قصص قصيرة
محمد الشايب
محمد الويزي
محمد أملو
محمد الشايب
-1-
قيل حينذاك إنها
رأت صورتها في الماء، فانبهرت بها، ثم ارتمت في النهر، وغاصت في أعماقه رغبة في معانقة
الصورة التي هي صورتها.
وقيل أيضا إن عيشة
قنديشة حينما رأتها استولى عليها جمالها، ولم تقدر على مقاومة نيران الغيرة فاختطفتها..
وقيل أيضا إن
"سبو" تعود على تلقي القرابين كل سنة، ولا يرضى بها إلا ثمينة وجميلة حتى
يجود بالخير، ولم يكن هناك من قربان أثمن وأجمل من نرجس في تلك السنة ..
(...................)
-2-
"كأنها انشودة
فرت من شفاهنا
ورذاذ جميل محاه
الهجير
مرت كصباح العيد
مسرعة
غير عابئة بفرحنا
الصغير
كالسلوى ذابت
فبكى الفصل
وهاجت الدمعات..."
هكذا أبن أحدنا
نرجس التي حفرت لنفسها قبرا في الماء، ومضت بعيدا في غياهب الغياب، لم تنتظر حتى تستظهر
سورة الرحمن وجداول الضرب ولا حتى نعرض المسرحية التي كانت هي بطلتها، استعجلت الرحيل،
وحفرت غيابا عميقا في الصدور.
-3-
غابت، ومرت على
غيابها سلسلة شاهقة من الزمن لكنها عادت، لتطل من نافذة حلم غريب، رأيته ذات ليلة شتوية
موشحة بأكاليل المطر.
رأيتها تلبس خليطا
من الألوان: فرح وحزن، قر وحر، صخب وهدوء، نار وماء، ري وجفاف، موت وحياة، وتجر خلفها
بساتين يتعايش فيها النرجس والياسمين وشقائق النعمان.. لم يسبق لي أن رأيتها على شاشة
الحلم، غابت منذ كنت طفلا (ألم أعد كذلك؟ !) ابتلعها النهر فجأة، كنا في رحلة دراسية (يخيل إلي)
وانطلقنا نعدو بجانب المويجات الهادئة، أحيانا كنا نقترب منها كثيرا، ونغرف حفنات المياه،
ونرش بعضنا، ويخيل إلي أن نرجس أرادت فعل ذلك فسرقها النهر..
-4-
ياه، كم يبدو ذلك
الأصيل بعيدا بعيدا !
بدأ جميلا، وكانت
الوجوه أجمل منه، لكنه انتهى حزينا
وتاهت الوجوه في
فيافي الأحزان بلا بوصلات..
رحلت نرجس على هودج
الخرير، فهطل الذهول غزيرا، وفاضت به الضفاف، غابت، وظلت الألسن تسبح في يم غيابها المفاجئ، تدفقت الحكايات
غزيرة من هنا وهناك، وظللنا نحن الأطفال أصدقاء نرجس في الدراسة نواجه هذا القيل والقال
بصمت سميك، وخوف رهيب، وتيه مجرد من الشواطئ..
-5-
بدت في الحلم شاسعة
العينين، على خدها تفاح، وفي ثغرها عسل، وعلى صدرها زهر الرمان يتفتح، وفي ضفيرتها
يكرسرب من الأفراس المجنونة..
وقفت أمامي، وقالت:
أنا نرجس.. !
انفلتت بصعوبة من
موج الدهشة التي ابتلعتني، ثم قلت فيها شعرا نسيته بعد اليقظة.. فاجأني وقوفها، لم أكن انتظر أن يأخذني ذلك النوم
العميق نحو طيف نرجس، فأراها وأقول فيها شعرا، لعله أشبه بشعر أهل الأندلس القدامى.
قالت إنها نرجس،
وأنها حية ترزق، وأنها ما زالت تذهب إلى المدرسة، وما زالت تعدو بجانب النهر، بل وتسبح
فيه أحيانا .. !
-6-
ماذا أقول أمام
هذا الحلم العجيب؟ !
لماذا هطلت على
سحبه الغريزة؟ ولم تزورني هذه الطفلة وهي التي ماتت حين كنا جميعا أطفالا؟
ابتعدت عن هذا الحدث
كثيرا، ابتعدت عن المدرسة، وعن النهر، وعن كل ماله صلة بهذا الأمر، طابور طويل من السنوات
يفصلني عن هذه الطفلة التي سرقها النهر ذات أصيل بعيد بعيد ..، ووقفنا نحن الأطفال
نبكي ونصرخ، ونطالب بعودتها، لكن النساء أخبرننا أن طلبنا مرفوض، وأن لا داعي للصراخ،
سألنا عن السبب، فتلقينا سيلا من الكلام.
ومع ذلك، ظللنا نذهب كل يوم إلى النهر، نقف على
الضفة و نسرح العيون بعيدا راجين أن يطلق سبو سراح نرجس، كنا نتمنى أن نرى جثتها فقط،
فعادة ما تظهر جثث الغرقى بعد يوم أو يومين، ظللنا ننتظر دون جدوى، مر الأسبوع الأول
وتبعه الثاني والثالث دون أن تطفو جثة الطفلة على السطح، ومع توالي الأيام تلاشت كل
خيوط الأمل، وتوقفنا عن الذهاب إلى النهر، لكن يوما ما جاءتنا امرأة مجنونة إلى باب
المدرسة وقالت: اتبعوني نحو سبو، فاليوم تظهر رفيقتكم. وتبعناها نرفرف بأجنحة الحلم
والجنون، ولما وصلنا إلى النهر وجدنا ضفافه ترفل بأزهار النرجس !
محمد الويزي
كنّا ثلاثة ، وكانت الكلبة رابعنا . كلبة
الأرملة " زاينة " الصويرية ، التي تغلق باب الكوخ المظلم على أسرارها كل
يوم ، وتهيم على وجهها خارج الدوار ، رفقة ابنتها الخرساء الوحيدة . قيل إن المرأة
تعبر الجسر في اتجاه المدينة كل يوم ، تصبن الغسيل في أحياء الميسورين ، وتطلب الصدقات قرب محطة الحافلات في المساء ، بينما
بنتها " خَديجْ " تعمل منظفة في فندق يؤمّه السياح فحسب . لذلك كنّا نراها
وهي تخرج رفقة أمها ، تحرص على أن تكون ثيابها نظيفة ، ووجهها اللامع دوماً تناسبه
تسريحة الشعر المصفف بعناية ، حتى لكأنها تبدو في أعيننا مثل تفاحة إسبانية شهية.
غير أننا كنّا لا نعبأ كثيرا ، لا بالمرأة
ولا بالبنت . كنّا نهتم طول النهار بالكلبة " لايْكة " . نقتسم معها خبزنا
الحافي ، ونغسل فراءها الأسود في السقاية بقليل من مسحوق الصابون الذي نسرقه من بيوتنا
بالتناوب ، وندربها وقتاً طويلا على التقاط الأحجار والأعواد ، والتصدي للكرات التي
نقذف بها إلى البعيد.
ولكم كنّا نتمنى أن تصير " لايْكة
" في الحال ، كلبة صيد مدربة حتى نستطيع أن نغلق فم الولد الثرثار علي ابن المقدم
صالح ، الذي لم يكن أبداً يملّ من الثناء على كلبهم السلوقي " بْلاكْ " ،
والافتخار علينا ببندقية والده القناص ذات الماسورتين.
لم نكن نشبع من تدريب " لايْكة
" ، أو نقنع حتى بحصص روتينية عادية حددناها
في ساعتين في الصباح والمساء ، رغم أن استجابتها المتحمسة سرعان ما كانت تخبو
فتخذلنا ، وأبواب الجيران وأفواههم الواسعة المشرعة عادة ما كانت تُفتح عن آخرها ،
لتقذف رؤوسنا وظهورنا بالشتائم المغموسة بماء التصبين المنقوع ببراز الصبيان.
إلاّ أن ثرثرة علي ابن المقدم صالح ، وتعليقاته
المغالية في وصف " بْلاكْ" ، وتعداد سماته المميزة النادرة، واستخفافه من
هجانة أصل " لايْكة " ، ومن هزال جسدها وامتصاص هيكلها حدّ بروز العظام ،
كانت تحمسنا وتزيد من صبرنا وإصرارنا ، وتدفعنا نحن الثلاثة إلى المزيد من التلاحم
بيننا ، وإلى مضاعفة التضحية بقطع الخبز الحافي ومسحوق الصابون والهروب من الكراريس
والواجبات المنزلية ، خصوصا بعدما أوشك موعد المواجهة بين الكلبين على الاقتراب .
ربطنا " لايْكة " بحبل من حبال
نشر الغسيل ، وخرجنا مسرورين في اتجاه الوادي حيث حدّدنا مكان المواجهة . مشينا بمحاذاة
الضفة اليمنى ، وصرنا نمشي ونتوغل بين سيقان الرتم وشجيرات الخروع ونبات القوق البري
وحشائش النجيل والعليق . كنا نغني ونضحك ونتكلم دفعة واحدة ، ولا نعبأ بما يوخز أقدامنا
العارية من أشواك وأحجار.
ثم فجأة شخص علي أمامنا. كان يمسك بحزام
جلدي مربوط بعنق جرو صغير ، ما أن رأته " لايْكة " حتى وثبت نحوه في اندفاعة
هجوم متقونة ، ملأت قلوبنا بنشوة انتصار تأكد لنا حسمه المبكر . قفز علي بحركات كاريكاتورية
مضطربة ، يحتضن الجرو ويحميه . لفّه بين ذراعيه خوفاً من أنياب الكلبة التي انفلتت
من بين أيدينا ، وألصقت قدميها الأماميتين بصدره ، في محاولة شمّ الجرو والتعرف عليه
. أمسكنا الكلبة من جديد برباطها، وأبعدناها عن علي . قال هو
مستدركاً بينما يشير إلى حيوانه الصغير
الذي أسنده إلى صدره : هذا ليس " بلاك " على كل حال . إنه من فصيلة الكانيش
. اشتريته بخمسة دراهم وقطعة ساندويتش هذا الصباح ، وسأبيعه بعد شهر للنصارى حالما
أرحل مع أبي إلى المدينة . النصارى يحبون اقتناء مثل هذا النوع . ثم صار يحكي لنا ونحن
نشمت ونسخر منه ومن جروه المفزوع ، كيف أن قريبهم صاحب الدار الكبيرة في الدوار ، قد أوشى به إلى المقدم صالح في آخر
المطاف ، بعدما كان قد اتفق معه على أن يسمح له بإخراج الكلب في نزهة قصيرة ، والعودة
به على وجه السرعة.
ثم من دون أن نعلم كيف ولا متى ، داهمنا
قطيع من الكلاب الضالة . سمعنا النباح والجئير المتصاعدين يطوقان مسامعنا من كل ناحية
، فاضطربنا وسيطر على قلوبنا الخوف والفزع . هاجت "لايْكة " وماجت في حبلها
البلاستيكي ، إلى أن مادت الأرض من تحت أقدامنا . تركناها تفلت من أيدينا في الوقت
الذي ظهر فيه كلبان كبيران كانا في طليعة المجموعة . توقفا بعد حين ، ثم تقدم كلب زعيم
كانت تبدو عليه ملامح الجرأة والقوة والبطش إلى حيث جثمت "لايْكة" وقد طبّق
عليها خوف كاسح جعلها تلف ذيلها بين مفرق قائميها الخلفيين. دار الكلب حولها يتشمم
بخطمه وجهها ومؤخرتها ، وهو لا يتوقف عن الجئير. بعد ذلك ، رفع قائميه من
جهة ظهرها وحاول أن يستعليها . تمنعت " لايكة " ، فحاول من جديد أن يصعد
فوقها .
أصابتنا نحن الثلاثة ، خيبة صاعقة وإحباط كاتم .
سخر علي من جبن كلبتنا ، وانسحب إلى الوراء يفلت بجلده وجروه المدلل . في تلك الأثناء
، التحق بقية الكلاب التي كانت أكثر من ثمانية ذكور ، فتشكلت حول" لايْكة
" دائرة تطوقها من جميع الجهات . صحنا
معاً ننادي على كلبتنا المستكينة كي تخترق الحلقة وتعود إلينا ، إلا أن عينيها ظلتا
تنظران إلى الأرض في ذل واستكانة، وترسلان لنا كلاماً غير مفهوم . بحثنا عن بعض الحصى
والحجر كي ندافع به عن أنفسنا وعن كلبتنا ، غير أننا لم نجد سوى كويرات بَعْر صغيرة
مغلفة بطمي ناشف ، قذفنا بها ظهور الكلاب فتفتت وانتثرت على الأرض ، من دون أن تحدث
فيها ألماً يذكر. فكّرنا أن نقطع سيقان الرتم كي نهش بها على القطيع ، ونزرع فيه الخوف
بحركاتنا وصياحنا الهائج مثلما يفعل الهنود الحمر لحظة نشوب المعركة بينهم وبين رعاة
البقر، إلا أن " لايْكة " في تلك الآونة ، كانت قد تحركت في اتجاه الشرق
، مخفورة بالمجموعة التي ظلت تتبعها. رمينا أغصان الرتم أرضاً ، وطفقنا نجري وراء القطيع
ونحن نصيح : " لايكة ، لايكة ،viens
ici ، لايْكة ، لا ... ! " . إلا أن ابنة
الكلب كانت تنظر إلى الأمام فقط وتعدو ، من
دون أن تعبأ بنا نحن الثلاثة الذين كنا نقتسم معها خبزنا الحافي ، وندرّبها بكرات الصوف
والكاغض ، ونغسل فروها الأسود بمسحوق الصابون الذي نسرقه من خزائن أمهاتنا .
ابتعدت الكلبة كثيراً ، فتركناها مكرهين
ترافق القطيع ، وتمضي بعيداً عن أعيننا . اتفقنا أن نجتاز الجسر لأول مرة ، ونسير إلى
أن نبلغ دوار المخزن الواقع قرب ثكنات العسكر
، والذي كان الكبار لا يتكلمون عنه بالمرة ، ويمنعون أي أحد منا أن يقترب منه .
عرّجنا بين الأزقة الضيقة الملتوية ، حتى
صرنا في قلب الدوار حيث الدكاكين والمحلات التجارية متراصة بشكل مألوف . وقبل أن نقفل
عائدين على وجه السرعة من حيث أتينا ، مخافة أن نصطدم صدفة بمن يكشف أمر زيارتنا للدوار
ويبلغ عنّا ، أغرى بنا جمع من الشبان واليافعين كانوا يقفون برأس زقاق ضيق ، في وضع
خاص أثار فضولنا وحب استطلاعنا . اندفعنا نحن الثلاثة ، نخترق سياج السيقان والأفخاذ
العريضة التي كانت تغلق مدخل الزقاق ، وصرنا نتوغل مثلما فعل بعض الجنود بلباسهم الكاكي
.
كان اكتشافنا مدهشاً يكاد من فرط الفجائية ، يعمي
أعيننا المترمدة . كانت أجساد النساء العارية معروضة للمارة ، في وضع مكشوف يستثير
الكوامن المنسية والمغلقة . نساء في مختلف الأعمار ، واقفات قرب الباب في وضع صاخب
مغر، وأخريات يجلسن فوق العتبات و قد انهمكن في تدخين السجائر والحديث مع الرجال والجنود
، غير عابئات بنا نحن الثلاثة الصغار ، وقد وقفنا مشدوهين نتفحص تفاصيل أجسامهن المقشرة
شبه العارية تماما، وكأنها موز برازيلي معروض عنوة لتصيد شهية الجوعى العابرين .
وقبل أن نكمل جولتنا التي طالت بين غابة
الأجساد والسيقان العارية ونعود إلى دوارنا نقصّ على أقراننا ما رأيناه ، أطل وجه كنَا
نحن الثلاثة وكلبتنا " لايْكة " ، نعرفه حق المعرفة . كان وجه ابنة الأرملة
زاينة الخرساء يشقّ فجوة من بين الرؤوس النسائية
التي كانت تصطف على العتبة ، ويخصنا بنظرة خاصة مميزة . رأتنا " خديجْ "
نمضي من أمام بيت مشرع تقف أمامه بعض النساء ، ففتحت فمها ولم يخرج منه غير ابتسامة
بيضاء عريضة سرعان ما ذبلت على شفتيها المصبوغتين بأحمر فاقع . التفتنا ننظر في أعين
بعضنا البعض ، ولا نتفوه بأي شيء. وكأن أفواهنا أصابها خرس مطبق.
وحتى حينما عدنا إلى الدوار، وتحلق الأصدقاء حولنا
مستفسرين عمّا جرى بين " لايْكة " التي لم تعد معنا ذلك اليوم ، وبين الكلب
السلوقي " بلاكْ" الذي لم يره أحد منا قط ، لم نقل أي شيء. تحدثنا عن قطيع
كلاب ضالة ، وعن بعر مغلف بطمي ، وشجيرات رتم سهلة الكسر ، وعن الوادي الذي يفصل بين
دوارنا ودوار المخزن ، ولم نقل شيئاً واضحاً .
بل وحتى حين بدأ بطن الكلبة ينتفخ ، ومعه وجه " خديجْ " ـ ابنة الأرملة
زاينة ـ يبهت ويتغضن ، وقوامها الرشيق النشيط الذي كان ، صار يتهدل ويتكسر حتى أنها
لم تعد في ثيابها النظيفة ، وتسريحتها المصففة الخفيفة تشبه التفاحة الإسبانية ، فإننا
لم نقل أي شيء . صرنا فقط ، نحن الثلاثة ، ومعنا الكلبة والبنت الخرساء ، نتابع ما
يجري بعيون صامتة ، ولا نكاد نتكلم بالمرة
.
أترانا كبرنا فجأة ، وصرنا في عمر الأجداد
والجدات ، ونحن لا ندري ؟
محمد أملو
الرأس المغطى بطاقية
ذات مربعات ملونة ، يتحرك حركات رتيبة متواترة إذ يتهاوى إلى الأسفل في خط مائل من
اليمين إلى اليسار، إلا أن حركة ارتفاعه وارتداده إلى وضعه الأول تبدو بطيئة ومرتبكة.
العينان منهمكتان وصامتتان، تراقبان "البرشمان" وحركة سبابة اليد اليسرى
التي تحتفظ بالخيوط برهة ثم تطلق سراحها لتعود للاحتفاظ بها مرة أخرى. لكنهما تسافران
بعيدا عبر طريق معبدة بخيوط "برشمان" متقاطعة في إحكام، ومن خلال سحائب شيخوخة،
نحو أحلام غامضة اللذة آهلة بمؤخرات يتحدى امتلاؤها الجلباب، تشق طريق الدلال والكبرياء
في زحمة سوق مضيء تحف به من الجانبين أبواب كثيرة منفتحة على مروج باهرة الخضرة مزروعة
بأسرار طفولة بائدة. غير أن المخيلة التي لا تطاوع دائما تعرج فجأة، في شبه تآمر، نحو
أزقة معتمة مشحونة بغبار التعب اليومي، وبوجوه كالحة تسبح في ظهيرات التيه، تلك الوجوه
التي تعمق صورها اليائسة الأصوات الخاملة لمذيعي الزوال في الراديو ...
يتناول المعلم من
الأرض بقية لفافة ثم يبعد الثوب إلى طرف الطاولة. يشعل اللفافة ويرتشف نفسين. ينقل
نظرات شاردة بين اللفافة والصبي، وأخشاب السقف المسودة، والخارج الذي كان حافلا بتشابك
أليف بين ظلال سقوف السوق القصبية وقامات العابرين. يرتشف من اللفافة نفسا أخيرا، ثم
يشغل شريط موسيقى. يعيد الثوب إلى مكانه الأول ويستأنف العمل مستسلما لأولى التفجرات
الصغيرة الوهاجة للحن الذي يعرفه جيدا والذي افتتح بنقرات رشيقة على القانون.
اليد اليمنى تغرز
الإبرة في الثوب من أجل تثبيت الخيوط المناسبة على حافته لترتفع بعدها في حدة وسرعة
إلى الأعلى، فيمتد الخيط العالق بالإبرة في الهواء رفيعا متوترا مصحوبا بصوت جارح يمتد
متدرجا في الحدة حتى يبلغ أقصاه فترتفع معه عواطف بهجة سرية. تنهال الإبرة والخيط في
عقبها على الثوب في لدغة جديدة خاطفة. يستمر طول الخيط في التناقص وتأخذ الحركة في
التسارع التدريجي على إيقاع موسيقي خفية شبه راقصة تـنقاد لها حركة الرأس التي تتسارع
هي الأخرى، كما أن الأنفاس تتشنج وفي أحيان كثيرة تهم الشفتان بالتمدد في شبه ابتسام.
يوجه المعلم نظرة متواطنة إلى الصبي الواقف في المقابل، والذي يأخذ بين أصابعه أطراف
خيوط التسدية الطويلة ويداخل فيما بينهما مواكبا إيقاع اللدغات السريعة، ثم ينخرطان
معا في الذروة بتركيز حار. كل واحد منهما يرعاها بطريقته: الصبي بالخضوع والاستجابة،
والمعلم بالعطف والقيادة، الصبي يرسل بكهربائها من خلال الحركات الرشيقة لأصابعه وذراعيه،
والمعلم يتلقى الكهرباء ويحولها إلى وحدات دقيقة متراصة من "البرشمان".
الخيط يتقلص باستمرار،
والحركة تتسارع، والنبض يتقد، والموسيقى الصادرة عن الشريط في ذروة الصخب واللوعة.
الخيط يصبح في حجم الإبرة بحيث لم يعد يتسنى لها المناورة من أجل أن تنغرز في الثوب
من جديد. ثم بحركة سريعة يسل المعلم الخيط من الإبرة ويمررها في قوة وسرعة فوق المسافة
البسيطة التي تم إنجازها من "البرشمان" كما يمرر عازف البيانو أصابعه على
جميع المفاتيح إعلانا عن نهاية العزف... وترتفع من الصدر الضامر زفرة ارتياح.
تخفت في الشريط
تدريجيا أصوات الكمان فيأخذ المعلم في ترقب الصوت المرفه العميق حتى أنه انطلق ينطق
بالجملة الأولى من الأغنية. لكن الآلات تعاود عزف المقطع الأخير من مقدمة الأغنية بإيقاع
خفيض ناعس وبأجزاء مفككة من طرف التأني يتخللها بين الحين والآخر صوت تنحنح...