ص1       الفهرس 91-100 

رهانات الكتاب السينمائي بالمغرب

حميد اتباتو

يشكل الكتاب السينمائي مكونا صغيرا من مجمل الإصدارات الثقافية، حيث لا يأخذ إلا نسبة ضعيفة من المساحة المخصصة لعرض إنتاجان المطابع في الفضاء الثقافي المغربي، وعلى الرغم من "تنامي" الاهتمام بثقافة الصورة، وانشغال مجموعة من المغاربة بتكوين معرفة في المجال السينمائي و"ارتفاع" عدد الكتب السينمائية الصادرة في السنوات الأخيرة، فإن كل هدا لا يطمئننا على وضع الثقافة السينمائية، خاصة أن وضع هذه الثقافة مرهون لشروط عامة، ولواقع المسألة الثقافية بالمغرب، ولمستوى القراءة، ولأشياء أخرى عديدة يمكن الوقوف عندها من خلال عناصر هذه المقالة التي ستحاول الإجابة فيها عن مجموعة من الأسئلة من قبيل ما هو موقع الثقافة السينمائية في المشهد المغربي؟ ما هي أهم مسارات الكتابة السينمائية المغربية؟ الكتابة السينمائية ورهاناتها؟ ما هي الأعطاب المعطلة لحركية الإنتاج الثقافي في المجال السينمائي؟

إنها بعض الأسئلة التي يمكن البحث لها عن إجابات تستدعي بدورها سلسلة أخرى من التساؤلات لأن هذا يحتاج إلى مبادرات عديدة، وإلى تراكم حقيقي للإجابات والأسئلة، ويمكن لنا في هذه الورقة أن نقترح جزءا من الأرضية لفهم منطلقات بعض الإجابات وذلك من خلال الارتكاز على بعض العناصر ومنها:

1- مسارات الكتابة السينمائية بالمغرب:

الحديث عن الكتابة السينمائية حديث عن مسارات هذه الكتابة، وتاريخها، وأجناسها كذلك، لأن الكتابة السينمائية تعني في الآن نفسه، محاور عديدة منها ما له علاقة بالإبداع، وما له علاقة بالنقد، أو التاريخ، أو المهن السينمائية... الخ وعلى الرغم من أن حديثنا سيرتكز على تتبع مسار الكتابة النقدية في المجال السينمائي، في بعدها النقدي فإننا يمكن أن نحصر أنواعا أخرى قد لا يعتبرها البعض إلا نصوصا أدبية قل نقلها إلى السينما كما هو حال السيناريو مثلا. ومن أهم أنواع الكتابة السينمائية التي تبلورت في مشاريع كتب لا حقا هناك:

أ- الكتب الإبداعية في المجال السينمائي:

ما يؤسف له في المجال السينمائي، هو غياب النصوص الإبداعية السينمائية المكتوبة من المكتبات والمقصود بالنصوص الإبداعية هنا هو "سيناريوهات الأفلام" وبعض نصوص الإخراج المقترحة لها على الرغم من أن وجود نص الإخراج يعد نوعا من المستحيل. وما يعقد من هذا الوضع أكثر هو عدم وجود سيناريو حقيقي لأغلبية الأفلام قبل إخراجها، وعدم نضج ملامح تصور متكامل لنص الإخراج عند العديد من المخرجين بشكل مسبق وهكذا تصبح القصة المركز في بعض الصفحات عبارة عن مشروع متحول بشكل لا نهائي إلى حدود الانتهاء من التصوير، بل يراهن أصحابها، في الكثير من الأحيان، على بنائها وإخراجها، وحبكها على ارتجالات الارتجال ليس بالمعنى السلبي هنا، وإن كان يكثف الكثير من السلبية عند البعض الممثل ومدير التصوير، والمونتير، والمخرج نفسه الذي لا يحسم في رؤيته الأخيرة للقطة ما، وشخصية ما، وعلاقة ما، وبعدما في فيلمه إلا بعد الوصول إلى فضاء التصوير. إن أهم ما تكثفه هذه المسالة هو تثبيت الكتابة الإبداعية في مسار واحد أبدي يبدأ من الشفوي وينتهي في المرئي مباشرة، مما يجعل المكتوب جزئية عابرة يتم الارتكاز عليها باعتبارها صيفة لتلخيص القصة، أو تكوين ملف الدعم، وليس من أجل إثراء مجال مواز للسينما أسمه: "الكتاب الإبداعي السينمائي" الذي لا نجد له إلا نماذج قليلة جدا من مثل سيناريو "اميشيل ويطو" و"غروب والمدينة" لعبد الحفيظ حمدوش وعبد العزيز فيلالي صدوق .

ب - الكتابة التاريخية للسينما بالمغرب

على الرغم من ارتكاز العديد من الكتابات في المجال السينمائي بالمغرب، على المادة والبعد التاريخيين، فإن هاجس التاريخ لم يتبلور بشكل فاعل عندنا وذلك لأن هذا البعد يحتاج على مشروع متكامل تشرف عليه جهات عديدة عليها أن تعي جيدا قيمة دعم مشروع بناء الذاكرة السينمائية، وتشجيع كل ما يخدم هذا بما في ذلك الكتاب السينمائي التاريخي.

بالعودة إلى حقل الكتابة السينمائية المغربية نرصد تجليات حرقة التاريخ عند العديد من الأسماء، ونذكر من النقاد أحمد سيجلماسي، ومولاي ادريس الجعيدي، وأحمد اعرايب... الخ حيث انشغل هؤلاء، انطلاقا من وجهات نظر مختلفة، بإثراء البعد التاريخي في الحقل السينمائي، هذا على الرغم من أن الذي يتشبث أكثر بربط ما يقوم به بالتاريخ هو الناقد أحمد سيجلماسي، ويظهر ذلك واضحا في كتاباته بما فيها إصداره المعنون ب " المغرب السينمائي" حيث نرصد تجليا واضحا لهذا المنحى.

أما بالنسبة لمولاي ادريس الجعيدي فقد استحضر البعد التاريخي ليس كغاية ولكن كإستراتيجية مكنته من قراءة قضايا، ووقائع لها ارتباط بالحقل السينمائي بما في ذلك البنيات، والقوانين، والجمهور، والفيلم القصير، والسينما الكولونيالية لهذا نعتبر أن هواجس التاريخ عند مولاي ادريس الجعيدي يستدعيها قلق البحث والمقاربة لكن  التاريخ يبرز عند هذا الناقد بمعنى التوثيق من خلال كتاب "بصمات في الذاكرة الرمادية" حيث تظهر قيمة المجهود الذي قام به لجمع ذاكرة محمد الركاب المكتوبة، والتي تسمح بالتقاط عناصر تصور الراحل للسينما، وعلاقاتها، وافقها، ووظيفتها، ورهاناتها. فمن خلال هذا الكتاب تم التوثيق لتجربة جد متميزة في مجالنا السينمائي، كما تم اقتراح مدخل آخر لإثراء مجال الكتابة السينمائية بالمغرب، وهو الموقع الذي استقطب لاحقا، أسماء أخرى لهاقيمتها في المجال لتوثيق تجارب رائدة، وهذا ما قام به الناقد أحمد فرتات من خلال كتابه "عشق اسمه السينما" الذي ركز فيه على تجربة محمد عصفور.

لقد ساهم هذا الكتاب في توثيق تجربة هامة تصر بعض الجهات على تناسيها، وردم أثرها خدمة لنرجسيتها الخاصة، وحساباتها الصغيرة التي جعلت عصفور يشتكي في مرات عديدة من محاولة إقبار ذاكرة وتطميرها خاصة بعد أن أهدى كل ما عنده من أفلام، وآليات وإرث لمؤسسة المركز السينمائي المغربي.

إن هاجس التوثيق الذي فعلته الأسماء السابقة قد تحول إلى قلق حقيقي عند أسماء أخرى فعل عندها المبادرة للتوثيق لعوالم السينما وعبورها في بعض الفضاءات الخاصة، وهذا ما قام بع الناقد عبد الإلاه الجوهري في كنابه الأخير الذي صدر سنة 2003 بعنوان "ورزازات فضاء السينما". لقد مكن وجود صاحب الكتاب في مدينة ورزازات، واحتكاكه برجالات السينما الذي عبروا هذا الفضاء، وضبطه لجزئيات ودقائق الواقع السينمائي بهذه المدينة من مراكمة معطيات، وإحصائيات، ووقائع عديدة شكلت مادة هذا الإصدار الذي يؤرخ للسينما، وناسها وقلقها وفضاءاتها، وأحزانها، وإطاراتها بمدينة ورزازات، وهذا له قيمته .

ج - الكتب المترجمة في المجال السينمائي المغربي:

من بين الاهتمامات الغائبة في الحقل السينمائي المغربي هناك مسألة الترجمة، حيث لا نعثر إلا على كتابات قليلة جدا لها علاقة بمجال الصورة عامة كما هو الحال مع ما قام به الناقد ادريس القري، ومع ترجمة كناب "العلبة النيرة" لرولان بارث، ومع كتاب عمر حلي حول "السينما والسيرة الذاتية" والسينما و الفلسفة لعزالدين الخطابي إلا أننا قد نجد المزج بين الترجمة والإعداد كما كان الأمر في كتاب "سينما البلدان النامية" للدكتور عزالدين الخطابي وعبد الإلاه الجوهري. واللافت، بالنسبة لهذا المجال، هو عدم مغامرة الأسماء المنشغلة بالترجمة بالانفتاح  على المجال السينمائي، ونقل بعض كتبه، ونظرياته، وهكذا يصبح إتقان اللغات الأجنبية الوسيلة الوحيدة الممكنة لإطلاع على مستجدات التنظير والنقد السينمائيين، أو انتظار بعض المعارض النادرة لاقتناء بعض الكتابات بالعربية، بالنسبة للفئة التي لا تتقن غير العربية، من مثل معرض الدار البيضاء الدولي حيث يوفر كتبا قيمة مترجمة، قليلة طبعا، بإشراف هيئات أو مؤسسات وأفراد من سوريا، ومصر،  في الغالب.

 

د - الكتب النقدية في حقل السينما بالمغرب:

يعد مجال النقد الاهتمام راكم بعض الإصدارات في المجال السينمائي، خاصة أننا نستطيع حصر أسماء عديدة لها انشغال بالكتابة في هذا الموقع وقد كرس الكثير منها هذا داخل إطارات ومجالات منها فضاء الأندية السينمائية، والجمعيات الثقافية، والبحث العلمي، والمجال الإعلامي الخ.

وهكذا استقطب المجال النقدي أسماء من أجيال عديدة ساهمت حسب إمكانيات كل جيل وكل ناقد، في صياغة ملامح ما يسمى الآن " النقد السينمائي المغربي" وإذا كانت مجموعة من الأسماء الرائدة أبقت كتاباتها وأبحاثها في صيغة الدراسة أو المقالة كاختيار له ما يبرره ماديا ونفسيا أيضا، فإن أسماء أخرى غالبت ظروفها الخاصة ودفعت ما أنتجته، وبحثت فيه، ليخرج في إصدارات موقعة بأسماء من مثل محمد نورالدين افاية، وخالد الخضري، وبوبكر الحيحي، ومحمد كلاوي، ومحمد عريوس، وعبد الجليل البويري، ومصطفى المسناوي، ومولاي ادريس الجعيدي، ومحمد باكريم وابراهيم ايت حو، وعزالدين الوافي، ومحمدالزاهير وحميد اتباتو وغيرهم لكن إلى جانب هذه الأسماء نشير إلى مبادرات خاصة لبعض الجهات، أثمرت بعض الإصدارات من قبيل دفاتر مهرجان تطوان السينمائي، وإصدارات جمعية نقاد السينما بالمغرب، وإصدارات بعض المؤسسات الجامعية القليلة أو جهات أخرى منها أساسا بعض أندية السينما.

لقد شكلت الكتابات النقدية في المجال السينمائي أهم مكون تراكمت من داخله الإصدارات السينمائية أكثر خاصة بعد أن أغرى النقد السينمائي مجموعة من الأسماء بالإسهام فيه من موقع اشتغالها، والبحث في قضايا السينما، والتخلي أحيانا عن الاهتمامات الأصلية، والانخراط في إثراء السؤال الثقافي من "مدخل النقد السينمائي"، وكل هذا ساهم في "مراكمة" الإصدارات السينمائية التي أتعبت أغلب كتابها لاعتبارات عديدة، منها إخراجها على نفقة أصحابها، وعدم الاعتراف بالثقافة السينمائية، وتدني الوعي الفني، وأشياء أخرى يمكن الوقوف عندها في العنصر الموالي.

2- الكتاب السينمائي بالمغرب وأعطاب الانتكاس:

يشتغل المشروع الذي ينهض به مجموعة من المهتمين بالحقل السينمائي بالمغرب، على مستويات عديدة، من أجل خلق تراكم في المجال أولا، وخلق استئناس بهذا النوع من الكتابات عند جمهور القراء ثانيا، والمساهمة في تفعيل الاهتمام بالثقافة السينمائية ثالثا، ونقد المشروع السينمائي المغربي والتاريخ له، ومواكبة إنتاجاته ومستجداته، رابعا، وملء الفراغ الحاصل في المجال، والمساهمة في إغناء حركية المجال الثقافي من موقع الكتابة عن السينما خامسا، الا أن هذا المشروع تعيقه مشاكل عديدة من بينها: 

أ- غياب الاهتمام الفاعل بالثقافة السينمائية:

تعتبر الثقافة السينمائي جنسا طارئا على المجال المغربي، ذلك أن الاهتمام الفاعل بها لم يبدأ إلا مؤخرا، لكن عند فئة قليلة فقط من المغاربة وقد تم اعتبارها من دون قيمة مما جعلها تتشكل كمكون منسي ومهمش لأن النخبة المثقفة فضلت أجناسا أخرى معترف بها، هذا على رغم من أننا نجد دائما من ينشغل بها بهذه الدرجة أو تلك خاصة بعد أن برزت الأسماء الرائدة في المجال التي وفرت بمجهوداتها وعطاءاتها، الفضاءات التي أنعشت أكثر حديث السينما، ونقصد هنا الرواد المؤسسين لمشروع الأندية السينمائية ، ولبعض المنابر النقدية، ولبعض الصفحات المهتمة بهذه الثقافة.

لقد رسخت هذه المبادرات الاهتمام بالثقافة السينمائية عند فئة من جمهور الثقافة خاصة أن عمل الأندية مثلا مكن نخبة مهمة من جمهور السينما، وجمهور العمل الجمعوي من:

-        تاريخ مشاهدة في مجال السينما

-        تاريخ أفكار حول المدارس والمذاهب، والجماليات، والإبداعية السينمائية

-        مراكمة معرفة بآليات تحليل السينما وخطابها

-        الإسهام في إنتاج النقد السينمائي وإثرائه شفويا أو كتابيا

عملت النخبة، المتحدث عنها، على ربط جزء من حياتها الثقافية والفكرية بالسينما وثقافتها، وهو ما أهل مجموعة منها للإسهام الفاعل في المجال بكتابات، ودراسات وإصدارات تسمح بالحديث الآن عن مجال " النقد السينمائي" و"الكتاب السينمائي" و"التاريخ السينمائي" بالمغرب لكن ما يمكن ملاحظته هنا هو أن هذا المسار الذي سار فيه رواد الكتابة عن السينما، وإن كان قد استقطب أسماء من الأجيال لاحقة، فإنه حافظ على نفس صعوباته ومعيقاته لأن الاهتمام بالسينما لم يتم تركيزه بصيغة بنية ثابتة، وقارة في المشهد المغربي، ولا زالت الأسماء البارزة في المجال الفكري والثقافي غير مهتمة بالمجال، كما لم يتم الانتباه، من طرف الجهات الرسمية، إلى قيمة هذه الثقافة إلا مؤخرا ولا نملك لحدود الآن معاهد وجامعات لتدريس المادة السينمائية كما لم تدمج وزارة التربية الوطنية، ووزارة التعليم العالي ثقافة الصورة مادة رئيسية في برامجها على الرغم من الاقتراحات الأخيرة الواعدة عند الوزارتين، ولازال اهتمام الطلبة والباحثين بجنس السينما جنينيا.

إضافة الى هذا هناك غياب كبير للكتاب السينمائي من المكتبة المغربية، والعناوين الموجودة قليلة وهذا ما يعطل أكثر إنضاج الوعي الفني، والحاجة إلى الثقافة السينمائية ، وينضاف إلى كل هذا إهمال الكتاب السينمائي المغربي من طرف العديد من الجهات وهذا ما نخصص له العنصر الموالي.

ب - إهمال الكتاب السينمائي المغربي:

يمر إصدار كتاب السينما في المجال المغربي، غالبا، عبر معبر وحيد هو جيب صاحبه لأنه المعني به طبعا وليس هناك أي جهة تدعمه سواء قبل إصداره أو بعده، مع استثناءات قليلة والكتاب السينمائي لا يخرج عن ما هو معروف في السياق المغربي، لكن ما دام أن هناك مؤسسة مشرفة على المجال السينمائي، وهناك ميزانية مهمة يتم رصدها لتنمية المشروع السينمائي المغربي، ومادام أن من بين أهداف المركز السينمائي المغربي المساهمة في نشر الثقافة السينمائية كان بالإمكان اقتراح صيغة ما لدعم الكتاب السينمائي لأن له علاقة بمشروعنا السينمائي خاصة أنه لا يمكن بناء مشروع فني، وجمالي وإبداعي حقيقي في هذا المجال إذا لم يتم تأسيس أرضية متينة لهذا المشروع ويمكن للكتاب السينمائي أن يساهم في تاسيس هذه الأرضية إذا تحملت الجهات المعينة بالسينما وثقافتها مسؤولية الإسهام الفاعل في ذلك.

إن ما يعاني منه الكتاب السينمائي، إضافة إلى هذا، هو معيقات أخرى تجعل منه مكونا ملحقا بالمجال الثقافي، لأن الثقافة السينمائية لا زالت تعتبر شأن أقلية بل لا تعني حتى أهل الحقل أنفسهم ما دام أغلب السينمائيين المغاربة يعتبرون النقد السينمائي ترفا وعبئا عليهم في كثير من الأحيان، وبالأخص عندما يأخذ النقد مواصفات بعيدة عن المجاملة والمحاباة وقد تدعم هذا الوضع بإقرار جهات عديدة بلا قيمته وهذا ما عجل بانطفاء الصفحات والملاحق التي كانت مخصصة لمادة السينما في مراحل سابقة.

إن ما تؤكده الإشارات السابقة هو إهمال ثقافة السينما ، وتهميش الكتاب السينمائي الذي لا زال يبحث عن موقع له في فضاءات المشهد الثقافي المغربي ، لكن بناء هذا الموقع والاعتراف به يحتاج إلى فهم أعمق للأولويات المشكلة لوعي ولا وعي المغرب الثقافي ونخبه ، ومكوناته. وهذا ما يمكن أن يقوم به المختصون في مجالات علم الاجتماع وعلم النفس لكن الأساسي بالنسبة لنا قبل ذلك هو أن يبني نقاد السينما، وكل المهتمين بالثقافة السينمائية، رهانات جدية وفاعلة لمشاريعهم لأن ذلك يعد أحد المداخل الأساسية لتأسيس موقع إيجابي للكتاب السينمائي في المجال المغربي ، وهذا ما نخصص له العنصر الموالي.

3 - رهانات الكتاب السينمائي المغربي:

لا تختلف شروط الإصدار الثقافي عن شروط إصدار الكتاب السينمائي، بل وشروط الوضع الثقافي عامة. وما يميز كل هذا هو تدهور الاهتمام بالثقافة، وتدني الوعي الثقافي، وتراجع الحاجة إلى الثقافة وموقعها، ووجهة نظرها وجرها من طرف بعض أهلها إلى مواقع الالتباس والذيلية، واعتبار الكتاب، والثقافة عامة، بضاعة متجاوزة وبائدة ل أكثر من هذا يعد اقتناء الكتاب، وبناء مكتبة خاصة، والانشغال بحرقة الثقافة سلوكا غير سوى عند فئة كبيرة من الكائنات الاستهلاكية المغربية.

إن الوقوف عند مجموعة هذه الشروط لا يعني الاستكانة لها، ومجاراة تجار اليأس الذين بخسوا الثقافي قيمتها بل يعني التفكير في بناء رهانات جديد تتأسس على فهم الأعطاب وتجاوزها وتعمل على تفعيل أسئلة جذرية تساهم في إعادة الاعتبار للكتاب والثقافة بما في ذلك ثقافة السينما وإصداراتها – ومن بين الرهانات التي يجب كسبها هناك:

أولا: تأسيس فاعلية الكتابة السينمائية، وتكثيفها، وبناء صلابة معرفية لأسسها ومنطلقاتها، وخلفياتها وكل هذا سيسمح ببروز موقع إيجابي تنطلق منه الكتابة السينمائية، وتدعمه مجموع الكتب التي ستصدر لأن الإنتاج الذي سيصدر وفق هذه الرؤية سيشكل قيمة مضافة للموقع، وسيخدم أكثر مشروعية الكتابة السينمائي في المجال المغربي.

ثانيا: تنسيق مجهودات بعض الجهات غير الرسمية لبناء تصور إيجابي لكيفية إغناء مشروع الكتابة، والطبع، والتوزيع في المجال السينمائي، ويمكن مثلا لكل من الجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب، وجمعية نقاد السينما ان تعملا في هذا الأفق، خاصة إن الإطارين يمتلكان مجموعة من المميزات تسمح لهما ببناء مشروع فاعل في هذا المجال، والدفاع عنه، والحوار حوله، وإيجاد أطراف رسمية وغير رسمية لدعمه  .

ثالثا: تفعيل الإهتمام بالثقافة السينمائية عن طريق مراكمة الكتابات ، وملء فراغات المنابر الإعلامية والثقافية ، والاسهام الفاعل في دعم اهتمام الأفراد والإطارات بالسينما ، عن طريق الحضور ، والمشاركة الإيجابية في اللقاءات والندوات والملتقيات المنظمة من طرف هاته الجهة أو تلك .

رابعا : توضيح وظيفة الكتابة السينمائية ، ونفي التباسات الموقف الثقافي عن طريق بناء خطاب صادق وواضح لا يجامل أحدا ، ويعيد النظر في كل اليقينيات بما في دلك يقيتيات الذات الناقدة . إن هذا سيسمح بتكريس الاعتراف بالنقد ووظيفته وقيمته من طرف الجميع بما في ذلك أهل السينما وجمهورها ، والجهات المشرفة عليها.

خامسا : خلق تجمعات وازنة من داخل جواسم أو جمعية النقاد أو إطارات أخرى لفرض شروط عادلة وصحية لإنتاج وترويج الكتاب السينمائي ، والمدخل لهذا هو التعريف بالكتابات الموجودة والدفاع عنها ، وانتقادها أيضا لأنه لا يمكن تحقيق الاعتراف بالكتاب السينمائي ادا لم يتم تطويره بشكل مستمر. ويمكن البدء بالبحث عن شركاء لتمويل الإصدار السينمائي، وشرائه والترويج له.

إنها بعض الرهانات الممكنة حاليا.. إلا أن تضافر جهود الجميع، والإقرار بوحدة الانشغال والأحزان، والجدية في العمل، بإمكانها أن تطرح رهانات أخرى وتكسبها كذلك. والرهان الآني حاليا هو تأسيس ملامح المشروع النقدي السينمائي المغربي بناء على مرتكزات الفاعلية، والصدق، والعمق، وعدم الالتباس والصلابة المعرفية خاصة داخل الكتابات التي يتم إصدارها في شكل كتب.