ص1       الفهرس  81-90

التواصل المسرحي

جورج مونان

ترجمة: العربي الذهبي

يغرينا اليوم الاعتقاد بأن علم اللغة الحديث يستطيع أن يمنح –لكل الذين يهتمون بالمسرح وباشتغال العرض المسرحي وبوظيفته النوعية- عصا سحرية قادرة على حل كل مشاكل المسرح. وأكثر إغراء من ذلك، مع الأسف! أن نتصور أن كل هذه المشاكل قد تم حلها من خلال الحديث عن المسرح باعتباره "لغة" وعن "دال" و"مدلول" مسرحيين، وعن "تركيب" بريختي وعن "تشفير" سينوغرافي، الخ.. لا نتبين أننا هكذا نقضي معظم الوقت في حشو قالب الاستعارات اللسانية إما ببديهيات أو بآراء عديمة السند؛ مع العلم أن الاستعارات موضة عابرة سنهجرها بعد خمس أو عشر سنوات دون أن تستفيد معرفة المسرح منها أي شيء.

علينا منذ البداية أن نحذر، بشدة، الباحثين الأصلاء في المسرح من أن الحديث مسبقا عن المسرح باعتباره لغة ينطوي على افتراض حل جميع المشاكل بما فيها تلك التي يتوجب على التحليل الدقيق والمعقد لاشتغال العرض المسرحي أن يكتشفها ويحددها أولا، ثم يتفحص كل معطياتها، وبعد ذلك قد يشرع في إيجاد حل لها. وحتى لو أخذنا بما هو أقرب إلى اليقين من معرفة لدى اللسانيين بلغة الإنسان، بالمعنى الحرفي للكلمة، (ولا تنطبق أوصافهم إلا على هذا الميدان)، فإننا سنكون متأكدين أن العرض المسرحي غير قابل للتفسير بواسطة استنساخ آلي للمفاهيم والتقنيات التي وضعت لوصف اشتغال الملفوظات اللسانية. إن اللغة لدى اللسانيين، بما هي مجموعة الألسن الطبيعية الإنسانية وليست شيئا آخر عدا ذلك (مثل الإنجليزية والصينية والباسكية والألوفية، الخ)، هي نسق للتواصل يشتغل، في مجمله، باعتباره نوعا من الشفرة التي تتميز عن غيرها بشكل خاص جدا، بحيث لم نعثر لحد الآن على بنية مثل بنيتها في أي من وسائل أو أنسقة التواصل الأخرى التي يستعملها الناس فيما بينهم.

لا تعود هذه الخصوصية فقط إلى تعقيد الشفرة اللسانية في حد ذاتها بالنظر إلى البساطة النسبية لكل الشفرات الأخرى (إذا بدا المسرح قائما، في نهاية المطاف، على نوع من التواصل المشفر، جزئيا على الأقل، القابل للتحليل على هذا الأساس، فلن يكون هناك أدنى شك في أنه سيتجلى لنا أكثر تعقيدا كذلك). إن هذه الخصوصية التي تسم اللغة تعود إلى طبيعة هذا التعقيد في حد ذاتها. فاللغة الإنسانية، بالمعنى الحرفي لكلمة لغة، شفرة ذات طبقتين. طبقة أولى يتم فيها بناء الرسالة المراد توصيلها، حسب بعض القواعد وبواسطة وحدات تسمى دالة أو مونيمات: وتشمل عبارة "هنا ينحرف الطريق" وحدات من هذا القبيل. وتضم عبارة: "مستخدمات" ثلاثا. وهناك طبقة ثانية حيث تبنى هذه الوحدات [ المونيمات ] بدورها، حسب بعض القواعد وبواسطة وحدات صوتية دنيا ومتتالية وغير دالة ومميزة فقط أو ما يسمى بالفونيمات: فعبارة "قم" تشمل ثلاث فونيمات (رغم أنها تتكون من حرفين فقط). سوف يضيع المرء وقته إذا أراد البحث فيما إن كان ديكور ما، مثلا، لا يشمل وحدات دالة، بل فيه فونيمات؛ وبالخصوص إذا سعى للبحث فيما كانت هذه الفونيمات المزعومة (ضربات الفرشاة)، مثلا، تنتظم حسب النمط نفسه من القواعد التي تحكم النسق الفونولوجي للسان ما؛ أو كذلك إذا أراد أن يبحث فيما إذا كانت المونيمات المزعومة التي سيمكن عزلها ضمن ديكور ما (باب، شجرة، غيمة، الخ)، تشتغل وفق قواعد شبيهة بتلك التي تؤلف تركيب لسان ما. إن البرهنة على أن المسرح لغة، بهذه الطريقة الممكنة وحدها من الناحية اللسانية، ستكون عملا تبسيطيا إلى حد التفاهة بل عديم الجدوى تماما.

لا يعني هذا بتاتا أن الباحثين في المسرح مخطئون حين ينتظرون ما سوف تقدمه لهم اللسانيات من مساعدة. لكننا في هذا الصدد سنحيلهم على علم جديد منحدر من أعمال اللسانيين أنفسهم وهو علم الأدلة Sémiologie، هذا العلم الناشيء الذي ما يزال يتلمس خطواته، محددا موضوعه في تحليل ووصف كل وسائل وأنسقة التواصل بين الناس وربما أيضا بين الحيوانات (نتحدث عن الوسائل حين لا نتبين في عملية التواصل التي تتناولها وحدات قارة لتشفير الرسالة ذاتها، ونتحدث عن الأنساق في حالة العكس).

إن أول سؤال يجب أن يتبادر إلى الذهن بصدد المسرح يهم معرفة ما إذا كان العرض المسرحي يشكل تواصلا أم لا. سؤال يبدو، لمن يجهل الأمور، بلا جدوى كما يبدو الجواب عنه بديهيا. إن الأمر ليس بهذه السهولة. يلاحظ إريك بويسانس في كتابه: La La communication et l'articulation linguistique, (PUF, 1967) أن "الممثلين في المسرح يشابهون أشخاصا واقعيين يتواصلون فيما بينهم ولا يتواصلون مع الجمهور"- ويمكننا القول، على الأقل، إنهم لا يتواصلون مع الجمهور بواسطة النسق نفسه (النسق اللغوي هنا تحديدا) الذي يتواصلون به فيما بينهم (باستثناء الكلام المحدود جدا والصادر عن المؤلف وبعض التلميحات إلى راهن العرض المسرحي مثلا). علينا أن نشير أيضا إلى أن التواصل اللغوي يتسم بواقعة أساس، تكون التواصل في ذاته، وتتجلى في أن المرسل يمكن أن يصير بدوره متلقيا للرسالة ويصير المتلقي مرسلا. لا شيء من هذا القبيل يحدث في المسرح إطلاقا، حيث يظل المرسلون- الممثلون هم أنفسهم دائما ويبقى المتلقون-المتفرجون أيضا هم أنفسهم كذلك. وإذا كان هناك تواصل فهو يجري في اتجاه واحد بخلاف التواصل اللغوي بمعناه الدقيق. لا يستطيع المتفرجون، بتاتا، أن يجيبوا الممثلين. قد يتم الاعتراض [ على هذا] بوجود الهمسات والتنهيدات والتشجيعات والصفير وكذا إشارات ميمية وحركية أخرى، وهي وحدها ما يمكن ملاحظته لدى الجمهور من ردود على الممثلين؛ لكن هذه الردود تنتمي إلى نسق تواصلي آخر غير الذي يكون المسرحية نفسها. ولنكرر مرة أخرى أن المتفرجين لا يمكنهم أبدا أن يردوا على الممثلين بواسطة أداء مسرحي.  يمكننا هنا أيضا أن نعترض على هذا الأمر بوجود هذه الردود الحداثية جدا والمتمثلة في تقنيات مسرح الحدث(*) happening: سنعود إلى دلالتها المحتملة التي تهم بدون شك تمديد حق المتفرجين في الرد وإعطاء مكان أوسع للتشجيعات بأشكال أخرى أثناء العرض، وربما دون تغيير جوهري في طبيعة ما يجري حين نصفق. وبالتالي، لا يكمن سر اشتغال المسرح في النسخ الحرفي لنموذج التواصل اللغوي.

لكننا مقتنعون أن هناك شيئا ما في قاعة العرض المسرحي، لا بد أن يكون من طينة ما نسميه بالتواصل. ويتجلى الحل الوحيد في أن ندرس فيما يجري كل نقطة على حدة دون أفكار مسبقة.

لنفحص في البداية علاقة المتفرج بالنص وهي علاقة أساس (لم يكن المؤلف هناك، لم يعد المؤلف هناك، لم يكن هناك أصلا)؛ نحن أمام علاقة ذات اتجاه وحيد وتواصل استبدالي يستخدم، ببساطة، الأداة اللغوية بكيفية متميزة جدا كما هو شأن كل أدب، بدون شك –أو نكاد لا نشك- يسعى المؤلف إلى توصيل شيء ما إلى المتفرج: وهو دلالة المسرحية المؤداة، بالتأكيد. لكن، علينا أن نلاحظ أن مجموع هذه الرسالة قد تم إرساله بدء بواسطة عملية غريبة تتجلى في أن التجربة مجسمة بقوة: فالكلمات والحوارات والأزمنة والأمكنة والمشاركون؛ كل هذا أعيد تشييده بكيفية خاصة باعتباره قرائن سيستند إليها كل متفرج للقيام بتأويله الخاص، مثلما أن المؤلف سبق وأن قام بذلك لحسابه الخاص. (إلا أن تأويل القرائن، كما يظهر عن بعد، لا يشتغل مثل تفكيك شفرة الأدلة. يستطيع طفل في السادسة من عمره أن يفك شفرة كل الرسائل اللغوية التي نبثها إليه ضمن لسانه. فأي متفرج بمقدوره أن يزعم تفكيك شفرة كل المسرحيات التي شاهدها تفكيكا حرفيا وبحسب النسق نفسه؟) يتم التواصل مع النص بواسطة الأداة اللغوية، لكنه ليس تواصلا لسانيا.

بالإضافة إلى ذلك، يكون النص مبثوتا عبر قناة الممثل. يمكننا أن نذهب إلى أن الممثل، بما هو كذلك، يتواصل مع المتفرج (أو يوصل إلى المتفرج…الخ) وأن الأمر يتعلق هناك بنمط آخر من "التواصل" الذي لم يعد أي شيء ذي طبيعة لسانية. ولعالم النفس والمحلل النفسي وحدهما القدرة على توضيح هذه العلاقة المعقدة من الانخراط أو عدمه في جرس الصوت وفي الإيماء وفي الحركات وفي السلوكات المادية للشخصية موضوع التجسيد. يمكن أن يدعى هذا النمط من العلاقة مشاركة أو تقمصا أو إسقاطا أو غير ذلك. وبإمكان الممثل كذلك أن يتلقى ردا خاصا عن إرساله لمثير خاص به ومختلف عن النص الذي يجسده –همهمة القاعة كما نقول، وكذا كل ما يؤشر على أن هذه العلاقة بين الممثل والمتفرج قائمة إيجابا أو سلبا.

إن على الممثل والنص المصاحب له أن يبنيا علاقة جديدة وخاصة، هي تلك التي تقوم بين المتفرج والشخصية المسرحية- ومن الأكيد أنها ليست مطابقة لتلك العلاقة السالفة، كما أنها، بدون شك، ليست تواصلا بالمعنى الحرفي للكلمة؛ حتى وإن كانت منقولة عبر كلمات فليست ذات طبيعة لغوية بتاتا (إنها، أيضا، بدون حوار ممكن ينطلق من المتفرج باتجاه الشخصية المسرحية). ومن المحتمل منذ البداية أن تكون هي أيضا مشاركة أو تقمصا أو إسقاطا أو علاقة ثقافية معقدة.

لكن، من اللازم كذلك أن نوضح كيف يتواصل مصمم المناظر (الديكور) أو كاتب السينوغرافيا بدورهما مع المتفرج. وهنا أيضا على الصعيد السيميولوجي لا بد أن ننجز كل شيء من البداية. توجد أو وجدت تصورات للديكور كانت تنسبه إلى شفرة حقيقية (قائمة من المسكوكات) حيث، مثلا، يدل العمود الدوري على العصر القديم ويدل المعبد الصغير ثماني الأضلاع على القرن الثامن عشر وتدل الجفنة والإبريق الطينيان على الحياة القروية وتدل النخلة على إفريقيا – وقد تكون كل فترة أو مدرسة مهددتين بتحويل هذه العلاقة الخاصة بهما والتي تبتكرانها لأجل الوصول إلى المتفرج، إلى شفرة من هذا النمط. وهناك تصورات أخرى تجعل من الديكور مجرد نوع من المرافقة التي تفتقد أي قرائن مقامية خاصة، وترى فيه تصورات أخرى عنصرا بصريا مصاحبا كما ترى أخرى أنه نوع من الترجمة إلى لسان آخر، كالترجمة البصرية المجردة لنغمة ما مثلا وليست ترجمة لحمولة الأثر، الخ. هكذا وكيفما كان الحال، يرسل مصمم الديكور شيئا ما إلى المتفرج ولا بد من تحليل هذا الإرسال. وسوف نتمكن كذلك من تحليل علاقة المخرج بالمتفرج بقدر ما تبدو مضبوطة بقرائن قابلة للإدراك (على المدى البعيد). وكذلك الأمر بالنسبة للعلاقة القائمة بين المتفرج والمؤلف وهي علاقة غير مباشرة كما نرى- علاقة قال عنها بويسانس، بحق، بأنها يمكن أن تقوم، "لكن الأمر حينئذ يتعلق بـ [تواصل ] ينضاف إلى العرض". (سيلاحظ القارئ أني لم أستعمل عبارة: تواصل بل: علاقة: فأي تواصل، بالمعنى الضيق للكلمة، يوجد هنا غير كونه تواصلا متخيلا، نتخيل حصوله مع مؤلف توفي منذ مائة سنة ومع مخرج لا نراه أبدا إلا من خلال بعض الاستجوابات بعيدا عن عملية الإخراج ومع مصمم للديكور نجهل اسمه دائما؟).

بدون شك، سيكون علينا أيضا أن نفحص العلاقة التي تنشأ داخل القاعة بين كل متفرج على حدة وبين باقي الجمهور بواسطة العرض – لأن هناك علاقة مدركة، حتى وإن لم نتوصل بعد إلى تحليلها بكيفية مغايرة لتحليلنا لإنارة القاعة. بصدد هذه النقطة، سنهتم بما سماه الإتنوغرافي الإنجليزي مالينوفسكي بالمشاركة الوجدانية La communion phatique. هكذا كان يسمي، بمعنى واسع، هذا النوع من التوافق والسعادة الحاصلين، دون قصد لتوصيل أي رسالة، بفعل أقوال أو أصوات [صياح ] بدون دلالة، وفي ظروف محددة بوضوح وذات طابع طقوسي معين، حتى وإن كانت جزء من الحياة اليومية. وأخيرا سيكون علينا كذلك أن ندرس هذا الصنف من العلاقة الناشئة بين المتفرج ونفسه حين يشاهد العرض المسرحي.

بمجرد ما طرحنا هذا المخطط الأولي لما يمكن القيام به من تحليل منهجي لما يجري أثناء العرض المسرحي، يتضح لنا بجلاء لماذا يعتبر القول بأن المسرح "لغة" (لسانية)، كلاما بلا معنى. لكن، هل بإمكاننا أن نتحدث حتى عن تواصل مسرحي، غير لغوي كيفما نشاء، إلا أنه يظل تواصلا، بحصر المعنى؟ إذا شئنا أن نعلم ما المقصود حين نتكلم عن التواصل، فلنذكر بإصرار أن مرسلا ما (لرسائل معينة) يتواصل مع متلق لهذه الرسائل إذا كان بإمكان هذا الأخير أن يجيب الأول بواسطة القناة نفسها والشفرة نفسها (أو بشفرة قادرة على الترجمة الكاملة لرسائل الشفرة الأولى). لا يوجد مثل هذا النمط من التواصل في المسرح، إذا استثنينا شفرة الردود المكرورة، الفقيرة فكريا، والتي تكون مشفرة أحيانا (مثل طلب الإعادة الخ). ويبدو أن مسرح الحدث [ أو الارتجال ] أو المسرح داخل القاعة أو مسرح الشارع الخ، تمثل أشكالا من البحث لإدخال المتفرجين إلى دارة تمكنهم من أن يصيروا بدورهم مرسلين، دون أن نستطيع القول بأن تدخلهم يشكل ردا، من النمط التواصلي، على الممثلين. وسيكون من المشكل دراسة طبيعة وبنية هذا الرد. (لننظر فقط إلى أن عمل الممثل حرفة وأن الارتجال جزؤها الأصعب قبل أن نقرر بأن المتفرج في حدث مسرحي مرتجل يرد على الممثلين بلسانهم الخاص) .

في هذا الصدد، يبدو لنا أن تفسير ما يجري في المسرح بواسطة مفهوم الإثارة Stimulation (بالمعنى الذي يعطيه علماء النفس لهذه الكلمة) أفضل من مفهوم التواصل. إن كلا من المؤلف والمخرج ومصمم الديكور والملابس وواضع السينوغرافيا لا ينحون إلى "قول" شيء ما للمشاهدين، كما يفكرون كلهم في ذلك عن طريق مفهوم غير دقيق، بل إنهم ينحون إلى التأثير في المشاهدين. فالدارة التي تنطلق من الخشبة باتجاه القاعة هي بالأساس دارة (معقدة جدا) من نمط: مثير-رد [ أو إجابة] Stimulus-réponse. إن ما نبحث عنه، على أي حال، هو حصول التأثير في المتفرجين. من ثم سوف يمكننا، بدون شك، أن نحلل ونصف اشتغال كل هذه الصيغ المسرحية الجديدة بكيفية أحسن: مسرح الحلقة Le théâtre en rond والمسرح داخل القاعة [ التي تصير خشبة]، مثلا، كصيغتين تبحثان ربما عن وسائل لتوسيع المشاركة الفيزيائية للمتفرجين، وذلك ما تعثران عليه بالتأكيد، وأما مسرح الفستون Théâtre de Veston فقد يكون بحثا عن أكبر قدر من التقمص؛ وكذا كل ما ينقل إلى المسرح التقنيات المعروفة إتنوغرافيا، من صياغة طقوسية إشارية وإيقاعية وعملية –من نمط الرقص الطقوسي [الشعائري ] أو الغناء الجماعي Jam-session أو الفريضة الدينية أو الاحتفال أو التظاهرة الجماهيرية، الخ-، تستهدف إحداث المشاركة والتقمص والإسقاط، لدى المتفرج، بواسطة التقليد الجسدي العفوي لهذه الصيغ الطقوسية، بالمعنى الحرفي للعبارة. ليس من مهام عالم اللغة أن يمضي في تفصيل هذه الخطوط العريضة إلى أبعد حد، وكل ما بإمكانه فعله هو اقتراحها انطلاقا مما توصل إليه الدرس السميولوجي. يبدو التمثيل représentation المسرحي حينئذ بناء لشبكة من العلاقات المعقدة جدا بين الخشبة والقاعة وأحسن صورة تجسدها هي التقسيم الذي يقوم به رئيس الجوقة: ففي كل لحظة وعلى جميع الأصعدة (النص وأداء الممثل والإنارة والتلوين والملابس، وتطور الأحداث، الخ) يتم إنتاج مثيرات لغوية وبصرية وضوئية وحركية وتشكيلية-ولكل منها نسقه الخاص الذي يمكن تفسير قواعده الأساسية، إن تصور العرض المسرحي على هذا المنوال لا يبخس ولا يمس في شيء ما للمسرح من قيمة معروفة، بل يحاول فقط أن يبين اشتغاله الواقعي. قد يتأسف البعض على كوننا نحرمهم من الكلام، مهما كان استعاريا، عن لغة المسرح أو عن التواصل المسرحي، هذان المفهومان اللذان ينظر إليهما عادة باعتبارها أكثر نبلا من غيرها من الناحية الثقافية. لكن لم تصير حقيقة اشتغال المسرح أقل نبلا من الأوهام التي صنعناها بصدده؟ فالتحليلات التي نطرحها هنا لا تمس بتاتا الدلالة الجمالية للعمل المسرحي مثلا. إنها تقترح فقط تناول مصدر الدلالة الجمالية الكلية للعمل المسرحي.

سوف يتم التفكير كذلك في أن ما قيل ليس فيه اكتشاف لأي شيء غير ما كنا نعرفه دائما أو في الغالب بالحدس والتجربة حول العرض المسرحي؛ وأن الأمر لا يتعدى إعادة صياغة لأشياء معروفة جيدا. لا يجانب هذا الرأي الصواب. ما يتم التعبير عنه وتحليله هنا لا يتجاوز تجربة مشاهد وعاشق للمسرح خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تثيره المشكلات التقنية للمسرح بدرجة أقل مما تثيره مشكلات الاستهلاك المسرحي، إنه مشاهد عاد زاده لمحاولة فهم تجربته الخاصة، هو ببساطة ما أكسبته مهنته كعالم لغة وكذا تأمله في علم الأدلة. قد يتجلى إسهامه الوحيد والأصيل في وضع تنظيم نسقي لما كنا نعرفه بكيفية مبعثرة حول المسرح ثم إدماج كل هذه المعارف الفنية الثرية والمتفرقة والمتعارضة دائما، في إطار نظرية مسرحية موضوعية ممكنة. إن هذا المشاهد، عالم اللغة وعالم الأدلة، الشغوف بالمسرح وبالحقيقة العلمية للمسرح يمكنه أن يسمح لنفسه ويضيف القول: إن أضأل جزء من حقيقة موضوعية حول المسرح أثمن بلا حد من الإعلانات التكهنية الكبيرة ومن التضخيم النبؤي، وهي ما يتحصل لدينا دائما هنا: أي "الأدب" حول المسرح. (لا يعني هذا أن كبار المسرحيين، كأرطو مثلا، لم يقولوا شيئا وجيها، بل بالعكس: إلا أن حدوسهم ظلت ملفوفة –مثل حدوس الرسامين- في سيل من الخطابة المصطنعة عامة، ومن النزعة الوعظية [ الحكمية] الغامضة التي نحسبها عميقة لأنها جوفاء وكذا من التعابير الذاتية الغنائية. إنه عمل يتجاوز أن نستخلص من كل هذا قسط التجربة المسرحية المعيشة بعمق، والإشارة الكاشفة التي بإمكانهم وحدهم، مع ذلك، الوصول إلى الإفصاح عنها. ومن الأسهل دائما تقليد أسلوبهم الرديء أكثر مما يمكن التحكم في حدوسهم الوامضة التي تشكل عظمتهم).

إن ما نسميه عادة، عن خطإ، تواصلا مع المؤلف أو المسرحية، هو بلا شك، ولدى كل مشاهد، عبارة عن تأويل لدلالة هذه المسرحية انطلاقا من مؤشرات يوفرها العرض وهي النص، طبعا، دون الحديث عن الإضاء الثقافية التي تحصل بفضل معرفة المؤلف والمرحلة والمسرح عامة، إلا أن هناك أيضا ما تحمله وتضيفه إلى النص كلية الوضعية المسرحية والممثلون والديكور وتطور الأحداث ودرجة الاستقبال الخاصة بالمتفرجين والتأثير المتبادل في المتفرجين. إن "دلالة" مسرحية ما أبعد ما تكون عن دلالة رسالة لغوية محضة وليست كذلك بالنسبة لدلالة حدث معين. نؤول عرضا مسرحيا تماما مثلما نؤول حدثا شاهدناه أو شاركنا فيه؛ لا نقرأه ولا نفك شفرته مثلما نفعل برسالة لغوية عادية (غير جمالية). ببساطة، يتم بناء العرض المسرحي عموما باعتباره نوعا خاصا جدا من تعاقب الأحداث المنتوجة قصدا لكي تخضع للتأويل. لن يكون علم أدلة المسرح شيئا آخر غير البحث المنهجي، في نهاية المطاف، عن القواعد (إن وجدت) التي تحكم الإنتاج المعقد جدا، للقرائن والمثيرات الموجهة لإشراك المتفرج ما أمكن في حدث مصنوع بكيفية خاصة، ويرجى دائما أن يكون دالا بالنسبة له وأكبر قدر ممكن يمكن (دالا بالمعنى اللساني الضيق للعبارة هذه المرة: التجربة الجمالية التي تتحصل لدى المتفرج من جراء مشاهدتها). فيما يبدو لي، وبصدد النقطة التي نقف عندها، إن فرضية المسرح باعتباره إثارة معقدة، هي الفرضية الوحيدة التي تسمح بتناول أثره [المسرح]، أي هذا التطهير الذي يذكر دائما ولا يمكن تفسيره بفضل الفهم الفكري المحض للنص ولا حتى للعرض. إنها تفسر أيضا هذه الظاهرة التي لم يلق عليها الضوء يوما بحق ولا حتى تسميتها: إنها تطهير الممثل – لأن الممثل أيضا (وهذا تبرهن عليه سير الحياة) يأتي باحثا في الفعل المسرحي عن شفاء لشيء ما بداخله لا يمكنه الحصول عليه، مهما كان عابرا وقابلا للزوال، إلا من خلال رد [جواب ] الجمهور.

 

  – نشر هذا النص في مجلة Contact،  نيس، 1970. وترجم إلى الإيطالية في مجلة Il Portico، مانتو Mantoue، عدد 25، غشت 1970، ص3-7.

(*) النص مأخوذ من كتاب:

George Mounin: Introduction à la sémiologie, Ed. Minuit, 19.., Paris, pp87-94.

 



(*) اتجاه مسرحي ظهر في أمريكا يقوم على إشراك الجمهور في تمثيل العرض من خلال خلق أحداث تخضع للمصادقة والارتجال (م).