ص1       الفهرس 91-100 

الأمين العام في الحياة الحزبية المغربية

أحمد بوز

كثيرا ما ارتبطت الأحزاب السياسية المغربية بأشخاص زعمائها، إلى درجة دفعت أحد الباحثين المغاربة إلى القول إن "الزعيم، شكل باستمرار لحمة وسدى التنظيمات الحزبية بمختلف تلويناتها ومشاربها الفكرية والسياسية"(1)، بل إنه من شدة هذا الارتباط بين الأحزاب السياسية و"فكرة الزعيم" أصبحت هذه الأخيرة "ظاهرة ممأسسة" (2) وراسخة في المنظومة الحزبية المغربية.   

  هذه الخلاصة، هي نفسها التي توصل إليها باحث أجنبي، عند دراسته لتطور "الأحزاب السياسية المغربية"، حين أشار إلى أن "تاريخ الأحزاب المغربية هو تاريخ بعض الرجالات أكثر منه تاريخ التنظيمات" (3)، مضيفا بأنها "سميت مجانيا أحزابا لأنها لا يمكن تصورها مجردة عن الذاتية، أسلوب اختيار الزعماء وسلطتهم لا تتحدد بقواعد اشتغال الحزب" (4).

وبتتبع مسار الحياة الحزبية المغربية يظهر أن هؤلاء "الرجالات" أو "الزعماء" هم، في غالب الأحيان (5)،"الأمناء العامون" لهذه الأحزاب (6). والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، و يحاول هذا المقال تقديم بعض عناصر الإجابة عنه، يتعلق بالكيفية التي يظهر بها هذا الإرتباط بين الحزب وشخص أمينه العام. في هذا الإطار يكشف تأمل الحياة الحزبية المغربية أن هناك ثلاثة تجليات لهذه العلاقة. أولها، الطريقة التي يتم بها الوصول إلى منصب الأمانة العامة للحزب والاستمرار فيها، ثانيها، طول المدة التي يقضيها الأمين العام في هذا الموقع، وثالثها، الاختصاصات والصلاحيات التي يتوفر عليها الأمين العام، سواء تلك التي تكرسها له القوانين المعمول بها داخل هذا الحزب أو ذاك أو تلك التي يستطيع فرضها من خلال الممارسة.

 

I ـ كيف يصل الأمين العام إلى هذا المنصب؟

تكشف التجارب الحزبية المغربية عن وجود قاعدة عامة معمول بها في الحياة الحزبية المغربية مفادها أن "الأمين العام لا ينتخب" بل يعين وفقا لآليات وميكانيزمات تختلف من حزب إلى آخر، ويمكن حصرها في ثلاثة:

ـ التعيين الملكي: في بعض هذه الأحزاب، خاصة تلك التي ظلت تنعت بأنها "أحزابا إدارية"(7)، حصل أن كان تعيين الأمين العام من طرف الملك. وفي هذا الإطار تؤكد أكثر من شهادة لبعض أطر وقياديي حزب التجمع الوطني للأحرار أن هذا الأخير جرى تأسيسه داخل القصر الملكي، وكان الملك الحسن الثاني هو من اختار له اسم الحزب واسم رئيسه (8). كما أن شهادات من داخل "حزب إداري" آخر ذهبت هي كذلك في نفس الإتجاه. فقد سبق لقيادي سابق بحزب الاتحاد الدستوري أن أشار صراحة إلى ذلك حين قال :"مات رحمه الله (يقصد المعطي بوعبيد الرئيس المؤسس للاتحاد الدستوري) ليلة فاتح نونبر 1996، دون أن يكون قد أعد خلفا للإشراف على تدبير الحزب وتسييره، كما لم تكن اللوائح الداخلية للحزب تنظم ذلك بوضوح، فبقي أعضاء المكتب السياسي المنتخبون في مؤتمره الثالث سنة 1994 حائرين إزاء اتخاذ ما يلزم لضمان استمرارية المسيرة الحزبية، حيرة ستؤدي إلى محطة استثنائية في تاريخ الاتحاد الدستوري" ( 9). هذه الحيرة هي التي سيفكها الملك الراحل الحسن الثاني، كما سيوضح ذلك  هذا القيادي نفسه، حين يضيف قائلا : "جرت الأعراف أن تقدم الأحزاب السياسية تعازيها في وفاة مؤسسيها إلى عاهل البلاد، وقد استقبل جلالة الملك الحسن الثاني أعضاء المكتب السياسي بالقصر الملكي ببوزنيقة. وخلال هذا اللقاء، ترحم الجميع على الفقيد، وذكر جلالته بمناقبه وخصاله وببعض ما كان يجمعه بالفقيد، وكان الكل ينتظر إشارة ملكية توحي بالخلف الممكن على غرار ما حدث في مناسبات مماثلة مع بعض الهيئات السياسية، إلا أن المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني نحا منحى آخر، حيث عرض على الحاضرين اقتراحا لرئاسة الحزب لمدة شهر أو شهرين بالتناوب إلى غاية المؤتمر المقبل، مؤكدا لهم أن من سيختارونه حينداك سيحظى بالترحيب الملكي" (10).

والملاحظ أن هذا النوع من التعيين، الذي كان ممارسة معروفة على عهد الملك الراحل، إذا كان قد اختفى على عهد خلفه الملك محمد السادس، فقد عوضتها ممارسة أخرى لم تكن سائدة من قبل، تتجلى في برقيات التهنئة التي أضحى الديوان الملكي يوجهها إلى رؤساء الأحزاب لحظة الإعلان عن "انتخابهم" في هذه المهمة. وهي ممارسة نقلتنا من مرحلة التعيين المباشر إلى مرحلة أصبحنا خلالها أمام شبه تزكية أو تنصيب ملكي، مثل ذلك الذي يتلوا عادة انتخاب الوزير الأول في بعض التجارب الديمقراطية الغربية، مثل إسبانيا وبريطانيا. والمثير في هذه الرسائل هو أنها توجه إلى رؤساء أحزاب دون آخرين، دون أن يعرف سند ذلك، هل هو مشاركة حزب الرئيس الموجهة إليه تلك الرسالة في الحكومة، أم سند آخر؟ وإن كان التفسير الأول هو الأقرب للصواب، خاصة إذا علمنا أن تلك الرسائل وجهت تحديدا لرؤساء الأحزاب التي تشارك في الحكومة، وفي هذه الحالة تكون هذه الرسائل عبارة عن تعبير ملكي عن رضاه عن تلك الأحزاب، التي تعمل على تنفيذ اختياراته (11).

ـ التعيين بالوصية:  في بعض الأحزاب يتم هذا التعيين من طرف الأمين العام السابق الذي يقدم بعض الإشارات الصريحة أو الضمنية، خاصة عندما يكون يشعر بأن أجله قد اقترب إما لكبر سنة أو لظروف صحية ألمت به،  عن رغبته في أن يخلفه شخص بعينه في هذه المهمة. وإذا كانت المعلومات قليلة في هذا الشأن فإنها ليست منعدمة كليا. ومن ذلك ما يشير إليه هذا القيادي في حزب الإتحاد الدستوري حين يقول:" لم يجد ما تبقى من المكتب السياسي صعوبة تذكر في إيجاد خلف لأول أمين عام للحزب، والذي دامت ولايته من 10 ماي 1998 إلى 19 يناير 2001، لأنه رحمه الله (يقصد عبد اللطيف السملالي)، على خلاف الراحل المعطي بوعبيد، كان قد عين محمد أبيض نائبا له في حياته في كل المجالات المالية والسياسية، فكان الإجماع على تكليفه بالنيابة إلى غاية المؤتمر الرابع" (12).

ـ التعيين الحزبي: يتخذ هذا التعيين، بدوره، عدة أشكال. فهو قد يكون مباشرا من طرف المؤتمر، حيث يقوم هذا الأخير بالتصفيق على الأمين العام، الذي قدم للمؤتمرين، من طرف أحد قيدومي الحزب أو قيادييه، كمرشح وحيد، مثل ما يحصل عادة داخل حزب الاستقلال، وحصل مع الأمين العام الحالي عباس الفاسي، وداخل الحركة الشعبية، سواء عندما كانت لا تزال منقسمة إلى ثلاثة أحزاب (الحركة الشعبية، الحركة الوطنية الشعبية والاتحاد الديمقراطي) أو عندما أصبحت موحدة تحت اسم واحد هو الذي عرفت به منذ تأسيسيها في منتصف الخمسينيات. كما قد يكون من طرف جهاز أضيق عددا، كاللجنة المركزية أو المجلس الوطني، حسب اختلاف التسميات من حزب لآخر، بل حتى من طرف المكتب السياسي، مثل ما يحصل داخل الاتحاد الاشتراكي والحزب الاشتراكي الموحد والمؤتمر الوطني الاتحادي، مع فارق هو أن الأجهزة التي تعين الأمين العام في بعض الأحزاب تكون منتخبة، بالإقتراع السري، بينما تكون معينة في أحزاب أخرى.

لكن قاعدة "الأمين العام غير المنتخب" سرعان ما بدأت تعرف، في السنوات الأخيرة، بعض الإستثناءات، وإن كانت هذه الإستثناءات، كما يفترض فيها، لم تحصل في أحزاب جديدة، التي لا زال الأمين العام في  بعضها يعين في مكتب سياسي معين، في مجلس وطني معين، في مؤتمر انتدب مؤتمروه عن طريق التعيين (13)، وإنما في أحزاب قديمة، نسبيا، تجسدها وقائع ثلاثة:

ـ  الأولى، هي عندما كان حزب العدالة والتنمية "الإسلامي" أول حزب في المغرب ينتخب أمينه العام عن طريق الإقتراع السري، حيث تنافس على هذا المنصب، خلال مؤتمره الخامس المنعقد بالرباط سنة 2005، خمسة مرشحين (14)، جرى التصويت عليهم داخل المؤتمر، قبل أن تؤول نتيجة التصويت إلى الدكتور سعد الدين العثماني (15).

ـ الثانية، هي عندما لجأ حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، في مؤتمره الأخير، الذي انعقد بتاريخ 6، 7 و8 أبريل 2007، إلى اعتماد آلية الإقتراع السري في الاختيار بين مرشحين لمهمة الكاتب الوطني، حيث آل تصويت أعضاء اللجنة المركزية (16)، البالغ عددهم 67، لفائدة المحامي أحمد بنجلون على حساب محامي آخر هو عبد الرحمان بنعمرو. 

ـ أما الثالثة، فلم تأت هذه المرة لا من حزب إسلامي ولا من حزب يساري وإنما من حزب صنف عادة في عداد "الأحزاب الإدارية"، وإن كان هو يقدم نفسه ك"حزب وسطي"، حيث تنافس على خلافة "الرئيس المؤسس للتجمع الوطني للأحرار مرشحان، وأفضى التصويت عليهما داخل المجلس الوطني، الذي يضم 800 عضوا، إلى ترجيح أصغرهما سنا، الوزير مصطفى المنصوري بدلا من رئيس مجلس المستشارين مصطفى عكاشة. مع إشارة لابد منها هنا وهي أن "الهيأة الناخبة"، أي المجلس الوطني، التي صوتت على "رئيس الأحرار" الجديد، وعلى خلاف ما حصل في الحزبين السابقين، لم تكن منتخبة وإنما معينة على صعيد الجهات التي ينقسم إليها تنظيم الحزب.

II ـ طول المدة في الأمانة العامة

على هذا المستوى تكاد تكون القاعدة العامة هي أن الأمناء العامون للأحزاب يظلون كذلك حتى الموت، لتصبح هذه الأخيرة، على نحو ما عبر عن ذلك أحد الباحثين، هي "الكائن الديمقراطي الوحيد (...) والحل الديقراطي الوحيد لإمكان تجدد الديمقراطية الحزبية" (17). فإذا ما تتبعنا تاريخ الأحزاب المغربية نجد أنفسنا أمام أربعة حالات من الأمناء العامين:

ـ أمناء عامون ظلوا في مواقعهم حتى الموت، ويتعلق الأمر هنا بتسع حالات، هي: عبد الرحيم بوعبيد (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)، عبد الله إبراهيم (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية)، علال الفاسي (حزب الاستقلال)، محمد بن الحسن الوزاني والتهامي الوزاني (الشورى والاستقلال)، المعطي بوعبيد وبعده عبد اللطيف السملالي (الاتحاد الدستوري)، نجم أباعقيل (حزب العمل)، علي يعتة (التقدم والإشتراكية) وأرسلان الجديدي (الحزب الوطني الديمقراطي).

ـ أمناء عامون خلفوا الأموات ولا يزالون في مواقعهم، ولا يستبعد أن يظلوا كذلك إلى أن يموتوا وهم في هذه المسؤولية، خاصة وأنهم جميعا متقدمين في السن، ويهم الأمر هنا أربعة حالات: إسماعيل العلوي (التقدم والاشتراكية)، محمد أبيض (الاتحاد الدستوري)، عبد الله القادري (الحزب الوطني الديمقراطي)، محمد الإدريسي (حزب العمل).

ـ أمناء عامون ظلوا كذلك منذ تأسيس الأحزاب التي يوجدون على رأسها، وهنا أيضا ليس هناك ما يظهر أنهم سيتخلون عن هذا الموقع قبل أن يدركهم الموت. ونسجل هنا إثنى عشر حالة: المحجوبي أحرضان (الحركة الوطنية الشعبية) (18)، امحند العنصر (الحركة الشعبية)، أحمد العلمي (البيئة والتنمية)، محمد زيان (الحزب المغربي الليبرالي)، محمد بنحمو (المبادرة الوطنية للبيئة والتنمية)، محمد سمار (...)، محمد مديح (....)، التهامي الخياري (جبهة القوى الديمقراطية)، محمود عرشان (الحركة الإجتماعية الديمقراطية)، عبد الرحيم الحجوجي (حزب القوات المواطنية)، علي بلحاج (رابطة الحريات)، شاكر أشهبار (...)، أحمد بنجلون (حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي).

وتظهر طول المدة التي يقضيها الأمناء العامون على رأس أحزابهم، أيضا، من خلال معرفة عدد الأمناء العامين الذين تعاقبوا على كل حزب منذ نشأته. وفي هذا الإطار نلاحظ أن حزب التقدم والاشتراكية (24)، الذي عمر طويلا في الحياة السياسية المغربية، لم يتعاقب على قيادته غير ثلاثة أمناء عامون، هم ليون سلطان (من 1943 إلى 1945)، علي يعتية (1945 ـ 1997) وإسماعيل العلوي (1997 إلى اليوم).

كما أن حزب الاستقلال، الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى سنة 1946، توالى على رئاسته أربعة أمناء عامون فقط، هم: أحمد بلافريج، وعلال الفاسي، وامحد بوستة (1974ـ 1997) وعباس الفاسي (1997 إلى الآن)، وحتى عندما لجأ هذا الحزب إلى تحديد مدة ولاية الأمين العام في ولايتين متتاليتين، وكان ذلك إنجازا مهما، عمد الأمين العام الحالي، الذي كان حقه القانوني في الاستمرار في هذا المنصب قد انتهى في مارس 2007، إلى انتزاع قرار بتأجيل موعد انعقاد المؤتمر إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقبلة، رغم المعارضة التي ووجه بها هذا القرار داخل حزب الاستقلال، خاصة في بداية طرحه.

وينطبق نفس الأمر على الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي لم يعرف طيلة وجوده غير أمين عام وحيد هو عبد الله إبراهيم (1959ـ 2006)، قبل أن يؤدي موت هذا الأخير إلى تنازع الشرعية بين من سيخلفه. كما ينطبق على الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي عرف منذ تأسيسه سنة 1975 توالي ثلاثة كتاب أولين فقط، هم: عبد الرحيم بوعبيد (1975 ـ 1992)، عبد الرحمان اليوسفي (1992ـ 2004) ومحمد اليازغي (2004 إلى اليوم).

أما التجمع الوطني للأحرار، الذي تأسس في نفس الفترة (1977)، فقد استمر على رأسه شخص واحد، أحمد عصمان، لمدة 30 سنة (1977ـ 2007)، قبل أن يتنحى لفائدة رئيس جديد كان هو من دعى إلى التصويت عليه. في حين ظل المحجوبي أحرضان على رأس الحركة الشعبية منذ تأسيسها سنة 1957، إلى أن أطاح به امحند العنصر سنة 1987، ليؤسسس الحركة الوطنية الشعبية التي ظل رئيسا لها حتى سنة 2006، التي شهدت عودة الحركة إلى الحركة.  وهذا، أيضا، هو حال كل من الحزب الوطني الديمقراطي، الذي تعاقب عليه رئيسان فقط (أرسلان الجديدي وعبد الله القادري)، والاتحاد الدستوري، الذي عرف ثلاثة أمناء عامين (المعطي بوعبيد، عبد اللطيف السملالي، محمد أبيض). ولولا الموت لكانا قد عرفا أمينا عاما فقط لكل منهما.

والملاحظ أن "قاعدة الموت" هذه لم تختل، منذ بداية الحياة الحزبية المغربية، إلا سنة 1997، حين كان الأمين العام السابق لحزب الاستقلال، امحمد بوستة، أول من أقدم على الإنسحاب من الأمانة العامة لحزبه تاركا الفرصة لأمين عام آخر، مدشنا بذلك سابقة في الحياة الحزبية المغربية، قبل أن تحصل فيما بعد استثناءات أخرى، أبرزها، إحجام محمد بنسعيد أيت إيدر عن قيادة الحزب الجديد (اليسار الاشتراكي الموحد) بعد اندماج منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي ظل على رأسها منذ تأسيسها، مع فصائل يسارية أخرى في إطار هذا الحزب الجديد. وانسحاب الوزير الأول السابق عبد الرحمان اليوسفي من الكتابة الأولى للاتحاد الاشتراكي سنة 2004، فضلا عن اختيار الدكتور عبد الكريم الخطيب التنازل عن قيادة حزب العدالة والتنمية، لفائدة أمين عام منتخب، ليكون تنحي أحمد عصمان من على رأس التجمع الوطني للأحرار خاتمة هذه الاستثناءات حتى الآن. مع الإشارة هنا إلى أنه، باستثناء عبد الرحمان اليوسفي، الذي اعتزل العمل السياسي بصفة نهائية، فإن أغلب المنسحبين أحتفظوا ب"ألقاب" حزبية تتراوح بين المهمة الشرفية والمهمة الفعلية. فقد أصبح امحمد بوستة عضوا بمجلس رئاسة حزب الاستقلال، وبالتالي استمر عضوا في أعلى جهاز تنفيذي بحزب الاستقلال (اللجنة التنفيذية)، وبالنتيجة بمجلسه الوطني. كما استمر عبد الكريم الخطيب رئيسا مؤسسا لحزبه، وهو المنصب الذي يعطيه حق العضوية في الأمانة العامة (19)، وفي الدعوة لاجتماعاتها (20) كما يعطيه الحق في رئاسة هيأة التحكيم (21)، التي تتوفر على عدة صلاحيات، من قبيل البت في الطعون المرفوعة إليها بخصوص الإجراءات التأذيبية التي تتخذها الأمانة العامة ابتداء (22)، والبت في القضايا التي تحيلها عليها الأمانة العامة (23). وهي نفس المهمة التي احتفظ بها أحمد عصمان داخل التجمع الوطني للأحرار. أما محمد بنسعيد آيت إيدر فقد انتخب عضوا بالمجلس الوطني للحزب الاشتراكي الموحد، وبالتالي استمر عضوا بـ"برلمان" هذا الحزب، فضلا عن أنه ظل يشغل مهة انتخابية باسمه (نائب بالبرلمان)، انتهت مع انتخابات 7 شتنبر، التي أحجم عن الترشح لخضو غمارها.

ويتضح من هذا أن أغلب تلك الإنسحابات تجعل أصحابها كمن يخرج من الباب ليعود من النافذة، خاصة إذا أخذنا بعين الإعتبار الأدوار القانونية التي تعطى لبعض المنسحبين، كما لاحظنا ذلك مع حزب العدالة والتنمية، وكما هو واضح في القانون الأساسي لحزب الاستقلال بالنسبة لمجلس الرئاسة، وكذا الأدوار الرمزية والمعنوية التي يستمرون في لعبها.

III ـ ثقل مهام واختصاصات الأمين العام

إن طول المدة التي يقضيها الأمناء العامون للأحزاب السياسية توازيها كثرة المهام التي يقومون بها، وتوازيها، أيضا، مركزيتهم في القرار الحزبي صياغة وتنفيذا. وهذا الدور الهيمني إما مكرس بنص القانون وإما فرض بفعل الممارسة.

أ ـ على مستوى القانون:

كثيرة هي القوانين الأساسية للأحزاب السياسية التي تكرس هيمنة الأمين العام على الحياة الحزبية، سنكتفي بذكر نماذج منها. ففي دراسته للوضع الاعتباري للأمين العام لحزب الاستقلال توصل أحد الباحثين إلى "أن قراءة متمعنة في القانون الداخلي الجديد للحزب تظهر، على أنه رغم مختلف التجديدات والتعديلات التي أدخلت عليه، فهو مازال يكرس الخصائص التنظيمية التي كانت تميز حزب الاستقلال، والتي تتمثل، خاصة، في توسيع صلاحيات الأمين العام...."( 25)، من خلال "عضويته في مختلف الهيئات القيادية ومهامه وصلاحياته وسلطته الرقابية" (26). فالأمين العام في هذا الحزب "يرأس هرمية قيادية واسعة وعريضة، حيث يحضر اجتماعتها ويشارك في قراراتها التي تحدد سياسة الحزب وتوجهاته. فهو الشخصية الوحيدة التي تشكل صلة الوصل بين مختلف هذه الأجهزة القيادية، والتي يطلع على نشاطها واجتماعاتها الدورية والسنوية" (27).

 ومن خلال رئاسته، مثلا، للجنة التنفيذية للحزب فإنه يكون له الدور الأساسي في " تقرير المواقف السياسية للحزب في نطاق البرنامج المحدد (...) وتوجيه إعلام الحزب وصحافته ومنشوراته وتعيين المسؤولين عن أجهزة الإعلام والنشر، وتحديد مهامهم وتقييم أعمالهم، والسهر على تتبع وتوجيه جميع هيئات الحزب ومؤسساته، وتعيين المسؤولين عن إدارة الحزب، وتنظيم المفتشيات وتوجيه أعمال الفروع وهيئاتها والمجلس الإقليمية ومكاتبها والمجلس الجهوية ومكاتبها وتقرير النفقات والسهر على المداخيل المالية للحزب، والعمل على ربط الصلة مع الأحزاب والمنظمات في الداخل والخارج" (28).

أما رئاسته للجنة المركزية فتسمح له ب"توجيه التقارير المقدمة من طرف اللجنة التنفيذية، والإطلاع على التقارير المقدمة من هيئات الحزب ومنطماته الموازية، الشيئ الذي يساعده على الإلمام بكل ما يروج داخل الحزب، والتعرف المسبق على التوصيات والمقترحات التي ستعرض على اللجنة التنفيذية في كل ما يتعلق بنشاط الحزب...."(29).  في حين تسهل عليه رئاسته للمجلس الوطني "المساهمة في توجيه وتحديد مواقف الحزب في الشؤون الوطنية" (30).

ويحظى الأمين العام لحزب الاستقلال من خلال منطوق الفصل 52 من القانون الأساسي، الذي يعطيه سلطة التحدث باسم الحزب وتمثيله قانونيا، بـ"تمثيلية مطلقة للحزب". ومن هنا يلاحظ أنه "رغم الحدود التي رسمها (القانون الأساسي) للتحدث باسم الحزب، فإن هذه الصيغة تبقى فضفاضة، بحيث تعطي للأمين العام فرصة احتكار الخطاب السياسي للحزب وبصمه ببصماته الشخصية وتأويله وفق رؤاه الخاصة. كما أن تخويله التعبير رسميا عن قرارات الحزب وتوجيهاته يؤدي حتما إلى انفراده بشخصنة الحزب. فالحزب لا يتكلم إلا من خلاله ولا يعبر إلا بلسانه، مما يزيد من تكريس شخصانية السلطة التي طالما تم التنديد بها، سواء من داخل الحزب أو من خارجه" (31).

بالإضافة إلى ذلك، فإن "تخويل الأمين العام التصرف في ممتلكات الحزب، لا يقوي فقط من مركزه السياسي والإعلامي بل أيضا من مركزه المادي. فتحكمه، بدون حسيب أو رقيب، في أموال الحزب ومقراته ومطابعه تترك له اليد الطولى وتدعم من سلطته الشخصية" (32)، خاصة إذا عرفنا أن القانون الأساسي، الذي يعطيه هذه الصلاحيات هو نفسه القانون الأساسي الذي لا يتضمن أي فصل يتعلق بمساءلة الأمين العام أو مراقبة تصرفاته. وحتى الفصل 78 المتعلق بصلاحيات اللجنة الوطنية للتحكيم والتأذيب لا يذكر اسم الأمين العام ضمن من يتم النظر في مخالفاتهم من بين مسؤولي الحزب وأعضائه.

لكن هذه الهيمنة التي يمارسها الأمين العام على شؤون حزبه، تظهر بشكل جلي أكثر في الأحزاب ذات التنظيمات الهشة أو الهلامية، إذ يتصرف، في كثير من الأحيان، كما لو أنه "هو الحزب والحزب هو". من هذه الأحزاب الحركة الشعبية، على سبيل المثال، التي ينص قانونها الأساسي على أن الأمين العام، الذي "ينتخب" لمدة قابلة للتجديد مدى الحياة، هو الذي "يسير إدارة الحركة، ويدير أموالها بمساندة اللجنة المركزية، ويترأس اللجنة التأذيبية، واللجنة المركزية، ويمثل الحركة أمام السلطة القضائية والإدارية، ويسهر على تنفيذ قرارات المؤتمر الوطني، وهو الناطق الرسمي، ويمكنه تفويض سلطاته لأحد أعضاء اللجنة المركزية، ويعين المفتش العام للحزب والمفتشين الآخرين، ويعين رئيس لجنة التنسيق ويعين أعضاء قسم الدراسات والتوجيه، ويعين أعضاء مكتسب المستشارين والمكتب السياسي" (33).

وإذا أخذنا بعين الاعتبار مهاما أخرى يخولها القانون الأساسي للأمين العام، كاستدعائه لمؤتمر استثنائي، وترأسه للمؤتمر العادي والاستثنائي، وحقه في إقرار انضمام أية هيأة إلى الحركة الشعبية، وموافقته الضرورية على انعقاد المجلس الوطني العادي أو الاستثنائي، وتوجيهيه ومراقبته لأعمال هذا الأخير، وتعيينه لعشرين عضوا به، وصلاحيته في إنذار أوتوبيخ أو التوقيف المؤقت والطرد ضد أحد أعضاء الحركة الشعبية... فإن هذه الأخيرة لا تعدو أن تكون مجرد "شركة تجارية أو سياسية" مالكها هو الأمين العام يتصرف فيها كما يشاء. أما باقي الأعضاء، بمن فيهم أعضاء المكتب السياسي وأعضاء أجهزة أخرى، فلا ينظر إليهم كشركاء أو "مساهمين" وإنما مجرد موظفين يتقاضون أجورا في شكل تزكيات للترشيح باسم "الشركة/ الحركة" في الانتخابات أو "تمثيلها" في مؤسسات معينة. بل إن البعض منهم يكون مضطرا أحيانا لدفع ثمن هذه التزكيات.

وتظهر هذه الهيمنة، في صورتها المغرقة، في نماذج حزبية أخرى، يمكن أن نذكر منها ما تخوله قوانين الحزب الوطني الديمقراطي لكاتبه العام، حيث تجلعه "يترأس (...) الهيآت الوطنية المنصوص عليها في الفصل السابق من هذا القانون. وهو المتكلم باسم الحزب ويمثله قانونا في جميع الأعمال المدنية والسياسية ولدى السلطات العمومية والقضائية. ويتولى إدارة الحزب ويتخذ عند الإقتضاء التدابير والمبادارت التي تستدعيها الظروف ويعرضها على المكتب السياسي" (34). ويعني ذلك أن الكاتب العام هو "الشخصية المحورية في أعين كل أعضاء الحزب (...) والمعبر الشخصي والفعلي عن قراراته وسياسته ومختلف مواقفه السياسية (...)، كما أن الشخصية الإعتبارية التي يتمتع بها الحزب (...) تصبح مختزلة وملخصة في شخصه (...)، فضلا عن أنه هو المدير الفعلي للحزب، بحيث يمكن أن يتخذ كافة التدابير والمبادرات، سواء في الظروف العادية أو الاستثنائية، التي تستدعيها ظروف الحزب، مما يفسح المجال له لممارسة صلاحيات واسعة تمكنه من التأثير بشكل كبير في حياة الحزب ومصيره السياسي" (35).

 وتظهر هيمنة الأمين العام، على هذا المستوى، كذلك لدى حزب العدالة والتنمية. فهو الذي "يسهر على السير العادي للحزب والإلتزام بمبادئه وأهدافه. ويرأس الأمانة العامة ، ويمثل الحزب لدى الهيئات الخارجية وأمام المحاكم، وهو الناطق الرسمي باسمه والآمر بالصرف. كما يرأس جلسة المجلس الوطني المنعقدة لانتخاب رئيسه" (36). و يتحكم في اجتماعات الأمانة العامة، التي "تنعقد بصفة عادية مرتين في الشهر وبصفة استثنائية بدعوة من الرئيس المؤسس أو الأمين العام أو بطلب من نصف أعضائها على الأقل" (37).

وهذه النصوص تظهر الثقل الكبير الذي يتوفر عليه الأمين العام في هذا الحزب. إذ أن رئاسته للأمانة العامة، مثلا، تجعله حاضرا بقوة في كل ما يجري في الحزب، بالنظر إلى الإختصاصات الواسعة التي تعطيها قوانين (38) الحزب لهذا الجهاز، كالسهر على تدبير شؤون الحزب سياسيا وتنظيميا وماليا وإداريا، ووضع البرامج، ورسم سياسة العلاقات العامة والسهر على تفعيلها ومتابعتها، واتخاذ المواقف اللازمة من الهيئات والتطورات والمستجدات، فضلا عن تنظيم المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية ووضع مشروع جدول أعمال الدورات العادية للمجلس الوطني، إضافة إلى السهر على تفعيل هيئات الحزب، وتنمية الموارد البشرية والمادية للحزب"، ووضع القوانين الداخلية للحزب والمصادقة على القوانين الداخلية للهيئات الجهوية. بل إن الأمانة العامة هي التي تختص بصلاحية تأويل تفسير مواد القانون الأساسي نفسه (39). كما أن حمله لصفة الآمر بالصرف تجعله متحكما في "شرايين" الحزب (المال)....

ب ـ على مستوى الممارسة:

يبدو أن ما تخوله قوانين بعض الأحزاب لأمنائها العامين، من صلاحيات واختصاصات، تخوله الممارسة للأمناء العامين لأحزاب أخرى. فإذا كانت صلاحيات الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي لا تتسم بالتضخم من الناحية القانونية، ولا تخوله ممارسة الزعامة في مواجهة أعضاء الحزب، أو على الأقل باقي أعضاء القيادة، فإن واقع الممارسة الحزبية أبرز كيف أن ممارسة "الزعامة" لا تحتاج بالضرورة لمسوغات قانونية.

يشير القانون الداخلي لاختصاصات الكاتب الأول في مادتين، هما المادة 79، التي تنص على أن "اجتماعات المكتب السياسي تتم مرة في الأسبوع على الأقل تحت رئاسة الكاتب الأول، الذي يمكن أن يستدعيه لاجتماع استثنائي كلما دعت الضرورة لذلك". والمادة 81، التي تجعل منه "الناطق الرسمي وممثل الاتحاد على الصعيد الوطني والدولي. وفي حالة غيابه يعين المكتب السياسي من بين أعضائه من ينوب عنه". إلا أن هذه الإختصاصات، كما سبقت الإشارة، تتخذ في الواقع العملي أبعادا أخرى تجعل من الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي مجرد أمين عام كباقي الأمناء العامين، لا شيء يميزه.

ففي عهد الراحل عبد الرحيم بوعبيد كتب أحد الباحثين ـ وهو من أطر الحزب ومسؤوليه ـ يقول:" في ما يخص ما نسميه بـ(السياسة الكبيرة) أو القرارات الكبرى، بمعنى كل ما يتعلق بعلاقة الحزب مع القصر وتلك المتعلقة بأحداث وطنية ذات الأهمية الخاصة، فإن موقف عبد الرحيم بوعبيد يكون في الغالب حاسما. ولكنه يعمل دائما على الإستشارة مع زملائه في المكتب السياسي وبعض الأعضاء النافذين في اللجنة الإدارية الوطنية. فهو لم يكن يمارس قط الأبوية (paternalisme) داخل الحزب ولم يكن يتوفر على تيار، وإن كان يتوفر على نوع من الكاريزم، التي تمكنه دائما من جعل كل الأصوات تلتف حول كل مبادراته وقراراته" (40).

وعلى عهد عبد الرحمان اليوسفي كتب باحث آخر ـ وهو أيضا من أطر الحزب ومسؤوليه ـ يقول: "لم يسبق لمؤسسة الكتابة الأولى في تاريخ الحزب أن حاولت أن تتوفر على هذا القدر من النفوذ والسلطة والتحكم في حياة الحزب، الذي تلح على التمتع به اليوم. فالكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي حاليا، يحتفظ لنفسه في ذات الوقت بمهمة الوزير الأول ومدير الجريدة، ورئيس لمجموعة من اللجان الحكومية، ومشرف على مجموعة من الملفات واللجان الحزبية، ويحتل حيزا إعلاميا مثيرا في جريدة الحزب اليومية بالعربية، ويتحكم في جمع اللجنة المركزية أو عدم جمعها، حسب تقديره الشخصي، ويباشر التعيين في مهام حزبية بدون استشارة أحد (المنسق العام للجريدة)، ويمتنع عن تقديم بيان عن المفاوضات التي يجريها مع النظام باعتبارها أسرارا للدولة، ويمانع في إشراك أعضاء المكتب السياسي في ترتيبات المشاركة الحكومية بدعوى أنه تحول بمجرد التنصيب إلى مؤسسة دستورية، لكنه في الآن نفسه يمانع في اجتماع الأعضاء الآخرين للمكتب السياسي على حدة والتداول فيما بينهم، وتقديم رأي الحزب إلى هذه المؤسسة الدستورية، لأنه هو نفسه الكاتب الأول، وهو الذي يستدعي لاجتماعات المكتب السياسي ويديرها ؟" (41). وهاتان الشهادتان، اللتان تدخلان في باب "وشهد شاهد من أهلها"، هي أقوى تعبير عن الدور الذي يمارسه، في الواقع، الرجل الأول في حزب الاتحاد الاشتراكي، دون أن يكون ذلك مكرسا من الناحية القانونية.

 وإذا كان هذا الدور، الذي للكاتب الأول في حياة الاتحاد الاشتراكي، قد ارتبط بعدد من العوامل، كـ"الماضي النضالي" و"الكاريزما" لكل من عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي، فضلا عن التواجد في موقع حكومي مهم، من قبيل الوزارة الأولى، واسغلال التناقضات التي تضخمت داخل هذا الحزب، خاصة على عهد عبد الرحمان اليوسفي، فإن عدم توفر عدد من هذه الشروط في الكاتب الأول الحالي (محمد اليازغي)، والمحاولات التي جرت، من طرف عدد من أعضاء المكتب السياسي، لإخضاعه لـ "بيعة مشروطة"، مقابل تزكيته خلفا للكاتب الأول السابق المستقيل(42)، لم يحل في الحقيقة دون استمرار مركزية الكاتب الأول، ليس فقط في القرار الحزبي، وإنما في كل مناحي الحياة داخله، كما تشهد على ذلك عدد من القرارات التي اتخذها منذ توليه هذه المهمة (42 مكرر).    

والملاحظ أن هذا الدور المكرس للأمين العام إذا كان محط انتقاذ، وسبب العديد من المشاكل داخل حزبه، بل وأدى إلى انشقاقات، فإن المنتقدين لذلك كثيرا ما يسقطون هم أيضا في تكريس "فكرة الزعامة"، خاصة عندما ينشقون عن الحزب الذي كانون ينتقدون قيادته. ونموذج ذلك جبهة القوى الديمقراطية، التي عمدت، في محاولة منها لتبرير ما أقدم عليها مؤسسوها الخارجون عن طوع حزب التقدم والاشتراكية، إلى تمييز نفسها، لدى ولادتها، عن كل الأحزاب السياسية، كما يظهر ذلك في هذا المقتطف من ميثاقها التأسيسي، الذي يقول: "بعد الإعلان عن تأسيس جبهة القوى الديمقراطية سارع الكثيرون إلى الحديث عن انشقاق، لكن سرعان ما استنفذ هذا الحديث زاده لتبرز الأبعاد الحقيقية لهذا الحدث: حدث يتجاوز الصراعات الحزبية الداخلية ليندرج في إطار دينامية جديدة هي امتداد لحركة سياسية تجديدية في المجتمع تدفع بقوة وثبات في اتجاه تجاوز الأطر التنظيمية الحزبية المتخشبة، من أجل تنظيمات سياسية عصرية تستمد نبضها وحيوتها من نبض وحيوية ما يختلج داخل المجتمع من إرادة تغيير المشهد السياسي المغربي والحياة السياسية المغربية، استجابة لمتطلبات الظروف والمستقبل (...) جبهة القوى مشروع يسعى لوضع قطيعة مع أشكال وصيغ التنظيم الحزبي التي تجاوزها الواقع المجتمعي والعصر. قطيعة مع الحزب/ الزاوية. قطيعة مع خطاب الخمسينيات والستينيات المعمر إلى نهاية السبعينيات. قطيعة مع الزعامات واحتكار مواقع المسؤولية من طرف ذوي الأقدمية عمرا وانتماء. قطيعة مع تنظيمات تنظر للمواطنين كجمهاير منفعلة مجرورة. قطيعة مع روح لهيمنة وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة" (42). ولكن الذين تحمسوا لمضمون هذا الخطاب وقت مغادرة حزب الراحل علي يعتية سرعان ما اكتشفوا أن الكاتب الوطني للحزب الجديد يهمين على كل شيئ داخل الحزب، الذي لا زال على رأسه منذ تأسيسه دون أن تظهر في الأفق أي بوادر لمغادرته هذه المهمة، ولا حتى برز شخص آخر يمكن أن ينظر إليه باعتباره الخليفة المنتظر بهذا الحزب، اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلق بشقيقته، التي تبرز في الحزب باعتبارها "رجله" الثاني بدون منازع (43).        

خلاصة

لقد خضع وضع الأمين العام في الحزب المغربي، في السنوات القليلة الماضية، لبعض التعديل، سواء على مستوى الكيفية التي يصل بها لهذه المهمة، أو على مستوى الصلاحيات التي يتوفر عليها، قانونيا وفي مجال الممارسة، ولم يعد ينظر إليه كشخصية كاريزماتية لها وضع اعتباري خاص. إلا أن مركزيته في القرار الحزبي وتحكمه في دواليب الحزب لا تزال مستمرة. والسؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بما إذا كان اختفاء زعماء الصف الأول، أي أشخاص الحركة الوطنية، من الواجهة في الحياة الحزبية، فضلا عن هذا الاختراق الذي أضحت تمارسه قواعد الديمقراطية للسير الداخلي للأحزاب المغربية، سيدفعان أكثر في اتجاه المزيد من نزع "الطابع الاستثنائي" الذي ظل يتوفر عليه الأمين العام في الحياة الحزبية المغربية.   

 

هوامش

1ـ شقير محمد:" الديمقراطية الحزبية في المغرب: بين الزعامات السياسية والتكريس القانوني"، منشورات أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، 2003، ص 117.

2 ـ نفس المرجع، ص، 117.

3 ـ ريزيت: "الأحزاب السياسية المغربية"، باريس، الطبعة الثانية 1955، ص 245/246.

4ـ نفس المرجع. 

5 ـ هناك من الأحزاب المغربية التي ارتبط اسمها بأشخاص دون أن يكونوا أمناء عامين لها، وبرز هذا بصفة خاصة في الأحزاب التي اختارت القيادة الجماعية، لأنها لم تتمكن من الإتفاق على أمين عام واحد، مثل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في بداياته الأولى، الذي ارتبط بأكثر من اسم مثل عبد الله إبراهيم والمهدي بنبركة، وعبد الرحيم بوعبيد...

6 ـ تختلف التسمية من حزب إلى آخر، فبعض الأحزاب تستعمل إسم الأمين العام، وبعضها الآخر يستعمل اسم الرئيس، فيما تفضل أحزاب أخرى اسم الكاتب العام أو الكاتب الوطني أو الكاتب الأول، وإن كان هذا الاسم الأخير لصيق بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي استعاره من لتسمية المتداولة في الحزب الاشتراكي الفرنسي.

7ـ إذا كانت هذه التسمية قد ارتبطت ب"الحرب الباردة"، التي سادت منذ بداية الستينيات بين "أحزاب الحركة الوطنية" المعارضة و"أحزاب الإدارة"، التي وقفت بجانب الملكية، فإن استعمالها الآن يكاد يكون قد فقد معناه، من جهة لأن الأحزاب التي كانت تستعمل هذا المصطلح لنعث خصومها السياسيين، هي نفسها الآن توجد في نفس الموقع الذي كانت فيه الأحزاب الموصوفة ب"الإدارية"، وبالتالي بدأت تأتي سلوكات هي نفسها التي كانت تبرر لها وصف الأحزاب الأخرى بهذه الصفة، ومن جهة ثانية لأن "أحزاب الحركة الوطنية" هي نفسها هجرت هذه التسمية ولم تعد ترد على لسان زعمائها ومسؤوليها إلا لماما، ومن جهة ثالثة، لأن تلك التسمية كانت في الأصل غير دقيقة، حيث كانت تنبني على تأسيس هذا الحزب من طرف وزير أول أو على بعض السلوكات السياسية غير المقبولة في الحياة السياسية، مثل الترحال واستعمال المال في الانتخابات وتدخل الإدارة لمنحها بعض المقاعد والحال أن أغلب هذه الشروط كانت تتوفر في "أحزاب الحركة الوطنية" دون أن تنعث بأنها "أحزابا إدارية"، مثل الإتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي تأسس هو أيضا في كنف حكومة عبد الله إبراهيم... 

8 ـ سبق لأحد مؤسسي هذا الحزب، الذي أمضى في قيادته أزيد من 30 سنة، رفض الكشف عن هويته، أن حكى لصاحب هذا المقال تفاصيل ضافية عن الكيفية التي تأسس بها هذا الحزب سنة 1977 ودور الملك الحسن الثاني في ذلك. ومن المؤشرات التي تدل أكثر على هذا الأمر أن رئيس الحزب، أحمد عصمان، لم يكن شخصا آخر غير صهر الملك (زوج أخته)، والوزير الأول الذي اختاره لقيادة حكومته.

9 ـ عبد العزيز المسيوي:" الشوط الثاني: محاولات في نقد العقل الحزبي"، منشورات "المستقبل"، الطبعة الأولى، يونيو 2005، ص 25.

10ـ نفس المرجع، ص 27.

11 ـ مما نحن متأكدين منه هو أن هذه الرسائل وجهت لكل من عباس الفاسي (حزب الاستقلال) ومحمد اليازغي (الاتحاد الاشتراكي) ومصطفى المنصوري (التجمع الوطني للأحرار) لحظة انتخابهم على رأس أحزابهم، ولم توجه مثلا إلى محمد مجاهد (الحزب الاشتراكي الموحد)، وعبد لمجيد بوزوبع (الحزب الاشتراكي)، وعبد السلام العزيز (المؤتمر الوطني الاتحادي)، وأحمد بنجلون (الطليعة)، وعبد الكريم بنعتيق (الحزب العمالي)، ومحمد خليدي (النهضة والفضيلة)، ومحمد أبيض (الإتحاد الدستوري)....

12 ـ عبد العزيز المسيوي، نفس المرجع السابق، ص 30.

13 ـ كما حصل مع "الحزب العمالي"، الذي نشأ سنة 2006 بمبادرة من بعض المغادرين لحزب الاتحاد الاشتراكي. 

14ـ هؤلاء الخمسة هم: سعد الدين العثماني، مصطفى الرميد، عبد الإلاه بنكيران، عبد الله باها ولحسن الداودي.

15 ـ تقضي المسطرة المعمول بها داخل حزب العدالة والتنمية لانتخاب الأمين العام ألا يترشح أي أحد لهذا المنصب من تلقاء ذاته، بل المؤتمر هو الذي يقوم في البداية باختيار خمسة أشخاص يقدر أن هم الأحق بتولي الأمانة العامة، هم الذين يجري التصويت على واحد منهم لكي يكون أمينا عاما.

16ـ للإشارة فاللجنة المركزية هي نفسها جرى انتخابها من طرف المؤتمر، عبد أن عملت لجنة الترشيحات على منح أهلية الترشيح ل87 مؤتمرا ممن قدموا ترشيحهم لعضوية اللجنة المذكورة.

17 ـ سبيلا محمد:" للسياسة، بالسياسة: في التشريح السياسي"، منشورات أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى سنة 2000، ص 156.

18 ـ بالرغم من الاندماج الذي حصل بين الحركتين فإنه لم يؤد إلى الانسحاب أي من الأمينين العامين السابقين، وكل ما وقع هو تعيين أحدهما رئيسا فيما عين الثاني أمينا عاما.

19 ـ المادة 30 من القانون الأساسي لحزب العدالة والتنمية.

20 ـ المادة 34 من نفس القانون.

21 ـ المادة 39 من نفس القانون.

22 ـ هنا يصبح طرفا باعتباره هو أيضا عضوا بالأمانة العامة وحكما في نفس الوقت، حيث يرأس لجنة التحكيم.

23 ـ المادة 38 من نفس القانون.

24 ـ أخذا بعين الاعتبار أن هذا الحزب هو امتداد للحزب الشيوعي المغربي، ولحزب التحرر والاشتراكية الذي حل محله.

25 ـ محمد شقير:" الوضع الاعتباري للأمين العام لحزب الاستقلال في القانون الأساسي"، أسبوعية "المستقل" بتاريخ 17/23 ماي2001.

26 ـ نفس المرجع.  

27 ـ نفس المرجع.

28 ـ نفس المرجع.

29 ـ نفس المرجع.

30 ـ نفس المرجع.

31 ـ نفس المرجع.

32 ـ نفس المرجع.

33 ـ الفصل 17 من القانون الأساسي للحركة الشعبية المصادق عليه سنة 1983.  

34 ـ الفصل 17 من القانون الأساسي للحزب الوطني الديمقراطي. 

35 ـ محمد شقير: "الديمقراطية الحزبية..."، مرجع سبق ذكره، ص71/72.

36 ـ المادة 32 من القانون الأساسي لحزب العدالة والتنمية.

37 ـ المادة 34 من نفس القانون.

38 ـ المادة 30 من نفس القانون. 

39 ـ المادة 72 من نفس القانون.

40 ـ يتعلق الأمر بعبد القادر البنا، في أطروحته حول" الاتحاد الاشتراكي: النشأة والتطور" 1991، ص 242.

41 ـ يتعلق الأمر بمحمد الساسي في دراسته حول "الأزمة الراهنة للديمقراطية الداخلية في الاتحاد الاشتراكي: المظاهر ومقترحات المعالجة"، مجلة "نوافذ"، ع 8/ 9 يوليوز 2000، ص 35/ 36.

42 ـ من خلال وثيقة 28 نونبر 2003 الصادرة عن المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي عقب الخلافات التي نشبت داخله حول خلافة كاتبه الأول المستقيل، حيث لم يتسنى تزكية محمد اليازغي في هذه المهمة إلا بعد الإعلان عن الإلتزامات التي تضمنتها هذه الوثيقة.

43 ـ الميثاق التأسيسي لجبهة القوى الديمقراطية، جريدة "المنعطف" بتاريخ 3 يوليوز 1997.

44 ـ يتعلق الأمر ببوشرى الخياري التي تتولى مهمة تمثيلية باسم الجبهة (عضو بمجلس النواب)، فضلا عن أنها عضو بقايدتها والمسؤولة عن إعلامها.