطفى المراغي[6] ( تاريخ البلاغة)، ومن سار في ركبه، مما أدى إلى تحنيطها وتنميطها في مدارسنا وجامعاتنا، من الخليج إلى المحيط، ولمدى قرون طويلة وحتى هذه اللحظة. تلك كانت "النهاية التي آل إليها ذلك "العلم الكلي". وهذا هو المصير الذي صارت إليه إمبراطورية البلاغة العربية بعد أن كانت في وقت من الأوقات تكتسح كل المجالات لا تكاد الشمس تغرب عن حدودها[7]". الشيء الذي رسخ ذلك التقسيم الثلاثي المذكورة أعلاه، وحنطها في أمثلة مكرورة، وشواهد مسكوكة، وبالأخص في غياب هم نسقي كان يحكم البلاغة العربية القديمة مما أدى إلى إساءة سمعة البلاغة عند الرأي العام والخاص، وأدى بالتالي إلى "ضياع استراتيجيه تدريسها[8]" ضدا على بلاغة الجاحظ والجرجاني وحازم القرطاجني، وغيرهم من فرسان البلاغة العربية القديمة، والحديثة ممن تداركوا خلل مدلول البلاغة بمعناها المدرسي الاختزالي القائم والسائد.

    وإذا تقرر هذا واتضح، حسُنَ على قارئ: دائرة الحوار ومزالق العنف للأستاذ محمد العمري، أن يستبعد تلك الاستعمالات المدرسية والاختزالية لمفهوم البلاغة متى أراد أن يفهم مضامين الكتاب، ويدرك مقاصده الظاهرة والباطنة، والأسئلة التي يثيرها، والقضايا التي يعالجها وبالتالي الآفاق التي يفتحها أمامه في المجال والمقصد.

   وسيجد قارئ كتاب: دائرة الحوار، حضورا لافتا لكلمة بلاغة[9]، وعلى امتداد الكتاب، لكن إذا ظل هذا القارئ أسير الفهم التقليدي والتحنيطي للبلاغة العربية، كما ذكرنا أعلاه، ضيع فائدة القراءة ومقصد الكتاب، وتاه فيما لا ينفع ولا يفيد، علما أن "البلاغة العربية أوسع بكثير من هذا اللباس الضيق الذي حشرناها فيه حين حكمنا قراءة واحدة هي قراءة السكاكي ثم المراغي[10]".  

وحاصل القول فيما نحن فيه، فقد استبعد الباحث ذلك الاستعمال المدرسي والكلاسيكي، بل والاختزالي لمفهوم البلاغة، كما ترسخ عب تاريخ الثقافة العربية، والذي كان يدرجه ضمن ما أطلق عليه ب"البلاغة المأسورة[11]"، وظل يستحضر مقابل ذلك مفهوم البلاغة بما هي "علم كلي"، بلغة حازم القرطاجني، يشمل كل بني الإنسان، في الزمان والمكان، ويستوعب مختلف العلوم المرتبطة بهذا الإنسان، بغرض "كشف أساليب الإعنات والمغالطة"، ومن ثم تخليق الخطاب الذي ينتجه ذاك الإنسان نفسه؛ فوجب بذلك الحذر والتنبيه.

   تنبيه ثان:

   كذلك ينبغي، ونحن بصدد  اقتراح قراءة كتاب: دائرة الحوار، أن ننبه، وإن بعجالة، إلى ضرورة التمييز بين استعمالين شائعين لمفهوم البلاغة، درءا لتشويش قد يحصل أثناء القراءة والتتبع، وهما: بلاغة المحسنات[12]، أو بلاغة الشعر التي تنحو نحو الشعر والأسلوب[13]، إذ تركز على البعد التزيني والتنميقي والتخييلي، وتتوخى الإمتاع والتطهير، وبين بلاغة الحجاج الإقناعي، "المعضودة بالمنطق"، بتعبير القرطاجني، والأقيسة الخطابية- عمود البلاغة[14]، بلغة ابن رشد- التي تبحث في مجال القيم، وطرق تدبيرها ( الجميل والقبيح، والخير والشر، والعدل والظلم، والإيمان والكفر، والحلال والحرام، واليسار واليمين، والديمقراطية والاستبداد،...) وتتوخى الإقناع والاقتناع، والفعل والمبادرة. وهو المعنى الذي يلازم كتاب: دائرة الحوار، للعمري، وعليه العمدة.

2- الخطابة بين الالتباس وسوء السمعة

    كذلك من المفاهيم المؤسسة لكتاب: دائرة الحوار، والتي يصادفها القارئ على امتداد الكتاب، مفهوم الخطابة. وهو من المفاهيم التي تخترق صفحات الكتاب، بشكل مثير للانتباه[15]، مع أنه من المفاهيم الملتبسة في أذهان كثير من المحسوبين على الثقافة والمعرفة، ومن المفاهيم السيئة الذكر عند كثير منهم، ناهيك عن الرأي العام العربي- والمغربي كذلك.

   وبيان ذلك، ما يتداول عند كثير من الناس، بمن فيهم "المثقفون" وكثير من السياسيين، إذ ترتبط لديهم بالهراء والزيف وتزجية الوقت، وأحيانا ثانية بالموعظة وتوجيه النصح، وأحيانا أخرى، بالثرثرة والزائد من الكلام (فلان كيخطب، خليه اخطب... وما لوا كيخطب علينا...). وهكذا، "اختلط الحب بالتبن"، مادام الكل يخطب، ويملك "الحق" في الخطبة: العارف والجاهل، الصغير والكبير، المسؤول وغير المسؤول... إذ يكفي أن يفتح المتكلم فاه ليخطب، على فئة قليلة أو كثيرة دون رقيب أو حسيب، كأن "اللسان" "ما فيه عظم"، وبالتالي لا حرج على صاحبه، ولا حِسَاب على ما قاله، مادام أنه خطبة، ولا يجدر تحليلها ومدارستها والتأمل فيها.

   ويرجع هذا الفهم القدحي والسيئ للخطابة إلى اعتبارين متقاطعين:

   أولهما: غياب "الصفة الاعتبارية للخطيب[16]"، على غرار المشتغلين على أجناس إبداعية أخرى، كالشاعر والروائي وغيرهما. ولذلك ظلت الخطابة "ملكا مشاعا" يستبيحه كل من ضاق الكلام في صدره، ورغب في تفريغ "فائض عنف"، أو "تجريب درجة استبداد"، أو "ترهيب" خصمه، أو ابتزاز غريمه، سيرا على خطى الهجاء والمدح، وما يتصل بهما من أنواع أدبية أخرى صلتها بالخطابة العربية، بهذا المعنى، وطيدة.

   ثانيهما: ارتباط الخطابة، ولمدى قرون، بخطيب الجمعة الذي "يخطب" في الناس، وفي اتجاه واحد دون أن يكون في حاجة إلى فحص بلاغي لخطابه، أو إلى إقامة حوار مع مستمَعهLes Auditoires ، أو بالمُفتى الذي يفتي من منطلق أنه يملك المعرفة "الخالصة" "المُخلِّصة". وقد انتقلت عدوى هذه التصورات إلى مجالات أخرى سياسية وفكرية وثقافية واجتماعية وجمعوية، وأصبح الفرد منا (برلمانيا أو نقابيا أو مرشحا أو جزيبا أو حتى جمعويا) يخطب، كيفما اتفق، فيستبيح "عِرْض" الخطابة" دون أن تكون الحاجة عنده لرقابة عقلية أو نقدية أو منطقية أو أخلاقية أو حجاجية[17]"، ودون أن يُلِم بأبسط قواعد الخطابة وشروطها، مما اجتهد فيه المجتهدون وخلدوا لنا رصيدا من المفاهيم والآليات والقواعد والقيم الموجبة لممارسة الخطابة وافتحاصها، في اتجاه تخليق الخطاب ودرء الوقوع في محظور العنف، بكل أشكاله ودرجاته. ومن أجل هؤلاء وغيرهم ألف الأستاذ العمري كتابه: دائرة الحوار، مُنظِّرا ومُطبِّقا.

   ومن هذا المنطلق فضمان استيعاب مضامين هذا الكتاب الاستثنائي، وإدراك مقاصده مما يتطلب من القارئ التخلص من تلك الاعتبارات المذكورة، التي قد تحول دون التواصل مع الكتاب، وتمثل أبعاده وحيثياته الإيديولوجية والعلمية.

3- بلاغة الخطاب الإقناعي وتجاوز اللبس والاختزال

   تفاديا لذلك الفهم الاختزالي والتحنيطي لمفهوم البلاغة، ودرءا لذلك الالتباس وسوء السمعة التي راج حول مفهوم الخطابة، فقد فضل الأستاذ العمري، عن وعي وسابق إصرار، تركيب المفهومين في صيغة: بلاغة الخطاب الإقناعي، دون أن يحيد عن استعمال تلك المفاهيم معزولة. وهكذا، ربط الباحث بين البلاغة والإقناع، فأصبح يتكلم عن بلاغة الإقناع، لارتباطها بحجاجية الخطاب، أي خطاب/ خطابة، بما هو شكل ومحتوى، وحجاج ومضمون.

   ولعله السبب الوجيه الذي جعل الباحث يفضل عنوان: في بلاغة الخطاب الإقناعي[18] لأول كتاب له في مجال البلاغة الحجاجية والإقناعية، مادامت تبحث في أسس الخطابة العربية في القرن الأول الهجري، وترصد خصوصياتها الحجاجية، ويتبعه  بكتاب: دائرة الحوار، الذي يبحث بدوره عن مميزات الخطابة الحديثة، ويرصد مكوناتها الحوارية والأخلاقية، ويكشف عن آليات اشتغالها، مركزا على عاهات الخطاب السياسي والديني، وغيرهما من أنواع الخطاب، سواء عند المحسوبين على "الحداثة"، أو المصطفين مع "القدامة"، متسلحا برؤية نقدية "ساخرة"، وآليات منهجية  تم نحتها منذ أرسطو ومروا باجتهادات الفلاسفة المسلمين، وبلاغيهم ممن عضدوا البلاغة بالمنطق والفلسفة، ووصولا عند بيرلمان وتيتيكا وربول، وغيرهم، ممن نحتوا مفهوم البلاغة الجديدة، وجعلوا الحجاج المنطقي والفلسفي قاعدتها الكبرى.

وإذا تقرر هذا، واستبعدنا الفهم الاختزالي لمفهوم البلاغة، والفهم القدحي للخطابة، أصبح لدينا مفهوم أكثر ضبطا، يتأرجح بين بلاغة الخطاب الإقناعي، وبلاغة الحوار، وبلاغة الحجاج، أو حتى البلاغة أو الخطابة دون إضافة، ما دامت جميعها تتقاطع في تناول الخطاب تناولا حجاجيا، يتم بمقتضاه رصد مكونات الحوار، وأخلاقياته وآلياته[19]"من أجل الإقناع والاقتناع، وتحديد الموقف، واتخاذ القرار.

   على هذه الأسس إذن، أقام الأستاذ العمري كتابه: دائرة الحوار ومزالق العنف، كما سنبين بعد حين، ولهذه الأسباب وجبت العودة إلى البلاغة Rhétorique، بمعنى بلاغة الإقناع، وما الحوار ضمنها سوى أحد مداخلها الرئيسة، شأن الديمقراطيات الغربية العريقة في هذا الشأن[20]، باعتبارها- أي البلاغة ومن خلال الحوار- تهتم "بكل مظاهر حياتنا اليومية عبر مقالة أو جريدة أو برنامج إذاعي أو ملصق إشهاري، وغيرها من وسائل الاتصال والتواصل، كما[ تهتم]، في واجهات أخرى كالمرافعات القضائية والمناقشات السياسية والنزاعات الحزبية والمطارحات الطائفية والمفاوضات الدولية والمنتديات الفكرية[21]".

   وإيمانا باتساع هامش الحرية بالمغرب منذ تسعينيات القرن الماضي "وانفجار المجال الإعلامي الذي غمر الساحة بالصورة والصوت"، وخطورة هذين الأمرين، على حد سواء، في ما يمكن أن يترتب عن ذلك من انزلاقات قد تكون "مبررا للحجر"، أو مطية للعنف والإقماع...

 في هذا المضمار، شَمَّر الأستاذ العمري على ساعد الجد والاجتهاد للمساهمة في تخليق الخطاب، بمختلف أنماطه المذكورة، وطلب الخير للوطن والأمة، من منظور قدرة البلاغة على زرع قيم الخير والمحبة والتسامح والحوار، وغيرها من القيم التي يمكن للفكر والثقافة والسياسة أن تحصدها، وتستفيد من خيراتها، بالنظر للترابط بينها، وذلك حتى لا يتم التفريط في الانفراج السياسي الحاصل في المغرب اليوم، والآفاق المنتظرة منه، فنكون، على حد تعبير الباحث، "كمن يشرق بجرعة ماء يطلب بها الحياة[22]"، فجاء كتاب:دائرة الحوار مساهمة فريدة ومميزة في هذا الاتجاه، كما سيتضح لاحقا.

ІІ-  كتاب: دائرة الحوار وامتداداته القريبة والبعيدة

   1- الامتداد الأول( من قريب)

   منذ أن أصدر الأستاذ العمري كتابه: في بلاغة الخطاب الإقناعي[23]، شهر أبريل 1985، وهو يتوق إلى إتباعه بكتاب ثان  يشمل "المتن الخطابي الحديث[24]" حتى تكتمل الصورة، ويتم ربط السابق باللاحق. وها قد مرت سنوات طوال في دروب البحث والتنقيب العلمي، وعبر مسارات أخرى،  ومع ذلك وَفَّى ما قطعه على نفسه منذ أن توفرت شروط ذلك، وعلى رأسها ما أصبحت تعرفه الساحة العالمية من تطور لوسائل الاتصال والتواصل والإعلام، وبداية انتفاء الحدود المعرفية والثقافية والجغرافية والقيمية؛إضافة إلى حدث  تنصيب حكومة التناوب التوافقي(سنة 1998)، وحدوث انفراج سياسي بالمغرب، واتساع هامش الحرية به، مع ظهور مؤشرات قوية تتوخى الإصلاح والتحديث، وطي صفحات الماضي "المظلمة"، وبالتالي إعداد قاعدة صلبة في أفق الانتقال إلى الديمقراطية.

 في ظل هذه الظروف، اقترحت حكومة التناوب التوافقي، وهي المعول عليها في تهيئ  تلك القاعدة الصلبة للانتقال إلى الديمقراطية، ما دعته "مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية"، باعتبار المرأة خزانا للقيم المحددة للمستقبل الذي يتوخاه كل مواطن. الأمر الذي أدى إلى بناء آراء مختلف، ومواقف متباعدة، إن لم تكن متناقضة، حول مشروع هذه الخطة،  كما ورد على صفحات الجرائد، وشاشات التلفاز، وفي كثير من التجمعات والمنشورات، وغيرها. فكان لا بد من تكوين رأي وبلورة موقف يرد على هذه الآراء ويقرب بين هذه المواقف، لا من منطلق الإقصاء والاستئصال، ولكن من زاوية الحوار والاحتكام إلى قواعده المنحوتة منذ زمن بعيد. وكذلك كان في بعض ما جاء في كتابك دائرة الحوار.

فضلا عن ذلك سمح تنصيب حكومة التناوب التوافقي ببداية كتابات مذكرات، ونشر محكيات، وإجراء حوارات، هنا وهنالك، سواء لمعتقلين سياسيين وعسكريين، أو قادة منفيين، يريدون من ورائها سرد حكاياتهم في الألم والعذاب والحلم، بقصد المصالحة مع الذات والتاريخ والوطن، وبالتالي التخلص من ثقل العنف التي اختزنته ذاكرتهم، فيما كان يعرف بسنوات"الجمر والرصاص".

في هذا السياق خرج الأستاذ عبد اللطيف جبرو بمقالات صحافية تبحث عن "الحقيقة أولا" في مذكرات المرحوم الفقيه البصري، وسيرته، وتدعي امتلاكها. وهي مناسبة ملائمة بالنسبة لمحلل الخطاب لفحص تلك المقالات، ورصد عاهاتها. وذلك ما حصل إذ اعتبره الأستاذ العمري ما ورد من آراء في مقالات الأستاذ جبرو، وهو يبحث عن "الحقيقة أولا"، ويدعي امتلاكها، مجرد آراء مدخولة، ومحكومة بخلفيات مبيتة، لا تحكمها إرادة بناء الحقيقة، وفي إطار الحوار ودائرته.

فالفقيه البصري، عند الأستاذ العمري، وربما عند كثير من جيله، ليس مجرد مناضل سياسي معارض فحسب، بل هو "أحدَ أبطال النضال الذين لم تنحنِ قاماتهم للسلطة والمال"؛ لذلك فهو رمز وطني وقومي، مثله في ذلك "مثل جمال عبد الناصر تماما: ريح الحرية، وحقنة الكرامة والتحدي مهما كانت شراسة الخصم وقوته[25]"، على هذا لأساس، كان من الطبيعي ألا يسلم بأطروحة الأستاذ جبرو، لذلك فانبرى للرد عليه مؤكدا أن الحقيقة أولا، مجالها الطبيعي في مجال الاحتمال والنسبي فحسب، وهدفها ثانيا، الإقناع والاقتناع، خاصة في المجال السياسي، فوجب الحوار للاقتراب منها بآلياتها المناسبة بعيدا عن المزايدات السياسوية، ونصب الفخاخ وممارسة الكيد والإعنات، والتهويل والتقويل لأهداف غير أهداف البحث عن الحقيقة. وذلك ما تولى كتاب:دائرة الحوار، في جانب منه الخوض فيه.

وباستحضار هذه السياقات التاريخية، والمقامات الخطابية، وبعدما تهيأت الشروط الملائمة، واستوت العدة المنهجية، وازدادت نضجا واستواء، خرج توأم الكتاب الأول سنة 2002، إلى الوجود تحت عنوان:دائرة الحوار، ومزالق العنف. هكذا، وفَّى الباحث وعدا قطعه على نفسه في استكمال حلقات بلاغة الخطاب الإقناعي يصل القديم بالحديث، فأوفى من جهة، ومن جهة أخرى وفر للقارئ (الكاتب الصحفي، والمحامي المجتهد، والطالب المجد، وكل طلاب المعرفة، وحراس الحق) ما به يكشف عن أساليب الإعنات والمغالطة والتدليس والتقويل... وهي كثيرة ومتنوعة، ومن جهة أخيرة أدلى بدلوه في مختلف هذه المواضيع والقضايا والأسئلة، وتدخل عنده الذاتي بالموضوعي، وتواصل الراهن بالتاريخي، فجاء الكتاب بسبب هذه الخاصيات كلها، إضافة إلى ما سبق، "كتابا استثنائيا".

    لقد ركز كتاب: دائرة الحوار، على الخطاب الحديث أو الخطابة الحديثة في اتجاه "بلورة ملامح بلاغة إقناعية حجاجية[26]"، تميز الخطابة التي تمارس في دائرة الحوار ومقتضياته وشروطه، وتسعى إلى تدبير الاختلاف بالحسنى، وفي منطقة وسطى بين المتحاورين، دون تطرف إلى أقصى اليمن أو أقصى اليسار، مادامت الحقيقة لا توجد، من جهة الحجاج إلا في الوسط، وما دام التاريخ نفسه لا يصنعه الصانعون إلا في الوسط؛ وبين الخطابة التي تمارس خارج دائرة الحوار وقيمه، فتنزلق بمقتضى ذلك إلى العنف، بكل أشكاله. وهذا ما يصر العمري على تفاديه والعمل على تداركه في كتابه هذا، وهو يتناول بالدرس مختلف الخطابات "الملتهبة" و"الحارقة" التي تموج بها الساحة الثقافية والدينية والفلسفية بالمغرب، وفي فترة تاريخية كذلك "ملتهبة و"حارقة[27]". الشيء الذي يستوجب الحذر واليقظة الكافيين في تناول مثل هذه القضايا، وفي الوقت نفسه الصراحة والجرأة اللازمتين لتكوين رأي وسط، والدفاع عن موقف مقنع.

   2- الامتداد الثاني ( من بعيد)

   أما بخصوص الامتداد الثاني، وفي سياق ربط السابق باللاحق، ووصل خيوط الطول بالعرض بقصد استحضار المقامات والسياقات الخطابية، وتفسير الأحكام، وإنارة المواقف، وفهم المواقع، فكان لابد من الانتباه إلى خيط رفيع نراه مركزيا في فهم "كل" ما جاء في الكتاب، وتمثُّل ما ورد فيه. ونقصد بذلك حضور الجاحظ باعتباره ذلك الخيط الذي يمسك بتلافيف الكتاب والكاتب. لذلك يتعذر غظ الطرف عنه أو القفز عن هذا الحضور ودرجاته وأبعاده، متى كان غرضنا تتبع مضامين الكتاب وتفهم رسائله الظاهرة والمشفرة.

 بإمكان قارئ كتاب: دائرة الحوار، أن يلاحظ، وبسهولة، ذلك الحضور المكثف للجاحظ، ليس كاسم واستشهادات فحسب، ولكن كرؤية وفلسفة ومواقف، وإن من منطلقات مختلفة، وخلفيات متباينة، وأسئلة جديدة، وحيثيات غير الحيثيات. فهو حاضر جنبا إلى مع المؤلف، يسيران في الاتجاه الواحد، ويحتكمان معا إلى فلسفة وسطية، وإن اختلفا في أسئـلتهما، وصوغ إجابتهما. علما بأن الأستاذ العمري، ممن يؤمنون بالحوار بين التراث والحداثة، وصلا وفصلا، استيعابا وانفكاكا، وهو ما نتولى توضيحه، بما يتيحه المقام، ويسمح به المجال، ويرتبط بالموضوع:

   النص الأول:

   قال الجاحظ (150هـ-255هـ) في كتابه المرجعي والتأسيسي في مجاله: البيان والتبيين، وفي ظل هبوب ريح التغيير في زمانه، وبداية الانتقال من عصر إلى آخر، وفي نص بالغ الدلالة فيما نحن فيه:

   "فما ينتظر العالم بإظهار ما عنده، وما يمنع الناصر للحق من القيام بما يلزمه. وقد أمكن القول وصلح الدهر وخوى نجم التقية، وهبت ريح العلماء، وكسد العي والجهل، وقامت سوق البيان والعلم[28]".

   وإذا تأملنا النص، كما ينبغي، أمكن أن نستخلص ما يلي:

   - الإدانة الصريحة لصمت العلماء، أو المثقفين، بلغة عصرنا، باعتبارهم ضمير المجتمع، وتخاذلهم في أداء مهامهم الواجبة، وإنجاز مسؤوليتهم الأخلاقية. وهو بعض ما جسده كتاب:دائرة الحوار، وسار فيه.

- تحديد مهام العلماء/ المثقفين،  ومن أهمها، نصرة الحق، والصدح بالحقيقة، والإفصاح عن الرأي، والإبانة عن الموقف، دون مواربة أو تردد أو تقية... (المثقف الملتزم[29]، بمعناه عند غرامتشي). ونعتبر ما ورد في كتاب: دائرة الحوار من الأمثلة الدالة في هذا المضمار، وأهم رهاناته.

- صلاح العصر، وبداية حصول الانفراج السياسي، حتى لا نقول "الديمقراطي"، والانتقال من زمن بني أمية وما اتسم به من دموية وعنف وعسف وقمع وتقية ونفاق، إلى زمن بني العباس وما يعد به من انفتاح وانفراج وتسامح، وما يوفره من إمكانات للبيان والإفصاح والإبلاغ... لذلك كان من الطبيعي أن يخبو نجم التقية، وبالتالي فلا داعي لممارستها والاختفاء وراءها...فقد هبت ريح العلماء، واستوى زمن البلاغة والبيان والفصاحة والإقناع. وعلى الرغم من أن الزمن غير الزمن، فيمكن اعتبار حال المغرب اليوم شبيه بزمن العصر العباسي، مع مراعاة الفوارق الضرورية.

   - كسد العي ونهاية الجهل، وقيام البيان والعلم، ومن ثم فلم يعد هناك مبرر للعلماء/ المثقفين من حجة لممارسة الصمت والإرجاء(موقف المرجئة) أو الاحتماء بالتقية والعجز عن التعبير(الشيعة)،  أو حتى بممارسة العنف والإعنات الفكري(الخوارج). فالزمن زمن البيان، وحرية الرأي، أي زمن البلاغة والحوار والخطابة[30]، وبالتالي زمن ملائم لإعادة ترتيب الأوراق، وتحديد الأدوار، وممارسة الحوار بين مختلف الخصوم السياسيين والثقافيين، والفرقاء الاجتماعيين والإثنيين، بقصد بناء موقف وسط  قادر على ضمان التعايش السلمي، والتسامح المطلوب بين مختلف الملل والنحل...ولعلنا أحوج في زمننا إلى نشر هذه القيم، وترسيخ عند الناشئة، خاصة وأن المغرب، وانطلاقا من موقعه الجغرافي والتاريخي، بلد متعدد بثقافته، ومتنوع بإثنياته.

    ويكفي أن نتأمل نصا ثان للجاحظ، وفي مكان آخر من نفس الكتاب، معمقا نفس التصور، لنفهم المراد، ونتمثل الامتدادات المقصودة.

   النص الثاني :

    قال الجاحظ:"إن السكوت عن الحق في معنى النطق بالباطل، ولعمري إن الناس إلى الكلام لأسرع، لأن في أصل التركيب الحاجة إلى القول والعمل أكثر من الحاجة إلى ترك العمل والسكوت عن جميع القول [31]".

   فإذا كانت طبيعة الإنسان النطق والتكلم، وطبيعته أن يقرن القول بالفعل، فما الداعي إلى السكوت والتواطئ، مادام السكوت عن الحق في معنى النطق بالباطل، والأصل عند الإنسان القول والعمل؟

وبناء عليه، فالعلماء/ المثقفون مطالبون بالبيان، والصدح بالحق، ومقاومة الباطل، وإظهار المواقف، وإصلاح الأعطاب، وتقويم العاهات؛ وذلك بالانخراط في قضايا الناس، والالتزام بمحاولة الخوض في أسئلتهم، ومساعدتهم على رفع الظلم والقهر عنهم، خاصة وقد "كسد العي والجهل، وقام سوق البيان والعلم" للتصالح مع الذات، وطي ملفات "الانتهاكات الجسيمة"، زمن الأمويين، بالأخص، وما مارسه حكام بني أمية من عنف سياسي وإعنات فكري، أو ما اقترفه الخوارج، من موقع المعارضة، من إعنات وإقماع، من خلال توظيف أسئلة من "طينة إرهابية[32]"، وما ترتب عن كل ذلك من أزمة حادة في القيم. الأمر الذي جعل الناس عصرئذ يعيشون قلقا دينيا وسياسيا وفكريا وأخلاقيا، بل وقلقا وجوديا، إذ وجدوا أنفسهم إما مع الأمويين، وإيديولوجيا الجبر التي روجوا لها، وإما مع الخوارج وإيديولوجيا التكفير التي تبنوها، ويكيلون بها؟

   في خضم هذا الواقع المأزوم، وفي ظل أجواء تمزق المجتمع، واشتداد الاقتتال بين الطوائف والملل والنحل، وغلبة التلاعب بالقيم، باسم الدين تارة وباسم السياسة تارة أخرى؛ وفي ظل صمت جمهور العلماء، وتواطيء كثير من رجال الدين، وحيرتهم في اتخاذ الموقف إزاء ما يجري في مجتمعهم وقتذاك، اتخذ الجاحظ موقفا جريئا، أولا، بإدانة كل أشكال العنف المادي والرمزي، وثانيا بإدانة "الصمت المتخاذل[33]" و"التواطئ المذل" لكثير من العلماء/ المثقفين، ليصوغ موقفا وسطا، يستمد فلسفته من انتمائه المعتزلي، في أفق إعادة التوازن إلى المجتمع العربي الذي يغلي ب"الأقليات الثقافية واللغوية"، ويتسم بصراعات سياسية عنيفة بين مختلف الفصائل والملل والنحل القائمة وقتذاك.

   يقول الأستاذ العمري، معلقا على النصين المذكورين أعلاه، ومستحضرا المشروع الفكري للجاحظ، وأسئلة زمانه:"إن كتاب البيان والتبيين، وما سار في اتجاهه كان يمثل موقفا حضاريا هو محاولة إرساء مجتمع عقلاني تربط بين أفراده علاقات الإقناع بالمنطق أو الاستمالة بشتى صور الدلالة والتعبير الاجتماعي".

   ويضيف:"هذا المشروع الإقناعي المتحضر جاء في أعقاب عصر دموي غلبت فيه نزعتان متعارضتان، تخلان بالمسؤولية الإنسانية، وتحتقران العقل"، ليخلص إلى القول:"فهذه القضية التي كانت في سياق القول بالمنزلة بين المنزلتين، هي التي هيأت لبلورة نظرية البيان والبلاغة باعتبارها موقفا وسطا بين العنف الأناني من جهة، والصمت المتخاذل من جهة ثانية. فكان من الطبيعي أن يلامس الحديث التقني البلاغي المفاهيم والمواقف الاجتماعية[34]".

وعلى الرغم من ضرورة مراعاة الفارق الزمني والثقافي والحضاري، والانتباه لاختلاف الأسئلة وبالتالي الأجوبة كما صاغها كل من الجاحظ والعمري، يتعذر رصد المشترك بينهما، وإدراكه فيما يتعلق بزمننا وقضايانا وأسئلتنا وقيمنا، كما هو وارد في كتاب هذا الأخير: دائرة الحوار، دون أخذ هذه الامتدادات "من بعيد" بعين الاعتبار، ومراعاتها عند القراءة والتأمل.

   فالعارف بالمشروع الفكري البلاغي للأستاذ محمد العمري، والمتتبع لتفاصيله، وبناء مواقفه، سيدرك أنه من قلائل المفكرين والمحللين بالمغرب، وربما بحكم طبيعة "تربيته البدوية[35]"، الذين يحملون هم وطنهم، بصدق وتجرد، فينخرطون في أسئلة عصرهم، ويخوضون فيها خوضا دون مواربة ولا تلكأ ولا تردد، وباللغة التي تناسبها[36]، وفي مختلف المجالات والتخصصات، والمواقع والأزمنة والأمكنة. ويكفي أن أشير على سبيل المثال لا الحصر، إلى ما كتبه عن "رفث" الرافثيين، وفساد المفسدين "زمن "ثابت" ( مقالات شبه جملة)، وما يزخر به كتاب: دائرة الحوار، من أمثلة فاقعة ونماذج صارخة في هذا الاتجاه، كان لها ما بعدها، بالنظر إلى الأحداث المؤلمة التي عرفها المغرب فيما يعرف ب"أحداث الدار البيضاء الإرهابية" في 16 ماي 2003، التي أعلنت عن عودة الفكر المتطرف، كما جسده خوارج اليوم باعتبارهم امتدادا لخوارج الأمس، الذين يمارسون "العنف المجزء"، و"العنف المنظم"، وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو دينية أو إيديولوجية.

   فالمغرب اليوم، وفي ظل الانفراج السياسي ومساحة الحرية المتاحة، كما سبق، أحوج إلى مثل جرأة الجاحظ في زمانه، ومواقفه واجتهاداته، فوجب بالتالي على مثقفيه، ونخبه السياسية الخروج من قوقعتهم، ومن صمتهم المتخاذل، وإرجائيتهم السلبية، وعيهم الأناني فالانخراط الإيجابي في عقد حوارات ساخنة، والدخول في سجالات "حارة"، حول مواضيع حجاجية كثيرة، وقضايا فكرية وأدبية واجتماعية عديدة ( مدونة الأسرة، قانون الأحزاب، المسألة الأمازيغية، توزيع الثروات، الترقيات،...)، وفي إطار دائرة الحوار ومقتضياتها، وفي اتجاه إرساء مجتمع مغربي ديمقراطي وعقلاني ومتسامح واندماجي ومتحاور... قادر على العطاء والبدل والإبداع...على غرار زمن الجاحظ في بغداد، يوم كانت "كرسي الحضارة العباسية، ذروة الثقافة العربية بين القرنين التاسع والثاني عشر، الثقافة التي أنتجت أعمالا أدبية ما تزال تُقرأ اليوم أسوة بشكسبير ودانتي ودكنز[37]".

ΙΙΙ- كتاب: دائرة الحوار: الأساسات والفتوحات

   1- الأساسات

   1-1- الحوار باعتباره امتدادا للديمقراطية:

   هل يمكن تصور حوار خارج دائرة الديمقراطية؟ وهل تستقيم الديمقراطية خارج دائرة الحوار؟ وهل يمكن الحديث عن الديمقراطية من دون حرية؟

   يبدو أن الترابط لزومي بين هذه المفاهيم الثلاثة، إذ يتعذر الفصل بين الديمقراطية والحرية والحوار في مجتمعات تتهيئ للمرور إلى الديمقراطية. فالديمقراطية ضامنة لتوسيع فسحة الحرية[38] وسريانها بين الناس والمؤسسات، وهي كذلك المؤطرة للحوار بينها، بالقدر الذي يسمح للمتحاورين على تدبير اختلافاتهم، إن هم اختلفوا، مادام تدبير الاختلاف يشترط الحوار ويستلزمه، وفي فسحة كافية من الحرية حتى يرتفع العي، ويزول العنف، وتنتفي التقية، ويسود البيان والإبلاغ والإقناع، والفهم والإفهام. وعليه، فلا يمكن، على حد تعبير الأستاذ طه عبد الرحمن، "أن تكون الجماعة التي تأخذ بالمنازعة الحوارية إلا جماعة "ديمقراطية" صريحة[39]"، تستعين بالحوار في مناخ ديمقراطي، وتتشبث بالحوار لتحصين الديمقراطية نفسها، وطلب الاستزادة منها.

   ولا غرابة في هذا، متى علمنا بأن الخطابة نفسها، أي بلاغة الخطاب الإقناعي، قد ازدهرت مع اليونانيين القدامى في ظل الديمقراطية والحرية والحوار، ومن جوفها خرج الحوار السقراطي، واشتد الصراع  المنتج بين الخطباء والفلاسفة في مسألة  البحث عن الحقيقة ورسم حدودها، وانتعش الفكر والثقافة اليونانيين وقتذاك. الشيء الذي دفع أرسطو إلى تأليف كتاب خاص بالخطابة/ البلاغة الإقناعية، وما كان له أن يفعل لولا سلامة جسد المجتمع اليوناني ودولته، وسريان الديمقراطية، وما يستتبعها من صيانة هذا الجسد من كل الأعطاب والعاهات التي تأتيه من جهات صناع العنف، ومروجي الإعنات والمغالطات في الخطاب... وذلك من أسمى مطالب صاحب كتاب:دائرة الحوار.

   وبالجملة، نعتبر الديمقراطية، وما يتصل بها، من حرية وحوار، وغيرها، من المطالب الجوهرية لكل الدول والمجتمعات الراغبة في الانتقال إلى الديمقراطي وصيانة المكتسبات في هذا الاتجاه. وذلك حال المغرب، وهو يخطو خطواته الأولى على درب الديمقراطية وحقوق الإنسان، وما ينتج عنهما من اتساع مساحة الحريات العامة، وانتشار قيم الحوار بين أطراف الدولة والمجتمع، والتي يجب صونها والحرص عليها من مختلف المواقع، ومنه موقع الحوار، بأصنافه وقواعده وآلياته ومقاصده النبيلة. وبهذا الصدد نعتبر كتاب: دائرة الحوار ومزالق العنف، لبنة حيوية من لبنات هذه المواقع، المدافعة عن الاختيار الديمقراطي الذي دشنه المغرب في هذا المسار، ونؤكد أن صاحبه منخرط، حتى النخاع، في حماية هذه المكتسبات، وعدم التفريط فيها، ومن مدخل بلاغة الحوار التي يتأسس عليه الكتاب من ألفه إلى يائه.

   يقول الأستاذ العمري بهذا الصدد:"تكاد كلمة "حوار" اليوم، مع امتداد القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، تجسد المعنى الذي كان لكلمات أخرى فيما مضى: الجهاد والثورة والمقاومة المسلحة[40]".

   وإمعانا في الانتصار لقيم الديمقراطية، فقد اجتهد الأستاذ العمري في رسم دائرة الحوار، وجعلها لا تستوعب إلا الممكن والنسبي، وتنفض ما دونهما خارج الدائرة وبالتالي خارج الديمقراطية مما يطاله العدل. وعليه، فالانتصار للديمقراطية هو انتصار للحوار، بشرط ممارستهما داخل الدائرة، سواء من خلال المشاورات، (مبدأ التعاون= الذاكرة)، أو المناظرات (مبدأ التنازع المنطقي والبرهاني= العقل) أو حتى من خلال الاستهواء( مبدأ التخييل العاطفي).

   وكل خروج عن الدائرة يعتبر انزلاقا إلى دائرة المطلق، وما يسفر عليه هذا الانزلاق من ألوان العنف والاستبداد.

   2-1- العنف باعتباره تجسيدا للاستبداد:

    إذا كان الحوار امتدادا للديمقراطية داخل دائرة الحوار ومقتضياتها، فإن العنف امتداد للاستبداد، وبعض نتائج انزلاقه خارج الدائرة بمقتضياتها المعروفة.

 صحيح أن العنف مغروز في نفس الإنسان، ومغروس فيها، وظاهرة ملازمة للمجتمعات الإنسانية، لكن بمجرد ما اكتشف هذا الإنسان اللغة والرمز، وارتقى بهما في تعامل وتواصل مع ما يحيط به، بدأ في كبح جماح هذا العنف، والتخفيف من غلوائه، وخلق مسالك ملائمة لتصريفه. ولعل من أهم هذه المسالك، وأنجع هذه السبل اعتماد الحوار والتفاوض والتناظر والسجال والمحاجة...الأمر الذي يسهل عملية الانتقال التدريجي من حال الطبيعة إلى حال الثقافة، بلغة الفلاسفة، والقفز به من حال "الافتراس الحيواني" الغريزي إلى حال "التمدن الإنساني".

غير أن هذا الارتقاء في سلم الإنسانية لم يمكن الإنسان من التخلي النهائي عن "نوازعه الهمجية[41]"، كما ينعتها الأستاذ الولي، فجاءت بلاغة الحوار للمساهمة في تهذيب تلك النوازع، وترويض ذلك "الهمجي البدائي" فيه، من خلال تهذيب خطابه وتخليقه، مادامت بديلا مؤقتا عن العنف الذي تجري أطواره بوسائل كثيرة، مما أسهب في شرحه الأستاذ العمري في كتابه: دائرة الحوار، حتى لا يتحول هذا العنف إلى انتقام مدمر أو إلغاء بالقتل، أو فتنة في المجتمع، عند فئة من المستبدين والطغاة وصناع الفرقة والخلاف، بمختلف مشاربهم وألوانهم، الذين عادة ما يمارسون "الحوار" خارج دائرة الحوار ومقتضياته، فيحصل الانزلاق إلى العنف، بآليات المختلفة، تارة باسم المطلق والمتعالي، وتارة أخرى بآليات المغالطة والإعنات والتضليل والتوهيم والتعميم والكيد، وغيرها، وتارة أخرى بالزعيق والتكفير... وتلك دائرة المطلق عموما، التي "تستهوي" المستبدين، ومن في معناهم، مستعنين بآليات متنوعة رصد أهمها الأستاذ العمري في المتون المعتمدة واستخلص أهم آلياتها:

   - مصادرة حق المعرفة والنظر:( من الحوار إلى العنف، مثلا بين زوجين، وغيرهما، (انظر ص ص:14-15- 24...)

   - ادعاء المعرفة الكاملة والمكتملة، بأنواعها وأشكالها، سواء في الدين أو السياسة، أو في غيرها (الشيخ القرضاوي والشيخ الفزازي نموذجين، ص ص:18-19-...)

   - ادعاء امتلاك الحقيقة، على عادة المستبدين والطغاة، وعند بعض المغالطين، الذين لا يرون الحقيقة إلا حيث هم لا حيث هي ( نموذج الأستاذ عبد اللطيف جبرو، ص ص:44- 98-99...)

   - إقحام المقدس في مقام الخلافيات، أو جر المطلق إلى النسبي، والمطلق، كما يقول إلياد M.Eliad، معيق للحرية بامتياز، ومدخل أثير للاستبداد والإعنات. ( نموذج والأستاذ طه عبد الرحمن،16 – 17، ص ص:54-55-).

   - الإفتاء في كل شيء، وأداء كل الأدوار، من مدخل إضفاء المقدس على ما مجاله الرأي والاجتهاد( نموذج القرضاوي وإفتائه في كل شيء، في الاقتصاد والسينما وغيرهما، فيما يعرف ولا يعرف، ص:29...)

   - ركوب المغالطات، والبناء الحجاجي المخل، إذ تظهر مقدماته صادقة ومناسبة دون أن تكون كذلك[42]. (آليات التغليط). وهو ما قصد العمري إلى كشفه والتدليل عليه من خلال أمثلة ونماذج كثيرة ومتنوعة، ورد تلك المغالطات التي تنزلق إلى العنف...( مثلا، ص:الشيخ الزمزمي، ص21، وكذا، الأستاذ بنكيران، ص:32 ...)

   2- الفتوحات:

   على الرغم مما شاب بناء كتاب: دائرة الحوار، في نظرنا، وما اعتراه من "رخاوة" في الربط بين أقسام الكتاب ( القسم النظري والتطبيقي)، وبين المباحث المكونة له، بالنظر إلى باقي كتبه التي خضعت إلى بناء علمي ومعمار نسقي صارمين، إذ نعتقد أنه كان من الأفضل إلحاق مبحث:"الخطابة والسياسة، أخلاق وتقنيات"، على "صلاته النظرية" بالمبحث الأول، ليشكل ضميمة للكتاب؛ وعلى الرغم مما نتج عن ذلك من تكرارت "ظاهرة" في الكتاب ( مثلا في ص:15 =72+ ص:12=75...)؛ وعلى الرغم، أخيرا، من صعوبة الضبط الدقيق للحدود في دائرة الحوار بين مجالاته، وبخاصة مجال الاستهواء وحدوده؛ على الرغم من كل هذه الملاحظات الطافية على سطح الكتاب وبناء معماره، فإننا نعتبر كتاب: دائرة الحوار، كتابا "استثنائيا" بحق، لما فتحه من إمكانات عديدة في نطاقه، نشير إلى أهمها، فضلا عما سبق:

   2-1- السبق والريادة

    لقد كانت بلاغة الخطاب الإقناعي، أو بلاغة الحوار في الثقافة العربية الحديثة مغتربة، من جهة، تعيش حياة الشتات في ديار مختلفة"، بلغة الباحث، سواء في المنطق أو اللسانيات التداولية، والفلسفة والشعر، وفي غيرها، وتعاني ومن جهة أخرى، غيابا على مستوى التنظير والتطبيق على الخطاب السياسي بالأخص لعلاقته اللصيقة بالقيم والأخلاق. على هذا الأساس، نعتبر الكتاب فتحا في نطاقه.

   صحيح، أن أبحاثا جديدة بدأت تظهر، كالعمل الجماعي الذي أصدر في تونس، سنة 1999، تحت عنوان: أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، وأطروحة الأستاذ حمو النقاري: بعنوان: المنهج في إنشاء المعارف الكلامية (بحث في المنطق)، وأخيرا كتاب أستاذنا حسان الباهي: الحوار ومنهجية التفكير النقدي، سنة 2004؛ غير أن هذه الكتب، على أهميتها النظرية، لا تشكل بديلا عن كتب الأستاذ العمري، لبعده التطبيقي الراهن والمفصل، مقارنة مع الكتب المذكورة، إذ انخرط هذا الأخير في أسئلة الناس الصغيرة والكبيرة، وسمى الأشياء بأسمائها، دون مواربة أو تلميح، بل و"بشراسة" العالم، وبدعم نظري متكامل، ورؤية علمية شمولية. الشيء الذي وسم عمله هذا بالسبق والريادة في نطاقه.

   2-2- كسر الصمت والنقد المزدوج:

   إن الانطلاق من الراهن المغربي، والخوض في مختلف موضوعاته الحجاجية الحساسة، التي قد تعصف بتلاحم المجتمع مع أي انزلاق، يعد بمثابة  كسر لصمت المثقفين، وتخاذلهم، كما سبق. فهو من طينة الباحثين الذين لا يدفنون رؤوسهم في الرمال، بل ينظر في الشمس بعين مفتوحة، وبنفس الجرأة و"الشراسة"، فيقارب موضوعات حجاجية لها راهنيتها وحساسيتها، دون تردد، ومن منطق الوسطية التي تميز الحوار، كما نظر له، وسلفه الجاحظ ومن كان قبله وبعده.

   ولذلك نجده ينتقد المتطرفين من الجهتين اليمنى واليسرى. "يعري" مغالطات الطرف المحسوب على "الحداثيين" (عبد اللطيف جبرو) ويكشف تدليساته، وتضليلاته وتقويلاته في قراءته لمذكرات الفقيه البصري وتاريخه النضالي. كما يعري مغالطات الطرف المحسوب على "الأصولية"، ويخاطبهم باللغة التي تناسب درجة انخراطهم في دائرة المطلق ( الشيخ الفزازي، والشيخ القرضاوي، وغيرهما) بادعاء امتلاكهم الحقيقة الدينية المطلقة، وتسييس المتعالي، و"أملكة" الأنا، و"أشطنة" الآخر...

   2-3- البيداغوجيا بقصد المناعة الذاتية

   استلهاما للملاحظة رقم ( 2- 2)، يمكن أن نصنف كتاب: دائرة الحوار، ضمن الكتب التعليمية. ("كيف تتعلم بلاغة الحوار في خمسة أيام من دون معلم") ، ما دام يسير في اتجاه تعليم المتلقي "مكونات الحوار وأخلاقياته وآليات اشتغاله"، وآليات التحليل والنقد "لإزالة الأوراق الميتة التي تغطي الفخاخ المنصوبة في كل جانب"، وبالتالي من أجل "تكوين مناعة ذاتية تجعله يكتشف الخدع ويعامل أصحابها بنية قصدهم، ويرد كيدهم في نحرهم[43]". ويتعذر تحقيق هذا المطلب دون مراعاة الطابع البيداغوجي، سواء بتقديم الأمثلة المناسبة، وإيراد الشواهد الدالة، أو بحشد الحجج المقنعة، وترتيبها، بغرض الفهم والاستيعاب، لفئة واسعة من القراء، و"طلاب المعرفة من طلبة وصحافيين وسياسيين، لم يقطعوا الصلة بعد بالعلم وأهله[44]". وتلك إحدى مواطن قوة الكتاب وسعة مقروئيته.

   2-4- اللغة وبلاغة السخرية:

   من فتوحات كتاب: دائرة الحوار، إلى جانب اعتماد الباحث لغة ذات شحنة بلاغية بمعناها التحسيني الشعري، وامتطاء لغة شعرية وإيحائية مكثفة، وبأدوات حجاجية، بغرض حصول الإقناع، وترسيخ المواقف؛ كونه تسلح ببلاغة السخرية، أو النقد المر[45]، هو يترصد مغالطات المغالطين، وتهافت المتهافتين باعتبارها آليات من آليات مقاومة الظلم، ومواجهة العنف[46].

ونكتفي بهذا الصدد بتقديم نموذج على آلية السخرية، كما وظفها الأستاذ العمري، وصاغها في صور لاذعة مُرة، وهو يصف حال الأستاذ عبد اللطيف جبرو ومآله، عندما يعتقد أنه  يموه على المتلقي ويخدعه، وهو يقدم له "حقيقة الفقيه" البصري، كما يمتلكها المدعي "كاملة ومطلقة"، فيصير في موقع المخدوع والمظَلَّل( بفتح اللام)، فيكون بذلك"كالذي يلبس طاقية الإخفاء مقلوبة يظن أنه يخدع الناس وما يخدع إلا نفسه[47]".

فالسخرية من هذه الناحية، من آليات الحجاج النافذة في بلاغة الحوار مادامت ترصد المفارقات، في بعدها الراقي والهادف، وتعري النوايا، وتخفف من حدة "معاشرة" المستبدين والطغاة، أو "محاورة" الجاهلين والمتطرفين، أو "معايشة" المتحجرين والمدعين والمعتوهين... وقد استعان الباحث بآلية السخرية لحل تلك المفارقات الفاقعة في جاري الواقع المغربي، وحال التدافع بين الديمقراطيين الحواريين، والمستبدين المنزلقين إلى درك العنف، بقصد أن يوصل "محاوريه"، كما وردت أسماؤهم في الكتاب، إلى مواطن مغالطاتهم، ويكشف لهم مطاب إعناتهم، وضيق أفقهم، وليقنعهم بعد ذلك بالحاجة إلى نبذ العنف والتطرف والتعصب والتكفير والإلغاء والإقصاء والاستئصال، بين الأفراد والجماعات، وبالتالي التحلي بقيم الفكر النسبي لتدبير الاختلاف، وتخليق الخطاب، لما فيه صالح هذا الوطن وأهله.

لهذه الأسباب جميعها، مما ذكرناه وما لم نذكره، مراعاة لإكراهات السياق والمقام والمجال، نعتبر كتاب: دائرة الحوار ومزالق العنف، للأستاذ العمري، "كتابا استثنائيا"، باستحضار المقاييس المذكورة على امتداد هذا المقال، ومن اعترض على رأينا ونازعنا فيه دعوناه للحوار، وطالبناه بإقامة الدليل على دعواه، ضمن دائرة الحوار ومقتضياته./.

 



[1]- أُعِدَّ هذا المقال وأُلقي في إطار استضافة جمعية أصدقاء الكتاب للأستاذ محمد العمري، بمدينة بني ملال، بتاريخ 12 فبراير 2005.

[2]- وللأستاذ العمري مساهمات عديدة في مجال الترجمة، نخص منها بالذكر ترجمته لكتاب: للبلاغة والأسلوبية هنري بليث، وكتاب: نظرية الأدب في القرن العشرين، وكتاب: بنية اللغة الشعرية، بمعية الأستاذ محمد الولي، وغيرها من الترجمات. ثم تحقيق كتاب: المسلك السهل في شرح توشيح ابن سهل، لمحمد الإفراني.

[3] - قياسا على مقولة "إنزال الفلسفة من السماء إلى الأرض" التي قام بها سقراط في زمنه، فعجلت بموته، وإن رفعت من شأنه، وخلدت اسمه.( انظر تفاصيل ذلك في كتاب: محاكمة سقراط، لأفلاطون، ترجمة وتقديم عزت قرني، ط2/ 2001.)

[4]- انظر محاضرة الأستاذ العمري التي ألقاها بمناسبة افتتاحية أنشطة رابطة الأدباء المغرب بالرباط، لموسم:2000-2001، تحت عنوان :"بلاغة الحوار وتدبير الاختلاف"، وفي سياق تقديم الأستاذ سعيد يقطين للمحاضر جاءت المقولة المذكورة أعلاه.

[5] - العمري: دائرة الحوار،ص:44.

[6]- العمري: البلاغة العربية، ص:8.

[7] - العمري: "البلاغة المأسورة"، جريدة الرياض، 17/ 11/ 1995.

[8] - العمري: البلاغة العامة والبلاغة المعممة، ص:70، فكر ونقد، العدد:25-2000.

[9] - العمري: دائرة الحوار، ص ص:5-17-132،....

[10] - العمري: البلاغة العربية، أصولها وامتداداتها، ص:6.

[11] - العمري:" البلاغة المأسورة"، جريدة الرياض، بتاريخ 1995.

[12]- بيرلمان وتيتيكا، البلاغة الجديدة، ص:229.

-[13] العمري: "البلاغة العامة والبلاغة المعممة"، ص: 60.

[14]- ابن رشد:تلخيص الخطابة، تحقيق وتقديم عبد الرحمن بدوي، دار القلم، بيروت، ووكالة المطبوعات الكويت، ص:10.

[15] - العمري: دائرة الحوار، ص ص:5-36-38-40-61...

[16] - العمري: دائرة الحوار، ص:42.

[17] - نفسه، ص:43.

[18]- هو عنوان أول كتاب للعمري، بهذا الشأن: في بلاغة الخطاب الإقناعي ( 1985.)

[19] - العمري:"بلاغة الحوار"، ص:43، فكر ونقد، العدد:61.

[20]- قد احتفى الغربيون بالبلاغة لأهميتها في صناعة الرأي العام، وتوجيه الفكر المعاصر. ولا غرابة في ذلك، إذا تذكرنا، كما أورد بيرلمان، تخريج أكثر من 5000 مدرس للبلاغة في أمريكا.) انظر العمري ( في بلاغة الخطاب الإقناعي، ص:14)

[21] - الباهي: الحوار ومنهجية التفكير النقدي، ص:71.

[22] - العمري الدائرة، ص ص:5-6.

[23] - ونعتمد في هذا المقال على الطبعة الثانية 2002، أفريقيا الشرق، المغرب.

[24] - العمري: في الخطاب الإقناعي، ص:14.

[25] - العمري:"وداعا رائد الكفاح الوطني، في تأبين الفقيد الفقيه البصري".

[26] - العمري: في بلاغة الخاب الإقناعي، ص:6.

[27]- إشارة إلى ما آل إليه مصير بعض المذكورين في هذا الكتاب، بسبب الأحداث الإجرامية والإرهابية  التي حدث يوم 16 ماي بالدار البيضاء 2003.

[28] - الجاحظ: البيان والتبيين، 86/1.

[29] - إدريس جبري:"محنة مثقف، مدخل لقراءة المشروع البلاغي للعمري"، مجلة ضفاف، العدد:2.

[30] - العمري: البلاغة العربية، ص:200.

[31] - الجاحظ: البيان والتبيين، 271/1.

[32] - الجابري: العقل العربي الأخلاقي، ص:76.

[33] - العمري : الموازنات الصوتية، ص: 210.

[34] - نفسه، ص:210.

[35] - العمري: الأشواق، ص ص:220- 232.

[36]- في مقالات عديدة:عن رموز الفساد والإفساد، والعنف والإقماع، مثل الحاج محمد ثابت، وإدريس البصري، وغيرهما كثير. لمزيد من التفاصيل، انظر موقعه الإليكترونيmedelomari.free.fr

[37] - إدوار سعيد: الثقافة والإمبريالية، ترجمة كما أبو ديب، دار الأدب، بيروت، ط3، 2004، ص:353.

[38]- والحرية هنا بمعنى تلك التي توزن بميزان الذهب لا بميزان "الكرعة"، كما يقول العمري نفسه، دائرة الحوار، ص:88.

[39] - طه عبد الرحمن: الحق في الاختلاف الفلسفي، ص:37.

[40] - العمري: دائرة الحوار، ص:9.

[41] - الولي: بلاغة الحجاج، ص:75، مجلة علامات، العدد،5.

[42] - الباهي: الحوار ومنهجية التفكير النقدي، ص:166-170.

[43] - العمري: دائرة الحوار، ص:94.

[44] - العمري: نفسه، ص:6.

[45] - العمري: نفسه، ص ص:63.99-114.

[46] - العمري: نفسه، ص: 134.

[47] - العمري: نفسه، ص:99.