ص1       الفهرس 91-100 

السينما المغربية والجمهور

نحو علاقة مغايرة

سمير عزمي

إن الجدال الذي أطلقه عرض الشريطين المغربيين "العايل" لمومن السميحي و"ماروك" لليلى المراكشي، والوجهة التي اتخذها، يعيد التأكيد على ضرورة البث في مجموعة من القضايا المرتبطة براهن السينما المغربية، وذلك بطرح الأسئلة الحقيقية حول علاقة السينما بالجمهور المتلقي، واقع تلقي السينما بالمغرب، وحول علاقة المغاربة بسينماهم عموما، ونظرة المبدع المغربي إلى الجمهور. ولذا نود في هذه الورقة أن نتوقف عند بعض الأسئلة التي تطل برأسها كلما حدثت ضجة إعلامية-سياسية بصدد شريط جديد "خارج النمط".

1-    فبأي معنى تكون السينما فنا جماهيريا؟

2-   هل هناك جمهور واحد؟

3-   كيف يصنف الجمهور المغربي ما يعرض عليه بالقاعات السينمائية؟

4-   ما حقيقة دواعي عزوف الجمهور عن القاعات؟

5-   كيف ينظر المخرجون المغاربة إلى الجمهور؟ أين يضعونه لحظة إبداع أفلامهم؟

 

-1-

إن التأكيد السائد على أن السينما فن جماهيري يحتاج إلى تدقيق، فهذه الجماهيرية لم تتحقق دائما، إنها لم تتحقق إلا مع مبدعين كبار وعظام مثل شارلي شابلن، الذي شوهدت أفلامه  حتى في بلاد الإسكيمو، ولذا  يمكننا أن نؤكد أن السينما فن جماهيري، لكن على سبيل المقارنة مع الفنون الأخرى، فهذا مما لاشك فيه.

ومع ذلك  يتساءل (ألان باديو) عما إذا لم يكن تعريف السينما بأنها "فن جماهيري" حاملا لمفارقة[1]، فصفة "الجماهيرية" تنتمي إلى حقل السياسة بامتياز (الجماهير صانعة التاريخ)، وهي صفة ترتبط بالديمقراطية، في حين أن  الفن ذو أبعاد أرستقراطية، نخبوية. إنه يتطلب إبداعا في الأشكال، ابتكار الجديد في تاريخ الأشكال التعبيرية، يستلزم تمكنا من وسائل وأدوات فهم الإبداع، إلماما بتاريخ الفن وأدواته، ولابد له من تعلم طويل وشاق وتعود على تقنياته، وبمعنى آخر يرتبط الفن  بتربية فنية فردية. ولذا فالعلاقة بين شطري تعريف السينما (السينما فن جماهيري) قائمة على المفارقة، بين ما هو نخبوي :الفن، وما هو ديمقراطي: الجماهيرية.

إن واقع الحال هذا، هو ما يجعل العمل السينمائي متموقعا عند نقطة التقاطع بين الآراء العادية والساذجة من جهة، وبين اشتغال الفكر على مواضيعه من جهة ثانية، إن الميزة الأساسية للفن السينمائي هي وجوده على الحدود بين ما هو فن وما يوجد خارجه، وهو ما لا نجده في باقي الفنون الأخرى، التي تظل نخبوية بالأساس: التشكيل، الموسيقى التجريدية، التصوير، المسرح...

-2-

انطلاقا من تحديدنا لعبارة "الجماهيرية"، يمكننا أن نتساءل : ما مدى مصداقية المعيار الجماهيري في الحكم على نجاح فيلم معين؟ هل نحن بصدد معيار فني أم سياسي؟

إن عبارة "الجمهور" فضفاضة جدا إذ لا وجود لجمهور واحد متجانس، قائم على انسجام الذوق، المستوى الثقافي، الميول الفنية ، أحادية التلقي... إن الجمهور السينمائي متعدد بتعدد السينمات التي تعرض أمامه والتي يقبل عليها، إضافة إلى ذلك، كيف السبيل إلى معرفة ما يريده الجمهور؟ يقول شابلن إن النتيجة التي استخلصها من حياته الفنية أنه لا  يعتقد أن الجمهور يعرف ما يريد. ولذا فإنه يؤكد أنه من الخطأ أن يظل الفنان عبدا للجمهور، إذ "الجمهور يجب أن يكون عبدا... تابعا"[2]. وهي نصيحة يقدمها شابلن إلى من يعتقدون أن الفنانين الكبار يسيرون وفق مشيئة الجمهور.

-3-

يشير مومن السميحي إلى أن المشاهد المغربي يصنف الأفلام التي تعرض في القاعات إلى صنفين[3]:

"أفلام الحركة" ويندرج ضمنها أفلام الغرب الأمريكي، الأفلام البوليسية، الفيلم الإيروتيكي، الكاراطي...؛ ثم "أفلام حيث لا شيء يحدث"، والمقصود بها أفلام السينما الراقية، سينما الاقتباس من الأعمال الأدبية... وهو ما يجعل المفارقة قائمة بين النموذج الاستهلاكي للمتفرج واللغة الإبداعية للسينمائي المغربي[4]. فما مصدر هذا الشرخ؟

يميل العديد من النقاد إلى اعتقاد مفاده أن الجمهور المغربي لا يجد ذاته في سينماه، إن الأفلام المغربية التي تعرض أمامه لا تعكس متخيله، ويمكننا أن نتساءل بهذا الصدد، هل يجد هذا الجمهور ذاته  في السينما المصرية فيقبل عليها؟ هل تعبر بوليود عن متخيله؟ كيف يسقط أناه على الشاشة فيتماهى مع أبطال السينما الأمريكية؟

إن المواطن العادي والبسيط يقبل بكثرة على "أفلام الحركة" والعنف والاستعراض والإثارة بسبب انسجامها سرديا وجماليا مع بنيته الذهنية والإدراكية[5].

-4-

يتجه العديد من المهتمين بالشأن السينمائي ببلادنا إلى الاعتقاد بأن المسار الذي اختاره السينمائيون المغاربة لأنفسهم منذ البداية، بانحيازهم لاختيارات جمالية بعيدة عن طريقة التذوق الخاصة بالمشاهد المغربي، هي التي أدت إلى عزوف هذا الأخير عن سينماه[6]، وكرد على ذلك، نشير إلى ما يلي:

يمكن تصنيف وتيرة إخراج الأفلام المغربية في العقود السابقة كالآتي[7]:

من سنة 58 إلى 68: 4 أفلام

من سنة 69 إلى 78: 14 فيلما

من سنة 79 إلى 89: 40 فيلما

من سنة 90 إلى 2000: 45 فيلما[8].

إن ما نستخلصه من هذه الإحصائيات، أن الإنتاج السينمائي كان في الماضي ضئيلا جدا ولا يتجاوز مستوى تداول الفيلم الإبداعي المغربي، حلقات النوادي السينمائية، ومع ذلك كان حضور الجمهور واضحا، عبر مؤشراته المعروفة (عدد القاعات، عدد الرواد). والحال أنه في الحاضر، حيث دعم الإنتاج السينمائي يلعب دورا أساسيا في تطوير إنتاج وإبداعية الأفلام المغربية، الأمر الذي أدى إلى بلوغ عتبة غير مسبوقة 12 فيلما في السنة، فإن هناك نفورا من القاعات السينمائية، مما يطرح سؤالا حول حدود مصداقية الربط بين حضور وغياب الجمهور من جهة، وبين مأزق السينما المغربية.

فهل يعزى هذا العزوف إلى طغيان القرصنة؟ هل جاء الدور على الأجهزة الحديثة لتتابع ما بدأه التلفاز والفيديو من حشر السينما في الزاوية؟ لكن أيضا لم لا يحدث هذا الأمر بأوربا والولايات المتحدة، حيث لا يزال الإقبال على دور السينما ممارسة اجتماعية راسخة؟

-5-

كيف ينظر المخرجون المغاربة إلى الجمهور؟ أين يضعونه لحظة إبداع أفلامهم؟ هل المطلوب من المخرج أن يختار بين رهان الإبداع وكسب جمهور واسع؟ هل يمكن الخروج من ثنائية سينما "عاهرة" للجمهور الواسع/سينما "عانس" للنخبة فقط؟

يصنف بعض النقاد الأفلام المغربية إلى أصناف ثلاثة:

-     أفلام التوجه الإبداعي[9]: وهي أفلام تكسر القوالب التقليدية للسرد، وشمة، السراب، الحال، حلاق درب الفقراء...

-     أفلام التوجه السوقي[10]: تراكم التسطيح والابتذال ولا تضيف فائض قيمة للمشروع الجمالي للسينما المغربية[11]: دموع الندم، ياريت، غراميات الحاج الصولدي، البانضيا...

-     أفلام التوجه التسويقي: وهي تحاول  الموازنة بين الهاجس الإبداعي والتوجه المؤسس لما هو سوقي: البحث عن زوج امرأتي، للاحبي...

يمكننا أن نصنف إنتاجات المخرجين المغاربة، مع بعض الاختزال، إلى أفلام ظلت وفية في كتاباتها إلى اتجاه سينما المؤلف، أفلام تعبر عن توجه سينما الجمهور، ثم "سينما توفيقية"[12]، وهو تصنيف إجرائي، على اعتبار أن النظرة التي تفصل بشكل كلي بين النجاح الفني والنجاح الجماهيري، هي نظرة ترى إلى السينما بنصف عين، إذ أن العديد من روائع السينما العالمية حظيت بإعجاب الجمهور الواسع ولو بعد حين.

 

خلاصـات:

-     ليست السينما فنا جماهيريا إلا إذا عنينا بذلك مقارنة بينها وبين باقي الفنون.

-     إن مقولة الجمهور فضفاضة جدا ولا تعني على وجه الدقة شيئا محددا.

-     إننا نتحفظ من الربط بين أزمة السينما المغربية، وبين ابتعادها عن متخيلنا الجماعي.

-     كما نؤكد على ضرورة الفصل بين راهن السينما المغربية، والذي لم يتجاوز المرحلة الحرجة بعد، وبين الغياب الجماهيري كنتيجة لازمة عنه.

-     إن النظرة المانوية (إما وإما) للعلاقة بين الإبداع والنجاح الجماهيري، هي نظرة بعيدة عن منطق الإبداع الحقيقي، باعتباره توليفة لما يعجز عنه الإنسان العادي والبسيط، ولما يعتبره غير ممكن.

 

 



 

هوامش

 

[1] - Alain Badiou : Du cinéma comme emblème démocratique. Revue : critique, n° 692/693 : 2005, p.6.

[2] - شارلي شابلن: كيف أضحك الجمهور؟ من كتاب "فنون السينما"، ترجمة وإعداد: عبد القادر التلمساني، إصدار المشروع القومي للترجمة سنة 2001، ص. 76/77.

[3] - Moumen Smihi : Ecrire sur le cinéma, ed. Slaiki Frères, 2006 ; p. 36.

[4] - عز الدين الخطابي: علاقة الجمهور بالسينما المغربية، دراسات سينمائية، عدد 8، سنة 1988، ص. 11.

[5] - أحمد سجلماسي: المغرب السينمائي، كتاب شراع، عدد 65، سنة 1999، ص. 25.

[6] - نذكر كمثال على ذلك: مصطفى المسناوي، أبحاث في السينما المغربية، منشورات الزمن، العدد 27-2001.

[7] - المركز السينمائي المغربي: الفيلم المغربي الطويل 2000.

[8] - أو 51 فيلما حسب ما ذكره الناقد خالد الخضري، مما يجعل مجموع أفلام العشرية الأخيرة يحتل 46% من مجموع الفيلموغرافيا المغربية.

انظر: خالد الخضري: "عشرية السينما المغربية 1990/2000 إنتاج متواتر... وكتابة طموحة"، الثقافة المغربية، عدد 26/27 سنة 2004، ص. 103.

[9] - حميد اتباتو: السينما المغربية، قضايا الإبداع والهوية، 1999، ص. 18.

[10] - نفس المرجع، ص.20.

[11] - نفس المرجع، ص. 19.

[12] - محمد كَلاوي: أي جيل لأية سينما؟ مجلة سينما، العدد 7، 2001.