فانسون جوف
ترجمة محمد آيت لعميم
ظروف الفعالية القرائية :
ففي الوقت الذي يتجنب فيه الملفوظ الشفهي
التعمية عبر إحالات مباشرة ومستمرة للمقام الزمكاني المشترك بين المتخاطبين، فإن النص
يتمثل للقارئ خارج مقامه الأصلي. فليس للمؤلف والقارئ إطار مرجعي مشترك. فما في حوزة
القارئ سوى أن يقوم بإعادة بناء السياق اللازم لفهم العمل الأدبي مستندا في ذلك إلى
بنية النص، أي لمجموع علاقاته الداخلية.
هكذا، ففي اللحظة التي يرتكز فيها حوار ما
على المقام الذي هو بمثابة إطار للتبادل، فإن القارئ يلج عالم النص باعتباره موضوعا
مستقلا، ومنغلقا. فالرسالة الأدبية المنفصلة عن سياقها تستقبل كأنها نظام مغلق لا تتخذ
مكوناتها المختلفة معناها إلا في علاقتها المتبادلة. فحينما لا نتمكن من ربط عنصر ما
بسياق نجهله، فإننا نبحث عن وظيفته داخل البناء الذي يشكله العمل الأدبي. فبالنسبة
للقارئ تتم الأور كما لو أن النص يبدع نسقه المرجعي الخاص به.
إذ خاصية التواصل المكتوب هذه، ليست خاصية
سلبية قعا، كما لاحظ ذلك و آيزر : "إن الخطاب التخييلي محروم من مقامه المرجعي
حيث أن التحديد الدقيق يضمن للفعل اللغوي تحققه الكامل. هذا النقص البدهي لا يعني إخفاق
الخطاب التخييلي، لكنه يشكل نقطة انطلاق كي نضبط بشكل أفضل مصدر خصوصية الخطاب التخييلي"
(فعل القراءة، آيزر Mardaga،
1985، ص 117).
فما يشكل نقصا في الخطابات التي تتمثل وظيفتها
الأولى في الإخبار، لا يشكل بالضرورة نقصا، بالنسبة للنصوص الجمالية التي توجهها غاية
مختلفة.
2-وضعية النص المقروء:
إن الخاصية التأجيلية للتواصل الأدبي، هي
التي تصنع بالتحديد غنى النصوص بطريقة أو بأخرى. فالنص ينفتح على تعدد التأويلات حينما
يتلقى خارج إطاره الأصلي : فكل قارئ جديد يحمل معه تجربته وثقافته وقيم عصره، فبيير
باربريس يمكنه أن يؤول روايات BALZAC
على ضوء الماركسية،
و"شارل مورون يعيد قراءة" ملا رمية من خلال التحليل النفسي.
وبتعبير بول ريكور، "فالمعنى يتجاوز
الحدث" في العمل المكتوب، وبعبارة أخرى، فالمعنى ينفلت من لحظية الخطاب الشفهي،
(الذي هو دوما حدث زائل)، وذلك عبر طرق أربعة :
- بواسطة التثبيت، الذي
ينقذه من الزوال.
- بواسطة التفكيك، الذي
ينقذه من القصد الذهبي للمؤلف.
- بالانفتاح على العالم
الذي ينتزعه من حدود وضعية الحوار.
- بعالمية المواجهة
غير المحدودة.
("الحدث والمعنى
في الخطاب") ص 183.
إن هذه الخاصيات الأربعة توضح الإمكانيات
المعتبرة للرسالة المكتوبة.
في حين أنه في الخطاب الشفهي يموت الكلام
حاكما يتلفظ به، فالنص المكتوب يصمد أمام الزمن، فحتى اليوم لا نزال نستمع لهوميروس
وأفلاطون.
فالرابط الذي يربط المتكلم بخطابه ينقطع،
في حين أن المكتوب يمكن القراء من رؤية أشياء أخرى في النص أكثر من مشروع المؤلف. فتعدد
التأويلات التي يمنحها لنا عمل شكسبير تأتي في جزء كبير منها من جهلنا التام تقريبا
بشخصية المسرحي. فالمؤلف لم يعد هنا لينكر هذه القراءة أو تلك، وحقل الدلالة يمكنه
أن يتطور إلى ما لا نهاية.
فبتخلصنا من الوضعية، الخاصة، التي تحد التبادل
الشفهي، فإن النص يوسع من أفق القارئ فاتحا له عالما جديدا، فمرجعيات هذا الأخير غير
محددة. فمن خلال قراءتنا CECERO ، ندرك أنه
ليست الجمهورية الرومانية القديمة هي ما سيكتشف القارئ المعاصر، لكن ما سيكتشفه هو
ما يتبقى له سهل المنال من هذه القرون التي تفصله عن الجمهورية : مجموعة من السمات،
المخترقة للزمن، التي يمكنها أن تستغل اليوم بطريقة رمزية.
وأخيرا، فباستبدالنا مجموعة من القراء المفترضين
بشكل نهائي بالمواجهة المحدودة للتواصل الشفهي، يكتسب النص بعدا عالميا، فالكتاب المقدس
عرف قراء انتموا لكل العصور، وكل القارات، وكل الطبقات الاجتماعية.
"فغياب سياق" الرسالة المكتوبة،
شرط لتعدد النص.
هل كل
قراءة مشروعة ؟
نظرا للخاصية النوعية للتواصل الأدبي، يمكننا
أن نتساءل ألا يحق لكل قارئ أن يؤول النص كما يحوله ؟ ففي الحدود التي يكون فيها العمل
مفصولا عن سياقه، ناذرا ما يقرأ العمل كما يريد مؤلفه أن يراه. أليس من المنطقي أن
نتخلى عن استخلاص القصد الأول وأن لا نرى في النص إلا ما نريد رؤيته ؟.
فكما وضحنا، إذا لم نستطع اختزال العمل الأدبي
في تأويل واحد، فإنه والحالة هذه، هناك دعائم الإثبات. فبكل تأكيد، يسمح النص بقراءات
عديدة. لكنه لا يسمح بأية قراءة كما اتفق "تلاحظ كاترين كربرات – اوريشوني"
أن القراءة ليس معناها إرخاء العنان لنزوات الرغبة والهذيان التأويلي". لأنه
"إذا استطعنا أن نقرأ أي شيئ في أي نص (...) فكل النصوص ستصبح سواء" (التلفظ
الذاتية في اللغة ص 181. A.Colin 1980).
وحسب رولان بارت، إذا أرادت القراءة أن تكون
مشروعة يجب أن يتوفر فيها معيار الانسجام الداخلي :"فلا تتعلق موضوعية الناقد
كلها باختيار الشفرة، ولكن بالصرامة التي يطبق بها النموذج المختار على النص".
(نقد وحقيقة، 1966، ص 20 )
وهكذا تكون لدينا ثلاث قواعد كبرى للإثبات
: فيجب أن تكون شبكة التأويل قابلة للتعميم على مجموع العمل، محترمة المنطق الرمزي
(كما استخلصه التحليل النفسي) وتسير دوما في نفس الاتجاه. وبعبارة واحدة، فالإحكام
هو مقياس القراءة.
على هذه الطريقة اعتمد بارت من أجل صياغة
قراءته الخاصة لراسين : فبالنسبة له لا يتعلق الأمر باستخلاص حقيقة ما من العمل. ولكن
أن يواجهها بلغة خاصة (التي كانت هي اللغة البنيوية والتحليل النفسي).
أضاف بول ريكور لمبدأ الإنسجام الداخلي مبدأ
الانسجام الخارجي :
فلا ينبغي للقراءة أن تسير ضد بعض المعطيات
الموضوعية (السيرية، والتاريخية أو معطيات أخرى) الموجودة في النص. أليست كل القراءات
متساوية ؟
"فلا يجب أن يكون التأويل محتملا، ولكن
أن يكون أكثر احتمالا من تأويل آخر.
فهناك معايير نسبية للأفضلية" (من النص
إلى الفعل، Mardoga 1985 – ص 117).
إن الإجابة المقنعة كثيرا هي تلك التي تقدمها
المقاربة السيميائية للقراءة، والتي ترتكز على الحالة الآتية : فالتلقي في جزء كبير
منه، مبرمج من طرف النص، ومن تم، فلا يستطيع القارئ أن يفعل أي شيء يريد. وإذا أردنا
أن نساعير تعبير أمبرتوايكو، فعلى القارئ التزامات "فيلولوجية" إزاء النص،
عليه أن يكشف ما أمكن، مستودعات المؤلف. وإلا سيجازف بتشفيرات زائغة. هنا يذكر إيكو
رواية "أسرار باريس" فرواية Engene Sue هي أولا، موجهة لجمهور ميسور والتي
يتمنى فيها مؤلف الروايات المسلسلة أن يسلس الجمهور بلوحة جذابة عن أحياء البؤساء في
باريس، ولقد تلقت البروليتارية في القرن 19 الرواية كوشاية عن شروط حياتهم البئيسة،
فالروائي Sue
حاول، وهو يعي الظاهرة، أن يقنع هذا الجمهور الشعبي بأن تحسين وجوده
يجب أن يمر عبر الطريق الإصلاحي والخضوع للطبقات المسيرة. لكن "خطأ القراءة"
يتواصل وسيصبح له، حسب Eco، نتائج معتبرة : فسنجد قراء رواية "أسرار باريس"
فوق المتاريس في يونيو 1848. إن تأويلنا لرواية باعتبارها رواية ثورية، في حين أنها
موضوعيا تعد رواية إصلاحية، هذا يعني أن قراء Engene Sue، بطريقة ما، قد مارسوا
الغش مع النص.
إذن فليست كل القراءات مشروعة، هناك، كما
يلاحظ إيكو، فرق جوهري بين استعمال النص (أي ممارسة العنف ضده) وتأويل النص (أي القبول
بنمط القراءة التي يبرمج).
* القراءة الساذجة والقراءة النقدية :
1-أخذ الجمهور الأول بعين الاعتبار :
ما هي القراءة من بين مختلف القراءات التي
يسمح به النص ينبغي أن نأخذ بها من أجل التحليل ؟.
إن إحدى الإجابات الممكنة عن هذا السؤال
هي إجابة المنظر الألماني "هانز روبير ياوس"، الذي لا يريد قطع القراءة الأولى
للعمل. لأن الطريقة الوحيدة لإدماج دراسة التلقي في التاريخ الأدبي، هي بالفعل استخلاص
القراءة المهيمنة في العصر الذي كتب فيه النص :"إن تحليل التجربة الأدبية للقارئ
سينفلت من النزعة النفسانية المهدد بها عن هو أعاد بناء أفق انتظار الجمهور الأول،
من أجل وصف تلقي العمل والأثر الناتج عنه" (من أجل حماية التلقي، كاليمار،
1978، ص 49).
إن الإطار العام الذي يشرط القراءة
–"أفق الانتظار" – يجب إعادة بنائه إن نحن أردنا أن نحكم على جدة، وأهمية
وصدمة العمل أثناء ظهوره. لقد حدد "ياوش أفق الانتظار من خلال المعايير الجمالية
الأساسية : من خلال المعرفة التي يكونها الجمهور على الجنس الذي ينتمي إليه العمل،
والتجربة الأدبية الموروثة من القراءات السابقة (التي جعلت الجمهور يألف بعض الأشكال
والتيمات)، والتميز المعمول به بين اللغة الشعرية والعملية. هكذا فدراسة رواية
"مدام بوفاري".
تلزمنا باستدعاء ما كانت عليه رواية العاطفة
في 1857، وتحليل انتظارات جمهور ضجر من الرومانسية، وبدأ يشد انتباهه الموضوعات الأكثر
واقعية" (مثل الخيانة الزوجية"، وتحديد ما الذي لا زال يجعل من اللغة لغة
أدبية : أسلوب مزخرف معتبر، يشكل الجانب الجميل للتدفق الغنائي. فالعامل الاجتماعي،
كما نرى، مقصي شيئا ما :
فالتكوين الاجتماعي في القيم الجمالية لم
يفحص، ومهما يكن، فإننا لا نفارق المنظور التاريخي، وبدون هذا الاعتبار للجمهور الأول،
أي مجموع القراء العاديين، فإننا لن ندرك مصير هذا العمل أو ذاك، ولن نفهم تطور الأدب،
وأخيرا لن ندرك تاريخ الأجناس الأدبية.
2-القراءة الخطية :
إن
العبور من نظرية التلقي، التي لا زالت متأثرة بالمنظور التاريخي، إلى سيميائيات القراءة
التي تولي اهتماما للبنيات النصية، يقودنا إلى طرح المشكل بلغة مختلفة.
‘ذا ما ارتبطنا باستخلاص مسارات القراءة
المثبتة في النص، فإن الخيار النظري الاساسي يقابل بين القراءة الساذجة (يعني القراءة الأولى، التي
تمثل للسير الخطي للكتاب) والقراءة "المحترسة" (حيث القارئ، أو بالأحرى
"الذي يعيد القراءة" يمكنه استعمال معرفته العميقة بالنص ليفكك شفرة الصفحات
الأولى في ضوء النهاية).
إن القراءة الساذجة هي السائدة في الغالب.
لقد صيغ النص في البداية ليقرأ في تتابعه الزمني (ما نحلم به من خلال آثار "التشويق"
في الرواية البوليسية". وإذا أردنا أن نعرف كيف يشتغل، يلزمنا أن نحلله. لنختبر
مثلا، مقطعا من رواية "الحياة الحقة لسباستيان كنايت" لنا بوكوف" فالسارد
يقوم بتحقيق حول أخيه غير الشقيق. وهو كاتب مات منذ زمن قريب، من اجل أن يكتب سيرته.
علم بأن حياة أخيه Sebastian
قد تحطمت بسبب حبه
لامرأة تدعى Hélène
Von Gram . ذهب مرة عندها :فاستقبل من رطف السيدة Le Chef، صديقة السيدة Von Gram، والتي اقترحت عليه
موعدا معها. في بداية الفصل XVII
السؤال الذي يطرح
على القارئ تقريبا هو كالتالي : هل سيلتقي السارد أخيرا بالسيدة Hélène Von Gram، هذه الشخصية المفتاح
في حياة Sebastian ؟ إن رد الفعل الأول للقارئ (خاصة إذا كان
يعرف جيدا عمل نابوكوف) هي الإجابة بالنفي، فإثارة انتظرا سردي نؤجله لحظة قبل أن نملأه
هي تقنية مستهلكة جدا.
وفي رد فعل ثان، ينبغي على القارئ أن يتعرف
على أن الامتناع عن ملئ انتظار قد انتهى، هو الآخر، بسكه ضمن موقع في الرواية المعاصرة
:
فنابوكوف لا يستطيع تجاهله. ومن خلال هذا،
يختار الكاتب حلا ثالثا : فالسارد يتواجد وحيدا مع السيدة Le
chef في منزل ريفي (من أول وهلة لم يملأ انتظار القارئ)، لكنه يكتشف في نهاية
الفصل بأن السيدة Le chef
ليست شخصا سوى السيدة
Hélène Von Gram (إذن فالانتظار قد
أشبع، لكن ليس بالطريقة التي انتظرنا، وإذن
فإننا فقدنا كل أمل).
إن هذه اللعبة بين النص والقارئ – وهي إحدى
الغوايات الأساسية للقراءة – ترتكز كلية على خطية الحكاية. فالبعد اللعبي في النص مدين
جدا للقراءة الساذجة.
3-إعادة القراءة :
إذا
كانت القراءة الخطية هي الأكثر احتراما لقواعد اللعبة، فإنها ليست بالضرورة الأكثر
أهمية، فالتتابع ليس هو البعد الوحيد للحكاية :
إذ النص ليس فقط "سطحا ولكنه أيضا
"حجم"، حيث أن بعض الارتباطات لا تدرك إلا في القراءة الثانية. من هنا ينبغي
التفكير في أن إعادة القراءة الثانية. من هنا ينبغي التفكير في أن إعادة القراءة هي
العملية الأكبر ملاءمة لتعقد النصوص الأدبية. ليست هناك سوى خطوة. ويبدو أن Picard هو المؤهل لتجاوزها :
"إن ممارسة التفسير المفصل للنص، في
الدراسات الأدبية (التي تغير منهجها، وخاصة حقولها المرجعية)، تقود إلى التساؤل التالي : ألا تكون إعادة القراءة، بعيدا عن كونها،
اتفاقية وجزئية، مدينة لفلتات اللسان، وغايات القصد، نسقية وشاملة، لكنها خاصة بهواة
متذوقي الفن، ضرورية بإلحاح ودقة، وبشكل منطقي، في نفس نسق القراءة العادية، فقط من
أجل الفهم – إنها تغذية راجعة. بمستوى عال أكثر تحررا ووعيا.
(قراءة الزمن minute،
1989، ص 49).
صحيح أن التأثيرات "المتبادلة
" التي تسمح بها القراءة هي دوما متلازمة
من أجل إدراك، أو فهم إحدى المقاطع النصية، فالجملة الأولى Bel
ami هي("حينما ردت الصرافة مائة فرنك، خرج
George Duroy من المطعم")،لا يمكن أن نتذوقها جيدا إلا إذا عرفنا، من خلال ما سيأتي في النص، أنه بفضل النساء- حيث الثقل الحالي
ملازم – سيرتقي Georges Duroy سلاليم الترابتية الاجتماعية . وحتى إسم الشخصية Georges
Duroy ، لا يأخذ قيمة إلا في النسق الذي يشكل مع التيمات الأخرى المخصصة لتعويضه:
بالكيفية، Bel Ami، الذي يشهد بالطبع
على النجاحات النسوية للبطل، لكن أيضا العنوان << البارون جورج روي دوكانتيل>>
التي تشير إلى تشريف البطل وتظهر أعلى مراتب نجاحه. هذه التأثيرات المختلفة للمعنى
( معنى جملة الافتتاح، والاسم الرئيسي) لا يمكن إدراكها إلا إذا عرفنا مسبقا، ما الذي
سيقع أثناء قراءة ثانية.
فعندما ينبني العمل الأدبي، تصبح إعادة القراءة
ضرورية وليست أمنية.
La lecture , Hachette livre, 1993 –
Vincent Jauve