المـــاء في الرحْلات الحجية المغربية
بين الحقيقة والرمز
سليمان القرشي
توطئة :
إن الرحلة في جوهرها حركة، والحركة ترتبط بالمسار الذي
لا يعتبر اعتباطيا ولا يعد اختياره من قبيل التقليد والعادة والاتباع، ولكن اختيار
المسار في الرحْلات الحجية مشروط بعدة شروط، خاصة منها الشروط المكانية والزمانية
والبشرية التي تتعلق بالقرب والبعد من الجهة المقصودة، وبتوفر وسائل الراحة
والأمان في مختلف المحطات والمنازل، وكذا بطبيعة العلاقات القائمة بين الدول،
وبالحالة الصحية للمجتمعات المحيطة بالطرق، فكثيرا ما صدت الأوبئة ركب الحجيج عن
مساره وبدلت طريقه، بل وغالبا ما حددت العوامل السابقة مصير ركب الحاج الذي كثيرا
ما انتهى به المطاف إلى الموت الهلاك لهذا السبب أو ذاك.
على أن الماء يبقى وسط كل هذه العوامل والمؤثرات عنصرا أساسيا
في اختيار طريق الحج وتتبعها، تبعا لخصائص جغرافيا المسار التي غلبت عليها الصبغة
الصحرواية والمجال القاحل، مما أضفى على الماء قيمة خاصة في كل
الرحلات الحجية التي انطلقت من المغرب في اتجاه أرض القبلة ومنبع النور لري الظمأ
الروحي وإطفاء لوعة الشوق والحنين التي أذكاها البعاد وأجج جذوتها ما بين المشرق
والمغرب من حواجز وحوائل.
يعد الماء، في أدبيات الرحلة، مقابلا للحياة، وركنا
ركينا من أركان النجاح في الرحلة الحجية التي اكتنز قاموسها بمقابلات الماء
ومرادفاته ومختلف متعلقاته، فتنفس في أحضانها شعرا ومثلا، وتجلى في تجليات الرمز
والإشارة والعبارة.
- الرحلات الحجية بين عطش الجسد ورواء الروح :
لم يعرف طريق في تاريخ البشرية جمعاء ما عرفه طريق الحج
من اهتمام، ولا توجد في جغرافيا المسالك والممالك قطعة من الأرض حظيت بعناية
الرحالين والمؤرخين مثل الطرق الكبرى والصغرى المؤدية إلى الحجاز التي صنفت فيها
الكتب المختلفة المنازع والأساليب ومئات القصائد الحافلة بوصف المنازل والمراحل،
علاوة على ما تطفح به من مشاعر الحنين التي جعلت هذه الطرق لا متعبدات فقط، بل
مجمعات استوثقت عبرها الصلات بين الشعوب الإسلامية ومبادلة الإجازات بين العلماء
وتلاقح معطيات الفكر العربي الإسلامي[1]،
الشيء الذي جعل محطات الطريق نحو الحج محطات للزهد والعبادة والخلوة، ومراكز للعلم
والمعرفة، ونقط للتزود والاستراحة
والعلاج.
وتبعا لشخصيات الرحالين الذين دونوا رحلاتهم وسجلوا ما
خطر ببالهم وما طاف بخيالاتهم أثناء مرحلتي الذهاب والعودة وأثناء الظعن والمقام،
أو ما شاهدوه ووقفوا عليه من معالم وما صادفوه من محن ومتاعب، فقد كانت الموضوعات
المشتركة بين الرحلات الحجية تتبادل الأدوار فيما بينها، فالموضوع الذي يحتل مكان
الصدارة لدى الرحالة المتصوف، قد لا يرد إلا عرضا في النص الرحلي للأديب الشاعر،
وقس على ذلك.
على أن "أهم ما عني به الرحالة المياه لشدة الحاجة
إليها في بعض المواضع، سواء كانت هذه المياه آبارا، أو أحساء، أو غدرانا، أو
عيونا، أو بِركا، أو أنهارا، والتزموا أن يصفوا بدقة طعم هذا الماء على اختلاف
مذاقاته"[2]،
وأشاروا إلى مواضعه وبينوا بعده وقربه من سطح الأرض، وأوضحوا طرق استخراجه والوصول
إليه، بل لقد تغنى به الشعراء من الرحالة وضمنوه قصائدهم وأرجازهم، ذلك أن تعبيرهم
عن مخاوفهم من نقص الماء قد احتل بؤرة شعورهم، لأنه مدار حياتهم وحياة دوابهم
أثناء هذه السفرة[3]
التي امتزج فيها البعد الديني بالبعد الدنيوي، وتماهى فيها الأرضي بالسماوي،
وتجاور فيها الموت مع الحياة، فهذا أبو
العباس أحمد بن ناصر (ت 1085 هـ) في رحلته يخبرنا أنه قد "مات من المغاربة
زهاء ستين من العطش، من نساء وصبيان ورجال وولدان"[4]،
كما يصف ذات الموقف ـ الذي كثيرا ما يتكرر مع ركب الحجيج المغربي ـ ابن أبي محلى
(ت 1022 هـ) الذي يخبرنا باضطراره وصحبه إلى شرب ماء البحر قائلا : "لقد شرب
بعضنا، بل كلنا، ماء البحر الزعاق"[5]،
أما ابن رشيد السبتي (ت 721 هـ) فيعلمنا أن الله الكريم قد من عليه بلطفه وصادف في
طريقه من ماء المطر نحو سبعة أفواه، وهو الطريق الذي "هلك فيه في بعض الأوقات
خلق كثير وعدد كبير"[6].
ولذلك فكلما توفر الماء في مسـار الرحلة الحجية كلما
اطمأن قلـب الحاج وهدأ روعه، وأحـس بالأمان، وخـلا بصفاء روحـه، وكلما قـل الماء
وعـز الوصـول إليـه كلمــا " اشتدت الحال، وبلغت القلوب الحناجر"[7].
لقد عد الماء
من أوليات الرحلة ولوازم السفر التي حرص الرحالون على التوفر عليها وامتلاكها قبل
شد الرحال و جوب آفاق العطش والظمإ والأهوال، فهذا أبو عبد الله محمد بن الحاج بن
منصور العامري المتوفى في حدود السبعين ومائة وألف، صاحب الرحلة العامرية، وهي
عبارة عن "قصيدة همزية وصف فيها المراحل، من تازا إلى البقاع المطهرة ومنها
إلى الشام، وصفا كافيا، وصدرها بباب استوفى فيه تعداد الأشياء التي يحتاج إليه
مريد الحج"[8]،
ومن هذه الأشياء كانت القِرب ومواعين حفظ المياه الضامنة لاستمرار السير العادي للرحلة،
فكم من سوء خلق إذا يقل الماء، حسب الرحالة الشاعر، يقول[9]:
|
وتذكر حوائجا نافعات |
|
وتجنب لما اقتناه عناء |
على أن انتخاب
القِرب الوثيقة الخرز لم يكن إلا مقدمة لعلاقة خاصة ومتوترة بين الرحالة ومصادر
المياه التي شكلت محطات رئيسة في مسار الرحلات الحجية، ولقد دفعت هذه الظاهرة
المغاربة إلى الاهتمام بالآبار والعيون والأنهار ووصفها، من حيث عمقها وكيفية
حفرها، وطعمها وكيفية التغلب على جعلها صالحة للشرب[10]،1سائغة
للشاربين، يقول أبو سالم العياشي (ت 1090هـ) : "ومن غرائب هذه البلدة استخراج
عيون الماء الغزير بحفر الآبار، فيحفرون بئرا نحوا من خمسين قامة، ثم يصلون إلى
حجر مصفح على وجه الأرض فينقرونه، فإذا نقبوه فاض منه الماء فيضانا قويا، ويطلع
كذلك بسرعة إلى فم البئر ويصير عينا، فإن لم يتدارك الحافر بالجذب أغرقه الماء،
ومتى احتاجت العين إلى الكنس حصلت لمتعاطي كنسها مشقة كثيرة، وربما تركوها بلا كنس
للمشقة فتندثر، وقد أخبرني من أصحابنا من
عاين كنسهم للعيون بأمر غريب، وكذلك عيون أهل وادي ريغ"[11].
أما الرحالة المغربي ابن مليح السراج فيقدم في رحلته
الحجية[12]
وصفا دقيقا لمساره الذي اتخذ من موارد المياه نقط توقف و محطات استراحة، وهو في هذا
الوصف يتجاوز البعد الجغرافي ليتناول طعم الماء ومذاقه، يقول : "...الثالثة
مورد يقال له بنائم، فيه بئر واحدة ماؤها ملح أجاج، لا يستقر في البطن ساعة، طعمه
فيه رائحة الكبريت ثم مرحلتان صحرا، ثم بعده مورد رسمي بجبلة على وصف الأول ثم
مرحلتان صحرا بعدهما"[13].
وبتراكم التجارب وطول الاحتكاك بالطرق والمسالك المؤدية
إلى الحجاز، فقد زادت معرفة الرحالين المغاربة بالمنابع ومميزاتها، وتركت أثرها في
كتاباتهم المختلفة بين تعابير مشوبة بالحزن والحذر في حالة الشدة والضيق، وبين
تعابير أدبية وتشبيهات رائعة في حالة وفرتها التي تسبب الانشراح[14]،
ومن التعابير الأولى نذكر ما سجله شيخ الرحالين المغاربة، أبو سالم العياشي من
ذكريات في أرض التيه التي عانى من محْـلها الحجاج، ودونت مصاعبها النصوص الرحلية
والقصائد الشعرية[15]
التي ذاق أصحابها من ذات المورد الذي ذاق منه العياشي الذي يقول،" وهذا المحل
من المَحال التي تعظم فيها المشقة أيام الحر، وقد تتلف فيها أنفس كثيرة بالعطش،
وقد وقع لنا مثل ذلك في سنة تسع وخمسين؛ ارتحل الناس من عجرود ظهرا، ولم يمروا على
النابعة، فبتنا ليلتين بلا ماء إلا ماء عجرود الذي لا يتجرعه الظمآن ولا يكاد
يسيغه، فلم نصل إلى أرض التيه حتى اشتد الحر في اليوم الثالث وقل الماء، ومات بعض
الإبل، وجعل الناس يعصرون ما في بطون الإبل من الفرث ويشربونه[16]".
إن الذي أشرنا إليه من كون منابع المياه تعتبر محطات
رئيسة في مسار الرحلات الحجية المغربية يستمد حجيته من تواتر الوقوف على هذه المحطات
من طرف مختلف الرحالين، ومن هذه المحطات نذكر قصر مخيليف، الذي يصادفنا الحديث عنه
في مختلف النصوص الرحلية، ومن هذه النصوص نذكر الرحلة الناصرية التي جاء فيها :
"وصلينا الظهر بقصر مخيليف، ولم نجد به ماء، وفيه مواجن كثيرة مبنية بالحجارة
المرصوصة بناء متقنا، ويجتمع فيه من ماء المطر ما يتبحر حتى يكاد يتفجر"[17].
وقبل ابن ناصر، وقف على ذات القصر أبو سالم العياشي الذي قدم وصفا مسهبا للمنشئات
المائية بالقصر المذكور، وألمع إلى ما يلاقيه الحجاج المغاربة من عنت به جراء قلة
الماء في أيام الحر، يقول : " ثم ارتحلنا من هناك وجئنا ظهرا لقصر المُخيلف
ووجدنا فيه مياها كثيرة في مآجل، ووجدنا به جابيتين متلاصقتين مبنيتان بالحجارة
المرصوصة بناء متقنا، وكل واحدة طولها نحو المائة ذراع في مثلها وقد تعرضتا لأفواه
الشعاب وجمعتا من الماء ما تبحر وكاد أن يتفجر، وأخذ الناس منه حاجتهم وتوضأوا.
وهذا القصر من أعظم القصور الخالية التي بقيت رسومها في تلك البلاد، وفيه أثر مسجد
ومئذنته باقية إلى الآن، وليس فيه ماء حي, ولو احتسب أحد من الولاة بحفر بئر فيه
لكان فيه أعظم الأجر لأنه في محل بعيد من الماء من كل الجهات، وقل ما يسلم الحجاج
في أيام الحر من شدة تقع لهم بسبب العطش في ذلك المحل أو قريبا منه"[18].
كما وقف على ذات القصر العامري[19]
وغيره من الرحالين الذين لم يذكروه إلا في ارتباط بالماء وصلة به.
ولم يكن
الماء محددا لمسار الرحلة الحجية فقط، ولكنه كثيرا ما تحكم في زمن الرحلة وحدد مدة
الإقامة وزمن الرحيل، يقول أبو سالم العياشي : " ثم ارتحلنا ونزلنا بموضع
يقال له العلندا، وأصابنا فيه مطر وابل،
وأقمنا بسببه يوما على غير ماء، لأن البلد كله رمل فلا يمسك ماء، فكان الماء سبب
إقامة الناس ، وهم لا يجدونه للوضوء والشرب إلا ما في القِرب معد للمراحل التي
بعدها، أو ما جمع في الأوعية المطروحة خارج الأخبية أو على أطرافها يجتمع فيها ما
سال منها"[20].
ولأن المسار صحراوي بامتياز، ولأن العين قد تعودت طوال
مسيرة امتدت لأشهر عدة على مناظر القحط والمحل التي ألفها الراكب والمركوب على
السواء، حتى غدا منظر الماء مما يجفل الإبل ويثير روعها، كما هو الشأن في الرحلة
العياشية التي وصف صاحبها بدقة متناهية شعور الإبل وقد استحاشت برؤية البحر، يقول
أبو سالم العياشي : " وفي الغد ارتحلنا من هناك، فلما كان قريبا من الظهر بدا
لنا البحر عن يسارنا، ودنونا منه فتسارع إليه من لم يعرفه من الحجاج، ولم تزل
الطريق تقرب منه إلى أن مرت بإزائه كرمية بحجر عند برج الملح، ونزل غالب الناس
هناك عن رواحلهم للوضوء ولأخذ المحتاج إليه من الملح . . . ثم تجاوز الناس ذلك
المحل قرب العصر، ولم يكن عند الناس ماء وهم طامعون أن يصلوا إلى الماء ولو بعد
المغرب، فلم يسيروا إلا قليلا حتى ظهر في الإبل إجفال ونفور, ورفع كل بعير رأسه
كأنه قناة تفور، فأكثرت العدو لما استقلت الخبب[21]،
ولم يعلم الناس في ذلك ما السبب، فمن قائل إن سبب هذا الأمر المفجع، استيحاشها
برؤية البحر المفظع، ولم تكن رأته قبل ذلك الأوان، ولا عهدته في سابق الأزمان،
فارتاعت لرؤية شيء لم ترع دهرها بمثاله، إذ غالبها من صحراء المغرب الأقصى وجباله،
لا تعرف إلا الهضاب والتلول، والمراتع المخصبة وأفنية الطلول"[22].
ولعل السبب الذي ألمعنا إليه سابقا من كون البيئة
الصحراوية للحجاج، والطابع القاحل لطريق امتد المسير فيه لأشهر عدة، قد جعلتهم
يندهشون لرؤية التجمعات المائية الكبرى، كالبحر الذي "تسارع إليه من لم يعرفه
من الحجاج"، هو الذي أعطى لنهر النيل مكانة متميزة في النصوص الرحلية
المغربية، وخاصة منها الحجية، يقول العبدري في وصف هذا النهر : "والنيل نهر
متسع جدا آخذ من الجنوب إلى الشمال ويفترق بعد مسافة من فسطاط مصر على ثلاثة انهار
ولا يدخل واحد منها إلا في القوارب شتاء وصيفا"[23].
ولعل هذه الصورة النمطية لنهر النيل، باعتباره من أكبر
أنهار الدنيا وأوفرها ماء وأكثرها حياة، والتي ترسخت في أذهان الرحالين المغاربة
وتلونت بألوان الخيال، هي التي فتحت أبواب الدهشة أمام الرحالين الذين وقفوا عليه
إبان انحصاره، فتراجعت سطوة الخيال في كتاباتهم لفائدة سلطة الحقيقة وقوتها، فصحت
مقارنته آنئذ بأنهار المغرب التي ألفها الحجاج وعايشوها، يقول العياشي في صورة
بليغة : "ثم في الغد من يوم نزولنا بأنبابة، وهو السادس والعشرون من رمضان،
قطعنا النيل إلى مصر, ووجدنا النيل في غاية ما يكون من النقصان، قد انحسر الماء عن
بقاع كثيرة في وسطه، فكأنه واد من أودية المغرب الكبار"[24].
بين الماء والمقدس في مسار الرحلة الحجية :
لا يغدو الماء في الرحلات الحجية مجرد وسيلة وأداة ضرورية
لاستمرار الكائن البشري وتحقيق شرط الحياة لديه، ولا ينحصر في كونه مصدرا
للأمان والاطمئنان والدعة، ولكنه يتجاوز هذا الشرط ليلامس البعد الديني؛ فالماء
نظير للطهارة والنقاء الجسماني المواكب للنقاء الروحي الذي من أجله شدت الركاب
وزمت الأزمة، ذلك أن "مما ينبغي لمن وفق لذلك، و تجرد عن الأهل والوطن لحيازة
الفضل هنالك، أن يتوسل بإخلاص العمل بنية صادقة، و يتمسك من التقوى بعروة واثقة،
فإن من أقبح القبائح، و أفضح الفضائح، أن يقصد المهاجر الوفود على مولى كريم، حليم
عظيم، و هو بما تكنه الضمائر خبير عليم بباطن وسخ، و ظاهر ملتطخ، فينبغي له أولا
طهارة الباطن من كل خبث و رجس، و طهارة الظاهر من كل لوث و نجس"[25]
عرف الإنسان أن مولاه دعاه ليكرمه في بيته بمغفرة ذنوبه ويباهي به ملائكة قدسه،
وأنه يتقلب في طاعة سيده في ليله ونهاره وفي سائر أحواله، وأنه من المحبوبين عنده،
لأن السيد لا يدعو لبيته إلا من يحب، وأن نبيه، صلى الله عليه وسلم، وشرف وكرم
ومجد وعظم، دعاه ليشفع له عند ربه ويتحفه تحفة الكرام لمن زارهم مما لا قدر أن
يعبر عنه اللسان، ولا كريم أكرم منه، صلى الله عليه وسلم، صبر صبْر الكرام في ماله
وفي تحسين أخلاقه مع الناس وعلى طاعة الله وعن معصيته، وهكذا حتى يتم الغرض إن شاء
الله على أكمل حال، ويفوز به بما فاز به الفائزون، وإلا ربما تسخط وفسدت نيته
واستحوذ عليه الشيطان، وخسر هنالك المبطلون، لا سيما من استهون بأمور الدين في
الحرمين الشريفين"[26].
واعتبارا لهذا البعد الروحي للماء، فقد تأثث مسار الرحلة
الحجية بالحديث المسهب عن نقط التقاطع بين الماء والعبادة، وركن إلى زويا الاتصال
بينهما، هذه الزوايا التي ضمت مشاهد العُباد وآوت قبور الأولياء والزهاد، واحتضنت
المزارات، وشهدت بعض المعارك والانتصارات، فغدت منابع المياه ومصادرها في الرحلات
الحجية علامة من علامات المقدس، ورمزا من رموز الطهارة. وكمثال لهذا الترابط، نذكر ما سجله العياشي من
انفعال نفسي وفيض روحي لدى زيارته لقبر سيدي مفتاح، يقول : "وزرت بهذه البلدة
قبر الولي الصالح ذي الكرامات الكثيرة والمآثر الشهيرة، سيدي مفتاح، وهو على تل
مرتفع بساحل البحر بينه وبين البلد، في مكان يعلوه البهاء ويتفجر منه السناء، تسكن
النفوس إذا حلت به، وتطمئن به القلوب إذا نزلت بقربه، وختمت عند قبره سلكة كنت
ابتدأتها قبل ذلك، وزرته بنية صالحة وإخلاص قوي، وطلبت من الله عند قبره مسائل
رأيت أثر الإجابة في بعضها بالقرب، وإني لأرجو الله فيما بقي منها، وهذا السيد مما تؤثر عنه كرامات كثيرة، وجربت
إجابة الدعاء عند قبره، فلا ينبغي لمن مر بذلك البلد أن يهمل زيارته"[27].
على أن علاقة الترابط والجوار بين البحر، ومصادر المياه
في عمومها، وبين المقدس، لم تتجل في النصوص الرحلية الحجية المغربية على مستوى
الذاكرة والذكرى فقط، ولم تقتصر على حدود المتوفين من الأولياء والسادات الذين كثر
الاعتقاد فيهم والإيمان بكراماتهم وخوارقهم، لأسباب اجتماعية ونفسية وتاريخية لا
مجال لعرضها هنا، ولكن علاقة الجوار امتدت لتشمل الأحياء من هؤلاء الذين شكلوا
منارات معرفية، وملاذا للأمان الروحي والجسدي حين عم الخوف والجوع والعطش طريق
الحاج وأثث مساره وواكب مسيره، يقول العياشي : "وزرنا...على تل مرتفع بساحل
البحر قبر سيدي أبي شعيفة، ووجدت عند قبره سيدي أبو تركية، بل وجدني، واغتنمت
دعاءه في ذلك المكان, وذهب بي إلى مزارة هناك في مغارة بساحل البحر يتعبد فيها
الصالحون، لا يكاد يطلع عليها أحد إلا من عرفها لأنها صغيرة مستقبلة البحر, يغلب
على الجالس بها الحضور إذ لا يرى إلا البحر, ولا يسمع إلا تسبيحه وتمجيده لربه،
{وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} لغفلتكم عنه، ومن امتزج تعظيم
الحق وتسبيحه بلحمه ودمه وأنس بذلك سمع تسبيح كل شيء إما بحاله أو مقاله"[28].
ولقد تجاوز حضور الماء في النص الرحلي المغربي حدود
الواقع ليلامس آفاق الحلم ويقتحم مجال الرمز والأسطورة، فالماء لدى المتصوفة من
الرحالة المغاربة يغدو في بعده الرمزي نظيرا للمعرفة الكاملة والحقيقة الشاملة،
ويصبح عنوانا للاتصال بعالم المقدس، يقول العياشي في معرض حديثه عن مسار رحلته
المتخم بالنفس الصوفي والمشبع بالبحث عن منبع الحقيقة وعيون الخلاص : "أخبرني
صاحبنا الشيخ محمد الفزاري، وكان أوحد زمانه نسكا وعبادة وملازمة للحرم الشريف،
وهو الذي ألح كثيرا في قراءتنا للمختصر أنه رأى في منامه عند ابتدائنا لقراءة
المختصر أن ساقية كبيرة كثيرة الماء صافية أخرجت من البحر واغتبط الناس بها للشرب
والسقي، فجرت قليلا ثم وقفت ولم تزد، فتأولتها قراءتنا للمختصر، والبحر هو صلى
الله عليه وسلم، فمنه المدد لكل معلم خير ومرشد إليه من أمته، والوقوف ما حصل لنا
من المرض المكفر إن شاء الله لذنوبنا"[29].
بل إن العياشي
يذهب بعيدا في درب الاعتقاد في قدسية الماء وخاصية مصادره، وهو في هذا يعتمد
الرواية واستقراء المصادر التي تخدم مقصديته، ومما رواه في هذا الإطار ما جاء في
كتاب فضائل الشام من أن "من عدد في البحر أربعين موجة وهو يكبر غفر الله له
ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر، وإن الأمواج لتحث الذنوب حثا"[30].
على أن ارتباط الماء بالمجال في النص الرحلي الحجازي
المغربي قد تجاوز المسار ليشمل المقصد، بحيث يغدو الماء في هذا النص رمزا
للطهرانية الشاملة والقداسة التامة ويصبح تجل من تجليات الكرامة وعنوانا لبلوغ
القصد ونيل المراد، يقول ابن رشيد السبتي وقد حلق طير بصره بشوق نحو أفق البلد
الأمين : "وعندما عاينا البلد الأمين نشأت السحائب، وأرسلت الغرابي وأرخت
الذوائب، فما وافينا المسجد الحرام شرفه الله إلا والمطر جود أو وابل، وكل طائف
تحت ميزاب الرحمة من جود ذلك الجود نائل، وإلى أقصى أمله واصل"[31]،
بل إنه يستمع بامتثـال لقـول القائــل : "إنه تستحب تلاوة القرآن في الطواف
عند نزول المطر"[32].
إن موارد المياه في الرحلات الحجية المغربية تصبح في حد
ذاتها مزارات يحرص الرحالة بقوة على الوقوف عليها والاقتباس من نورانيتها المستمدة
من علاقاتها بالرسول عليه الصلاة والسلام، ولعل الرحالة المغربي لم يكن في هذا
الصنيع نسيج وحده، ولكنه كان مقلدا ومتبعا وحريصا على أن لا تفوته فرصة التبرك
بالوقوف على أثر النبي الكريم والاستمداد من مدده العظيم، وقد نقل العياشي عن
سابقيه بيتين يعددان الآبار التي يجب الوقوف عليها عند زيارة المدينة المنورة؛ هما[33]
|
إذا رُمتَ آبارَ النبـيِّ بطِيبـة |
|
فعدتُهـا سَبـعٌ مقالا بلا وهْنِ |
ولقد كانت هذه الآبار، ومعها آبار وعيون أخرى، قبلة
للرحالين ومقصدا للمتطهرين من الحجاج المغاربة الذين نسجوا علاقات خاصة ومتينة معها،
وسجلوا بعناية فائقة واهتمام بالغ ما خالج نفوسهم من ارتياح، وما طاف بجوانحهم من
مشاعر، ما علق بأذهانهم من ذكريات، وهم يرتوون من معينها، ويتطهرون بمائها من
أدرانهم الحسية والمعنوية، يقول ابن رشيد عن عين تبوك المباركة : " وهذه
العين صهريج كبير مطوي بالحجر يجتمع فيه ماء كثير ويخرج منه إلى جفر آخر كبير،
يجتمع فيه ماء يسيل من ذلك. وماؤها كثير عذب، فاغتسلنا من هذه العين المباركة
وتضلعنا من مائها الطيب المبارك"[34].
خاتمــــة :
ترتبط الرحلة بالماء بأكثر من علاقة وتمت إليه بغير ما
سبب ووشيجة، فالماء جزء من الرحلة الحجية، بل إنه أكثر أجزائها خطورة و أهمية
لتحكمه في حياة الرحالة ذاته وتأثيره في مسار رحلته ومصيرها.
وتتجاور جدلية الماء والحياة المتحكمة في أوصال الكتابة
العربية بدفء وأمان وبدقة متناهية في مجاهل النصوص الرحلية المغربية التي كانت
بدورها معادلا للحياة ووجها من أوجه الصراع ضد الموت والنسيان، ورمزا من رموز
الطهارة والنقاء.
[1] - الرحالة العرب والمسلمون من المغرب وإليه، عبد العزيز بنعبد الله، ضمن
كتاب : الرحالة العرب والمسلمون، اكتشاف الذات والآخر، منشورات وزارة الثقافة،
الرباط، 2003 ، ص : 204.
[2] - أدب الرحلة، الدكتور حسين نصار، مكتبة لبنان، الشركة المصرية العالمية
للنشر، 1991. ص : 118.
[3] - الرحلات المغربية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر للهجرة، محمد مكامان،
رسالة جامعية مرقونة بكلية الآداب الرباط، 121:1
[4]- رحلة الناصرية، أحمد ابن ناصر، مخطوط المكتبة الوطنية الجزائرية، رقم :
1349، ورقة 117.
[5] - الإصليت الخريت
في قطع بلعوم العفريت النفريت، أحمد ابن أبي محلى، مخطوط الخزانة الملكية بالرباط،
رقم : 4009، ورقة 133.
[6] - ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة، محمد بن عمر
بن رشيد الفهري السبتي، تقديم وتحقيق : الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة، دار
الغرب الإسلامي، 1988. 5/10.
[7] - نفسه.
[8] - من حديث الركب المغربي، محمد المنوني، تطوان، 1953، ص : 18.
[9] - ـ أنظر الرحلة
ضمن كتاب : من حديث الركب المغربي، ص : 91.
[10] - الرحلات المغربية في القرنين الحادي عشر
والثاني عشر للهجرة 121:1
[11] - ـالرحلة العياشية، عبد الله بن محمد العياشي، حققها وقدم لها : د. سعيد
الفاضلي، د. سليمان القرشي، دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي، 2006 1/118.
[12] - ـ تمت هذه الرحلة
بين سنتي 1040 هـ و 1042 هـ.
[13] - ـ أنس الساري
والسارب، ابن مليح، تحقيق : محمد الفاسي، مطبعة محمد الخامس، فاس، 1970. ص : 35.
[14] - الرحلات المغربية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر للهجرة 121:1
[15] - من هذه الأشعار نذكر ما قاله العياشي ذاته في رحلته : ( 1/274).
|
ولمْ أنْسَ بالـتيْهِ
يوْمابهِ |
|
تفانَا الـحجيجُ صَدى
وولُوها عجرود كالمُهْلِ يشوي
الوجُوها |
وقبل
العياشي فقد أنشد البكري بيتين هما :
|
لا تَسْلكنَّ بوادي
التيْهِ مُنفرِدا |
|
بلا دليلٍ ترَى وقْعَ
الردى فيهِ |
أنظر : الترجمانة الكبرى
في أخبار المعمور برا وبحرا، أبو القاسم الزياني، حققه وعلق عليه : عبد الكريم الفيلالي،
نشر وزارة الأنباء، المغرب، 1967.ص : 218.
[16] - الرحلة العياشية 1/274.
[17] - الرحلة الناصرية، ورقة 122
[18] - الرحلة العياشية 1/203
[19] - أنظر الرحلة العامرية، ضمن كتاب : من حديث الركب المغربي، ص: 94.
[20] - ـ الرحلة العياشية 1/123.
[21] - الخبب : ضرب من العدْو، وقيل : هو مِثل الرمَلِ؛ وقيل : هو أَن ينقل الفرس
أَيمانه وأَياسِرَه جميعاً، وكذلك البعير : لسان العرب خبب
[22] - ـ الرحلة
العياشية 1/130.
[23] - رحلة العبدري، تحقيق وتقديم : محمد الفاسي، منشورات جامعة محمد الخامس،
1968. ص : 145.
[24] - الرحلة العياشية 1/127.
[25] - أنس الساري والسارب، ص : 1.
[26] - الرحلة الفاسية الممزوجة بالمناسك المالكية، الطيب ابن كيران، المطبعة
الحجرية، فاس، 1306 هـ، ص: 8.
[27] - الرحلة العياشية 1/182.
[28]- لرحلة العياشية 1/ 193، ومن هذا القبيل أيضا قول العياشي " ولقيت
هناك أيضا المجذوب الصادق سيدي أبا زكية، رجل متقشف لا يؤبه له، أرى أنه ممن لو
أقسم على الله لأبره، وهو نازل وحده بساحل البحر بأهله، يرد عليه أهل الخير
السائحون في الأرض، يدخلون البادية من هناك على قدم التوكل قاصدين الحجاز الشريف،
فمنهم من يرجع بعد أعوام, ومنهم من يبقى هناك , ومنهم من لا يقف له على خبر".
[29] - ـ الرحلة
العياشية 1/433
[30] - ـ نفسه 2/204.
[31] - رحلة ابن رشيد 5/84.
[32] - ـ نفسه.
[33] - والعياشي ينقل هنا عن كتاب : وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، نور الدين علي
بن عبد الله السمهودي، تحقيق : د. قاسم السامرائي، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي،
ط1: 2001. الجزء الثالث، ص : 96.
[34] - ـ رحلة ابن رشيد 5/10