إسماعيل
العثماني
لقد ظل الاستشراق الروماني مجالا معرفيّاً مجهولا
بالنسبة إلى الباحثين العرب، الذين انصبَّتْ جهودهم على تقييم الاستشراق الفرنسي والبريطاني والألماني، وبنسبة أضعف الاستشراق الإسباني والإيطالي
والروسي. ولمحاولة استدراك ما فات وسَدّ بعض الفراغ، قرّرْتُ أن أقدّم هذه العرض معتمداً على ما
بلغني من معلومات ومعطيات في هذا الموضوع، كانت آخِرها ترجمة لمعاني القرآن الكريم أنجزها الأستاد
جُورجْ غْريغوري وكتاب حول الاستشراق من تأليف الأستاذة ناديا أنْغِلسْكو، التي
وضعته بالعربية مباشرة وعَنْوَنته الاستشراق والحوار الثقافي (دائرة
الثقافة والإعلام، الشارقة، 1999). ويسعى هذا الكتاب في تصَوّرها
إلى تصحيح تلك الصورة السلبية والتنميطية المَسقوطة على المستشرقين في العالم
العربي والإسلامي.
الأستاذة أنغلسكو متخصصة في اللسانيات العربية ولكنها
تتطرق في هذا الكتاب لأمور تُهم، مبدئياً على الأقل، قُطبَيْ الشرق والغرب
والعلاقة فيما بينهما، وكذا الدور المنوط في رأيها بالمستشرقين لخَلق وتكريس
الحوار بين الثقافة العربية (والإسلامية) والثقافات المنتمية لشعوب أخرى. أما
الأستاذ غريغوري فهو مُتخصّص في الأدب والتراث العربي تعميماً (حي بن يقظان، إلخ)،
كما يهتم بترجمة الأدبيْن الحديثيْن العربي والروماني، هذا إلى اللغة العربية وذاك
إلى اللغة الرومانية. وتأتي ترجَمته لمعاني القرآن الكريم بعد سنتين من صدور ترجمة
الأستاذ نيكولايْ دُوبريشانْ، وإنْ كان غريغوري بدأ عمليّاً بهذه الترجمة قبل
مواطنه دوبريشانْ. ولعل الفرق الأبرز بين هاتين المحاولتيْن (المقبولتيْن في حدود
معرفتي المحدودة باللغة الرومانية وقراءتي الأولى في المتنيْن) لترجمة معاني
القرآن الكريم يتمثل في أن دُوبريشانْ اعتمد قاموساً دينياً لاتينياً ومعاصراً إلى
حد كبير، فيما استعمل غريغوري القاموس اللاهوتي العريق السائد لدى الكنيسة
الأورثودوكسية. ولاعتبارات موضوعية، سأتوقف في هذه الورقة بشكل خاص عند كتاب
الأستاذة أنغلسكو المذكور أعلاه، ثم، بشكل سريع، عند مقالة عن الاستشراق الروماني
كتبها الأستاذ دُوبْريشانْ.
تعرَّفتُ شخصيّاً إلى الأستاذة أنغلسكو في ندوة دولية
حول الاستشراق انعقدتْ بتطوان سنة 1996، والتي تحدَّثتُ في إحدى جلساتها
عن الاستشراق الهولندي. وقد أبانت أنغلسكو آنئذٍ حساسية كبيرة حيال كل حُكم نقدي
أو سلبي صدر من المؤتمرين في حق العمل الاستشراقي. ولم أكن بأي حال الوحيد في
إثارة حفيظتها بتقديم تعريف للمستشرق لم يتصادف وتعريفها له. وأذكر أنّي قلتُ
حينئذ بأنّ الاستشراق هو في الأصل "حرفة غير رسمية وغير شريفة" وبأن
"المستشرق هو أصلا ذلك الباحث الذي احترف الاهتمام بدراسة الشرق من منظور
غربي، وفق معايير ثقافة مادية عبرانية-مسيحية". ولكنني ميَّزتُ عند التحليل
بين المستشرق "الهاوي" الذي هو مستقل نسبيا ويقصد إلى تحقيق النفع العام
بنفس القوة التي يرفض بها إخضاع معرفته لمتطلبات السلطة وخطابها، وذلك المستشرق
"المحترف" الذي يُكرّس بشكل أو بآخر الخطاب المؤسساتي المعادي للشرق
وأهاليه. غير أن تمييزي لم يحُل في النهاية دون أن ترى أنغلسكو في مداخلتي الحيف
والجحود في حق المستشرقين.
يبدأ كتاب الأستاذة أنغلسكو بعبارة توجيهية تختزل بنجاح
فكرة الكتاب ككل حيث تقول: "إني أرفض أن أُسمَّى مستشرقا...؛ أنا مستعرب وقع
في دائرة سحر الأدب العربي...فطفق يدرسه". وصاحب هذه العبارة البليغة هو
المستشرق الفرنسي المعاصر أندريه ميكيلْ الذي سيُردِّدُها ثانية في خاتمة كِتاب
أنغلسكو. ومن المؤكد أن المؤلفة ما تعلقت كثيرا بهذه المقولة إلا لكونها تتذوق
مدلولها وتتبناه. ولنا عودة إلى ميكيل في آخر هذا العرض. وفي سعيها لتصحيح
المفاهيم التي تراها خاطئة تفتتح أنغلسكو كتابها بالاحتجاج على أن تسمَّى
بالمستشرقة الرومانية لكون "شخصية المستشرق أصبحت مشؤومة" (ص. 17). ثم يلي هذا الاحتجاج كلام
عامّ وفضفاض عن وجود أصناف من "الشرق" وليس شرقاً واحداً، مثلما توجد
أصناف عديدة من "الغرب" وليس
غرباً واحداً.
أما الفصل الثاني فيتطرق للحوار بين الثقافات حيث تشير
أنغلسكو، بأسلوب فضفاض دائماً، إلى ضرورة اهتمام هذا بالآخر من باب الاحترام
الإنساني ومن أجل بناء جسور للتواصل الثقافي. ويبدو أن للآداب دوراً كبيراً يمكن
أن تُأدّيه في هذا الاتجاه. كيف ذلك؟ من
خلال اطلاع هذا على أدب ذاك سواء في لغته الأصلية أو مترجَماً والاعتناء بالأدب
المقارَن وحُسْن استعماله، الأمر الذي من شأنه أن يغْني الثقافات ويُقرّب بين
الشعوب. وهذه الفكرة ستطرح نفسها بإلحاح
في الفصل الثالث حيث توجّه أنغلسكو دعوة إلى "الغربيّين" لفتح
الأبواب أمام الأدب العربي من خلال ترجمته ودراسته بعيداً عن المُوضة وأوْهام
الغرابة والعجائبية، خصوصا - تقول أنغلسكو-
وأن "مهنتنا هي اجتياز الحد، أو على الأصح، جعل النصوص تجتاز"
(ص. 28).
أما الفصل الرابع فيحمل هذا السؤال عنواناً: "مَنْ
هُمُ المستشرقون؟". المستشرقون في نظر أنغلسكو ليسوا كتلة واحدة بل مجموعة
متنوعة لأسباب تاريخية وسياسية ودينية. ولو كانوا كذلك لاقترحتْ حسب قولها أن يكون
جاكْ فارْدِنْبورْخْ ممثلا لتلك الكتلة، لما يتميز به، في نظرها، هذا الباحث
الهولندي المعاصر من موضوعية عند دراسة الشرق. وبعد الإقرار بالتنوع، تُقِرّ
أنغلسكو، على غرار فاردِنبورخْ، بأن الدراسات الشرقية كانت في بداياتها تشويهية
إلا حدّ ما وغير مُنْصِفة. ثم تستعرض أفكار وآراء بعض المستشرقين في مقابل بعض
الأقلام العربية التي تناولت الاستشراق والمستشرقين.
وقد سَعتِ الباحثة جاهِدة في هذا السياق لتصغير الضرر
الذي سبَّبَه المستشرقون وتضخيم اللوم الذي أُلقي عليهم من جانب العرب (والمسلمين)
لتنتهي إلى أن دراسة الشرق هي نوع من "المحنة" التي يَلِجُها الباحث
مدفوعا بالحب والفضول فيقع في سِحْرها ويَروح بشكل من الأشكال ضحيّتها. بل إن
المستشرق المسكين (؟) "يجب [عليه] أن يقاوم صدمة الثقافات التي تحْدُث في
شخصيته...وصدمات أخرى كثيرة" (ص. 33). إن هذا الكلام المتمسكن (باللغة
العربية) لا يجب في الواقع أن يجذب التعاطف المسبق من جانبنا بل التدقيق في ما
يستند إليه. فالمستشرق فاردنبورخ، المقيم بسويسرا منذ سنين والذي ألهم هذا الفصل
وسياقات مماثلة في هذا الكتاب، غالبا ما حاول في خطابه عن الاستشراق أن يُبرّأ إلى
حدّ ما ذمّة المستشرقين ويُلحِق الذنب بالظروف أو بطبيعة المنصب الذي كان بعضهم
يُستدْعَون له كخبراء (وزارة الخارجية، جهازالاستخبارات، إلخ)، قائلا إنهم كانوا
بلا رأي وبلا موقف ويُنفّذون ما يُأمَرون به. ومثل هذا الكلام، مع احترامنا
لاجتهادات فاردنبورخ، يرفضه العقل "الشرقي" (إن جاز هذا التعبير) جملة وتفصيلا، ولاعتبارات
موضوعية.
وتتطرق أنغلسكو في الفصل الخامس للعلاقة بين الأدب العربي والترجمة إلى اللغات الأجنبية
فتذكر فضل المستشرقين مثل آربيري وبيلا وفييتْ وميكيلْ وفاندريشْ وغيرهم. وقد سهر
هؤلاء على إثبات قيمة الأدب العربي إبداعياً وجمالياً. مَهْما يكن، فأنغلسكو ترى
بأن ترجمة هذا الأدب ماضية نحو حالة من النمو والتحسن وأن على الكُتاب العرب
الجيّدين أن يجتهدوا من أجل جلب المستشرقين إلى إبداعاتهم، حتى ينشأ بين الطرفين
حوارٌ ومِن الحوار قيم إنسانية تتجاوز الحدود والمشاعر القومية.
وعَقِبَ ذلك، تتوقفُ أنغلسكو في الفصل التالي عند
الظاهرة اللغوية بين المستشرقين والعلماء العرب فتشير إلى الاتهامات بالقصور
المعرفي المتبادَلة بين الفريقيْن. هذا فريقُ المتخصصين في اللسانيات من
المستشرقين كثيرا ما يُآخِذ على علماء اللغة العرب ضُعْف إحاطتهم باللغات
(الأوروبية) وبمجاليْ النظريات والتحليل، وذاك فريق اللغويين العرب الذي يتهم
متهميه المذكورين بعدم التمكن من قواعد اللغة العربية وضوابطها. وهنا تتدخل
الأستاذة لتقول بأن اللغة غالبا ما يهتم بها من الناحية العِلمية أناس غير أهلها؛
واهتمام المستشرقين بدراسة اللغة العربية لا يخرج عن هذه القاعدة، بل يؤكدها
تأكيدا صارخا. أما فيما يخص الدراسة المعمقة للغة
العربية تحديدا فعَليْها في نظر أستاذتنا أن تُسْهم في إبراز "مساهمة
العرب في تطور الفكر الإنساني" (ص. 42).
وتلحُّ أنغلسكو في الفصل السابع على ضرورة تجاوزهُوّية
أو قومية الدارس للغة العربية معللة بأن سدّ باب الاجتهاد في وجه الأجانب الذين
يرومون البحث في قوانين اللغة العربية قد يَحْرم العرب من التقدم في مجال اللسانيات.
وتستدل على ذلك بسيبويه قائلة إنه صاحب أول كتاب في النحو العربي رغم كونه ذا أصل
فارسي. وبعد ذلك تتوقف الأستاذة عند "صدمة" المُنظّر اللساني بْلومْفيلد
المسؤولة عن جعل الناس (قديما) يفكرون في هوية اللغة التي يستعملونها في الكلام
والتفاهم؛ صدمة "كثيرا ما يحدثها الاتصال بلغة أخرى أو نشوء نظام إشارات آخر،
مثل الكتابة" (ص. 44).
والمستشرق (أو "المستعرب" بلغة أنغلسكو) الذي
يبحث في أسرار وكوامن اللغة العربية يعيش "صدمة الاتصال" بلغة غريبة عن
لغته من حيث الأسرة والنظام. أما التعمق في معرفة اللغة العربية فهو أحد الشروط
اللازمة للتعمق في حقل الدراسات العربية، على غرار ما قام به جاك بيرك ودي ساسي
وبروكلمان وبلاشير الذين، وإن لم يكونوا متخصصين في النحو وعلم اللغة، ألفوا على
الأقل كتابا واحدا حول النحو العربي وفقه اللغة العربي. وبعد المرحلة الأولى التي
اهتم فيها المستشرقون باللغة العربية، سيْرا على نهج النحاة العرب القدامى، بدأت
مرحلة جديدة "يحاول فيها النحاة أن يفهموا نظام اللغة العربية الفصحى
واللهجات العربية حسب معاييرهم وحسب أسلوب تفكيرهم" (ص. 47). لذلك نجد اللسانيين من
بين المستشرقين "متأثرين أكثر فأكثر بالتيارات الفكرية وبالمذاهب المنتشرة في
مجال اختصاصهم" (ص. 48)، من قبيل "النحو
المقارن" وغيره.
وهذا الاهتمام بجوانب اللغة العربية الاجتماعية
والثقافية، فضلا عن الجانب اللساني، لا يحمل –كما تقول أنغلسكو- أي تحامُل على
اللغة العربية الفصحى باعتبارها الجامعة للأمة والمُوحِّدة لها. ويعتبرهنري فلايش،
مؤلف كتاب "رسالة في الفيلولوجيا العربية"، أحد أبرز الممثلين لهذا
التيار الذي يتنافس مع تيارات أخرى تتنوع وتتعدد بحسب قناعات ومناهج الباحثين.
وبعد أن تؤكد على تفضيلها للمناهج الحديثة (على المناهج التقليدية العربية
المُنفّرة) في دراسة اللغة العربية، تلاحظ أنغلسكو في ختام هذا الفصل بأن المهتمين
باللغة العربية من المستشرقين يزدادون يوما عن يوم، وبأنهم لا يأتون إلى هذا
المجال إلا بحافز عِلمي خالص؛ ثم ولربما كان عليهم أن ينفتحوا بعضهم على بعض، بدل
أن يتجابهوا، من أجل تشييد "مستقبل الدراسات العربية والإسلامية" (ص. 51).
الفصل الثامن من هذا الكتاب قصير الحجم وزهيد المستوى،
وتُعْرب فيه أنغلسكو عن إيمانها بالحوار بين الأديان من أجل تفاهُم أكبر وتعايُش
أفضل بين الشعوب والحضارات. ولن يتأتى ذلك في رأيها إلا إذا تسلح المتحاورون من
المسلمين والمسيحيين بالاطلاع الواسع على ملة الآخر وبالاحترام للاختلاف الذي
يجسده الآخَر من الناحية الدينية. الحوار ضروري للتصدي لأصوات المجابهة والصراع؛
وعلى المستشرقين وعلماء الإسلام أن يقتنعوا بهذا الشعار ويعملوا من أجله ولا
يجادلوا إلا بالتي هي أحسن.
وبعد ذلك يلي فصل يشبه سابقه في العمق (!) وتكتفي فيه أنغلسكو
بالإشارة إلى دور الشاعر والكاتب قديماً وحديثاً في إعلاء صفات الإنسان الجمالية
وقيمه الأخلاقية. وكونُ الكاتب الحديث، وكاتب المقالة تحديدا، يتواضع أمام المخاطب
(القارىء) فيستعمل تعابير مبنية للمجهول أو فيها تساؤل بضمير الغائب أو ما إليهما
عوض ضمير المتكلم، دليلٌ على الرغبة في الحوار، الذي من شأنه - حسب اقتناع
أنغلسكو- أن يُسَهّل توفّر شروط الحوار بين الناس في عصرنا.
هل اللغة العربية صعبة؟ هذا هو عنوانُ الفصل العاشر
والسؤالُ الذي طُرح مِراراً على الدكتورة أنغلسكو خلال زياراتها للعالم العربي،
كما طُرحَتْ عليها أسئلة تخصّ الصعوبات التي تواجه الطالب الروماني الذي يقرر تعلم
اللغة العربية. وبعد أن تقِرَّ بصعوبة الإجابة عن هذه الأسئلة بجَرّة قلم، تمضي
أنغلسكو لتقول إن تعليم اللغات في بلدان غرْبية كثيرة أصبح في عصرنا يعتمد أساسا
على اللسانيات "التقابلية"، حيث يتلقىّ المتعلم قواعد لغةٍ معينة حسب
مبدإ المقارنة باللغات الأخرى القريبة منها، بينما يتجلى دور المعلم في توجيه تلك
المقارنة والتنبيه إلى الأخطاء الناتجة عن الفوارق. وإذا كانت هذه الطريقة في
تعليم اللغات قد تسبِّب خلطا بين لُغَتيْن أو أكثر لدى المتعلم بسبب التشابه
النسبي الكائن فيما بينها، فإن المتعلم الروماني مَثلا الذي تعَوّد عليها (أي على
تلك الطريقة) يجد لا محالة صعوبات بارزة حينما يُقْدِم على تعَلم اللغة العربية
لِعَدَم استقامة المُقارَنة أمام اختلاف العربية الكبير عن الرّومانية واللغات
القريبة منها.
فضلا عن ذلك، هناك مشكل يطرح نفسه دَوْماً على مُعلم
اللغة العربية: هل يُدرّس الفصحى أم عامية بلد عربي بعينه؟ فإذا فعل الأول ربما
اشتكى المتعلم من ابتعاد الفصحى عن غاية التعامل مع عموم أصحاب اللغة المدروسة؛
وإن فعل الثاني فإنه قد لا يؤهل المتعلم خارج القطر الذي تنتمي إليه اللهجة
العربية التي تعلمها. وفي النهاية تخرج الأستاذة أنغلسكو (المتخصصة في اللسانيات
وتعليم اللغة العربية) بهذا الاستنتاج: "نستطيع أن نحْكم على صعوبة لغة أو
سهولتها من وجهة نظر 'تكاليف' تعلم هذه اللغة (طبعاً لا أشير هنا إلى التكاليف
المادية). ومن هذا المنطلق، نستطيع أن نقول إن تعلم لغة ذات نظام واضح، مبني على
أصول وعلى أصول مطردة لتجسيد هذه الأصول في صيغ اللغة المختلفة، يكلفنا أقل من
تعلم لغة أخرى: من وجهة النظر هذه تحديدا تكون العربية من أسهل اللغات" (ص. 63). في الواقع، يصعب علينا
استيعاب المعنى والقصد من هذا الكلام استيعابا وافيا؛ ولربما فَهمْنا وتفهَّمْنا
أكثر كلام أنغلسكو الختامي والقائل إن الجانب النفسي لدى المتعلم المتمثل في حُبّ
أو عشق اللغة التي سيَدْرُسُها تجعل هذه مَرنة وسهلة إلى حدّ بعيد.
لعلني لا أبالغ حينما أعتبر الفصل الآتي أهمّ فصول هذا
الكتاب بالنظر إلى ما يحمله من معلومات وأخبار، على بساطتها ومطروقيتها، حول
الاستشراق الروماني. واعتماداً عليه، نكتشف بأن الاهتمام باللغة العربية وآدابها
بدأ ينمو في رومانيا خلال الخمسينيّات مع إنشاء قسم اللغة العربية في جامعة
بوخارست سنة 1957 الذي تخَرَّج منه أساتذة حملوا
فيما بعد على عاتقهم مهمة التعريف بهذه اللغة وحضارتها من خلال التدريس والترجمة.
ويمكن لكل من يريد الاطلاع على قائمة الإصدارات الرومانية الخاصة بالعالم العربي
أن يرجع إلى الدليل الذي وضعته إيوانا فيدُورُوفْ سنة 1994، والذي يغطي الفترة الممتدة
من 1964 إلى 1994.
ومن الأسماء الرومانية البارزة في حقل الاستشراق - إضافة
إلى ناديا أنغلسكو صاحبة ستة كتب منشورة وحوالي خمسين دراسة أغلبها حول اللسانيات
العربية- نذكر غريتي تارتلر التي نقلت إلى الرومانية المعلقات السبع، ومختارات من
الشعر العربي (بمعية نيكولايْ دوبريشانْ)، وثلاثين مقامة همذانية، وبخلاء الجاحظ،
وأجزاء من طوق الحمامة، وأعمالا أخرى. كما نذكر نيكولاي دوبريشان الذي ترجم معاني القرآن الكريم،
وثلاثية نجيب محفوظ، وحكايات عربية، وألفَ مقالات نقدية متعددة حول الأدب العربي.
ويوجد ضمن اللائحة أيضا إليا باديكوتْ المترجم للشعر تخصيصاً، ورُوديكا
بُوبُورُوزانْ المترجم لجبران، ودُوميترُو كيكانْ، وميوارا دوبريشانْ، ومِرسيا
أنغِلسكو، وجُورج غريغوري (المذكور أعلاه) الذي ترجم معاني القرآن الكريم، ونقل من
العربية وإليها أعمالا نثرية وشعرية عربية ورومانية، وينْصبُّ اهتمامه حاليا على
دراسة قصة حي بن يقظان، وموضوع الجسد في الثقافة العربية الإسلامية. وخلال لقائي
به بمناسبة إحدى الندوات، خلف الأستاذ غريغوري لدى المشاركين الانطباع بأنه يملك
مؤهلات بارزة، من دراية لغوية ومعرفية ومنهجية علمية وعقلية تواصلية ومتفتحة
وتوَجُّه إنسي، للإسهام في تمتع الدراسات العربية والإسلامية في رومانيا بكل ما
تستحق من عناية وإنصاف.
أما الفصل الثاني عشر والأخير من هذا الكتاب ففيه تذكير
آخَر بتعريفيْ الهولنديّ فاردَنبُورْخْ والفلسطيني إدوارد سعيد لمفهوم
"المستشرق". تتبنىّ أنغلسكو تعريف الأول وترفض تعريف الثاني، قبل أن
تمرّ إلى الحديث عن تلقيّ (أو "تقبّل" بتعبير أنغلسكو) الأدب العربي في
الغرْب في سياق الأدب المقارَن، مع وقفة خاصة عند صفة "الشفهية"
وعلاقتها بالتراث الأدبي العربي برُمّته. فهي لا ترى مانِعاً من استعمال الباحث
لآليات تحليلية ومفاهيم غرْبية مكرَّسة للبحث في كُنْه النصوص العربية من حيث
الأصول والتطور والتميز وما إلى ذلك، مثلما فعل، على سبيل المثال لا الحصر،
المستشرق الأمريكي جيمس ت. مونرو الذي سعى إلى إبراز صحة الأدب الجاهلي اعتماداً على
نظريات الأدب الشفهي المطبقة على أشعار هوميروس. ثم تثير أنغلسكو إشكالية تمثيل
عمل أدبي مثل ألف ليلة وليلة لعراقة وحضارة الأمة العربية فتُعْرب عن
احترامها للرأي العربي الرافض في الغالب لهذا التمثيل لاعتبارات معروفة لا داعي
لاستحضارها. مَهْما يكُن مِن أمر، فإن أنغلسكو تربط ذيوع الأدب العربي وانتشاره
خارج "الشرق" باهتمام أكبر وأكثر عِلميّة من الجانب العربي وبوجود
باحثين ومترجمين مستشرقين (وغير مستشرقين) لهُم إلمام واسع ليس باللغة والحضارة
العَرَبيتيْن فَحسْب، بل بلغات الشعوب الإسلامية وأهم اللغات الأوروبية المعاصرة
وآدابها وبالتاريخ والعقليات المختلفة.
تلك كانت فيما يبدو مميزات المستشرقين في الماضي. أما
اليوم فقد عرف حقل الاستشراق والعلوم الإنسانية مَيْلا صارخاً نحو التخصُّص، الذي
له سَلبيات مِثلما له إيجابياته، لعل أبرزها تحديد المنهج عند دراسة الأدب. والمنهج
في رأي أنغلسكو هو أحد الأبواب التي يمكن أن يدخل منها الأدب العربي إلى دائرة
النقاش حول الأدب العالمي. وتذكر الباحثة في هذا الإطار بوجود مجلات ودوريات
أجنبية متخصصة في دراسة الأدب العربي. وإذ لا نختلف مع الأستاذة أنغلسكو حول هذه
النقطة، لا نتفق معها بأن المجلة العريقة التي ساقتها مثالا "مجلة الأدب
العربي" (التي تنشر موادها بالإنجليزية والفرنسية والألمانية وتصدر عن
دار بْريلْ الهولندية) تحتضن أقلاما عربية كثيرة. فالحقيقة أن الأقلام العربية
المقبولة للإسهام في هذه ومثيلاتها من المجلات قليلة جدا؛ وإن وُجدت فلأن أصحابها
لا يكتبون ما قد يثير جَدَلا إيديولوجيا أو معرفيا يُهمّ توجُّه المجلة أو أصحابها
أو يُعَرّي عن عيوب المستشرقين.
ورُجوعاً إلى ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأروبية
المهيمِنة، ترى أنغلسكو بأن الأدب الحديث سَهْل التداول لأنه أقل تعقدا وأقرب إلى
الراهن، وبأن دور المستشرق قد تقلص بعد أن أصبح القارئ يسْبر بدون عناء خاص أغوار
هذا الأدب الذي غالبا ما يقدّم نفسه بنفسه. غير أن ذلك لم يحُلْ دون إفلاس دار نشر
مثل "سندباد" الفرنسية التي أصدرت ترجمات عديدة من التراث العربي قديمه
وحديثه؛ كما لا يدلنا، تضيف أنغلسكو، على جميع "الأمور المتحكمة في تقبل
وذيوع الكتاب العربي في أوروبا" (ص. 86). ولم يَفُت الباحثة أن
تشير كذلك إلى استياء العرب تعميما من "صورة العربي" التي تقدمها كثير
من ترجمات الأدب العربي الحديث، صورة تعكس مجتمعاً فولكلورياً يعيش على الماضي أو
متخلفا عن الركب الحضاري.
وهذا الطابع "البدائي" هو الذي يجعل دُور
النشر تختار تلك النصوص المحتوية لما هو عجيب وغريب، والتي يقبل عليها القراء
الغربيون وتعود على الناشرين بأرباح مضمونة. وتردّ أنغلسكو على الشكوى العربية من
تلك الصورة السلبية بالسؤال الآتي: "ولكن عن أيّ عالم يبحث القارئ العربي في
الكتب المترجمة عن الآداب الغربية؟" (ص. 87). ثم تسترسل قائلة إن ترجمة
الأدب الفرنسي (مَثلا) إلى اللغة العربية ولغات بلدان أوروبا الشرقية تخضع لمعايير
متشابهة حيث تُرجمت نصوص إبداعية معينة إلى لغات عدة وفي فترة زمنية متقاربة. ووَعْيا
منها بأن هذا التحليل ساذج (أو متساذج) بادرتْ أنغلسكو فاستدركت بالقول إنَّ ذلك
الوضع "قد يعود إلى أن هذه البلدان كانت واقعة في مدار الثقافة الفرنسية أكثر
من غيرها" (ص. 87).
يضيف الاستشراق والحوار الثقافي عنواناً جديداً
إلى مكتبة الدراسات الاستشراقية ولكن مضمونه لا يقدّم لرواد هذه المكتبة في نهاية
التحليل شيئاً جديداً على صعيد التحليل والتقييم. وربما لا أجانب الصواب أو أبالغ
حين أعتبر هذا الكتاب عبارة عن مجموعة من الانطباعات والتأملات والمعطيات التي
تراكمت لدى الأستاذة أنغلسكو خلال مسارها الاستشراقي، الطويل نسبيّاً. فافتقار
الكتاب إلى أطروحة علمية ومنهجية تحليلية
وحجاجية تقود المختص خلال القراءة وتجْمَع بين أطرافه (أي أطراف الكتاب) في منظار
القارئ العادي، وافتقاره كذلك إلى المصادر والمراجع، ثم قِصر فصوله وتشتتها الموضوعي
وهزال موادها أو تكرارها تحُول بقوة وجلاء دون ارتقاء الكتاب إلى مستوى العنوان
الذي يحمله. والقصد بهذا الكلام ليس النيل من الكفاءة العلمية للدكتورة القديرة
ناديا أنغلسكو، بل التحذير من مثل هذه الإصدارات التي تطأ أرضية حقل خطير مثل
الاستشراق بعناوين تُغري كثيراً ومَضامين قلما تُغْني. أما الباحث الجادّ فلا يملك
إلا أن يكون صارماً ومباشراً مع هذا الشكل من الاستفزاز العِلمي. ولا مَفرَّ في
هذه الحالة من القول: عنوانٌ جميل وطُموح كبير، ولكن المحتوى هزيل والاستدلال
صغير.
ولن يفوتني في ختام هذا العرض أن أتوقف ولو بإيجاز عند
مقالة حول الاستشراق الروماني نشَرَها الأستاذ ن. دُوبْريشانْ في مجلة "الاستشراق"
العراقية سنة 1987(ع. 2)، وقدّم فيها، رغم قِصَرها،
نبذة بانورامية وافية عنْ نشأة وتطور هذا الاستشراق. بمعنى أن معطياتها تكميلية
لتلك الواردة في كتاب أنغلسكو. وقد افتتح دوبريشان مقالته مذكّراً بالموقع الجغرافي
لرومانيا قياساً إلى موقع الحضارتين الغربية والشرقية، ليستنتج بأنه يوجد
"شَبَه روحي بين الشعب الروماني والشعب العربي. فإن نفسانية الشعب الروماني
هي نفسانية الشعوب الشرقية أشبه منها بنفسانية الشعوب الأوروبية" (ص. 90). ويمضي صاحب المقالة إلى
سرد الظروف التاريخية التي خلقت الاحتكاك بين الثقافة العربية والإسلامية والثقافة
الرومانية (الامبراطورية العثمانية، الرحلات، إلخ) وُصولا إلى القرن السابع عشر
حيث "درس الكثير من الأمراء الرومانيين وأبناء البويار في الأكاديمية
الإغريقية بفنار استنبول [إسطنبول]، حيث استوعبوا اللغة العربية وثقافتها، إضافة
إلى اللغة التركية" (ص. 91).
وهذا الاهتمام، يقول دُوبْريشانْ، لم ينقطع إلى يومنا
هذا وإنْ كان غير منتظم عبر الزمن. ففي القرن التاسع عشر جذبت الربوع العربية
إليها رحّالين رومانيين من بين الأدباء والفنانين وهواة الكتب. ومن الفئة الأخيرة
نذكر تِيمُوتي تشيارْيُو الذي جَمَع كُتباً ومخطوطات جمّة عن الأدب العربي
تخصيصاً. ثم هناك خلال الفترة ذاتها الدراسات اللغوية التي اهتمت باللغة العربية
في علاقتها المعجمية باللسان الروماني. ولكن الدراسات الاستشراقية في رومانيا لمْ
تنتظم حقاً إلا في العشرينيات من القرن العشرين، أي بعدما تأسَّستْ معاهد وأقسام
جامعيّة تُعنى بشكل أكاديمي بالثقافة العربية والإسلامية.
وقد نتج عن ذلك ظهور مُدرّسين ومُترجمين وخبراء أثرَوْا
الرفوف الرومانية بالكتب والدراسات، وزوّدوا الرومانيين بما يحتاجونه من معرفة
تاريخية عن بلادهم أخذوها من كتب المؤرخين والرحالين العرب والمسلمين، الأمر الذي
كان يُسهّل عليهم التعرف على تاريخ وحضارة رومانيا من جهة ويُوجّههم بطريقة ما نحو
التحاور مع الحضارة العربية الإسلامية من جهة أخرى. ويختم الدكتور دوبريشان مقالته
بعرض مجموعة من العناوين والأسماء (الأدبية تخصيصاً) التي انتقلت من لغة الضاد إلى
اللغة الرومانية عن طريق الترجمة وأثرت الدراسات الاستشراقية الرومانية بشكل
ملحوظ. والواقع أن الأستاذ دوبريشان كان له فضل كبير في هذا الميدان.
ووفاءً بالوعد، سأختم هذا العرض (الجزئي) حول الاستشراق
الروماني بوقفة عند المستشرق الفرنسي أندريه ميكيل، الذي لا يُحِبّ أن يُسَمَّى
"مستشرقا" نظرا لِما (قدْ) تحْمِله هذه الصفة من أبعاد إيديولوجية ضدّ
حامِلِها. وحتى لا أتحامَل من جهتي بدون حُجّة على هذا المستشرق الشهير بترجماته
لنصوص من القرآن الكريم والمعلقات والشعر الجاهلي وألف ليلة وليلة وبدراساته في
الجغرافية البشرية للعالم الإسلامي وإشرافه على بحوث جامعية متميزة لأسماء مغربية
وعربية عديدة، أُحيل القارئ الكريم، تمثيلا لا حصراً، على أحْدث ما وَرد مِنْ
ميكيل بخصوص الحضارة الإسلامية (في مجلة العصور الجديدة،ع. 17/ يناير 2001). فقد صرّح بما معناه أن
الحضارة العربية الإسلامية أهْلها بَدْوٌ جعَلهُم الله شعْبَ الفصاحة، وشفهيّون
(لأن الكتابة كانت دَوْماً غريبة عنهم) وأصحابُ عقلية أسطورية، أي غير عقلانية كما
هو الشأن عند عِرقيّات وحضارات كالحضارة الغربية مثلا.
وبينما لا أشكُّ في سقوط ميكيل في "دائرة سِحْر
الأدب العربي" كما يقول، لا أملك في المقابل إلاّ أن أشك في أن كلاماً كهذا
سيجعل منه بأي حال "مستعرباً" بريئاً، خصوصاً وأنه لا يخرج عن كلام
المستشرقين التقليديين الذين اعتبروا الإسلام حضارة قروسطية، والشّرق مَهْداً
لِلسِّحْر والخرافة ومَرتعاً للتصوف والتنجيم وقراءة الطالع، في مقابل الغرْب الذي
أسَّسَ حضارة عِلمِيّة تقوم على العقل بدل الوَهْم، وعلى الطبيعة والمنهج العقلاني
بدل الكهانة والتزهّد. هذا الخطاب المزدوج، حتى لا أقول المنفصم، هو في الواقع
ميزة ملازمة لشخصية المستشرق، الذي عادة ما يضلل الإنسان الشرقي بلغة عذبة تظلل
خلفياته الثقافية الغربية إزاء الشرق. لهذا وغير هذا أعتقد أن براءة المستشرقين
ستظلُّ في كل الأحوال مِنْ أساطير المستشرقين.