في الحاجة إلى تاريخ للفرجة العربية
عز الدين
بونيت
نحلل في هذه المقالة بعض جوانب
الخطاب الذي أنشأه العرب حول تاريخ مسرحهم، باعتباره حاملا للأفكار التي كونتها
الثقافة العربية عن حقل الفرجة. وسنجمع في تحليلنا هذا بين دراسة تشكيلات الأفكار
ونقدها واقتراح بناء نظري نظنه أوفى وأشمل.
1.
في السؤال عن تاريخ المسرح العربي :
هل
يوجد ضمن أنسجة الخطاب المسرحي العربي خطاب تاريخي متكامل، نستطيع القول إنه ألقى
الضوء على مختلف مراحل التاريخ المسرحي العربي، ودقق أهم معلوماتها وأحداثها، وأسس
أرضية مشتركة لتأويل مختلف هذه المراحل والأحداث والمعلومات؟
يصعب
الجزم بوجود مثل هذا الخطاب. فمن حيث التراكم، ما زلنا أمام أبحاث قليلة متناثرة،
بالرغم مما يوحي به تكرار المعلومات في هذه الأبحاث. ومن حيث الكيف، تترامى أطراف
الخطاب التاريخي عن المسرح العربي في مختلف جوانب الخطاب المسرحي : فكثيرا ما
نصادف أبحاثا يتداخل فيها التأريخ بالنقد بالتنظير بمحاولة الكتابة المسرحية[1].
ومن حيث المضمون، ما فتئ الخطاب التاريخي عن المسرح العربي يبدو انتقائيا يركز على
بعض أنواع الممارسة المسرحية ويتجاهل أو يغفل أنواعا أخرى : فكثير من الدراسات
تحتفي بأحداث وأسماء مسرحية بعينها، مثل المسرح الأدبي أو المسرح السياسي أو
المسرح الشعري...، وكمال عيد ونعمان عاشور وجورج أبيض وتوفيق الحكيم... (وفي حالة
المغرب مثلا، مسرح الهواة، الطيب الصديقي، العلج،...)، وتنسى وقائع أخرى مثل
المسرح التجاري ومسرح النجوم...، أو تتجاهلها[2].
وهكذا،
فإن الخطاب التاريخي عن المسرح العربي ليس خطابا شاملا لمجمل جوانب الحركة
المسرحية العربية الحديثة والمعاصرة. كما أنه خطاب غير مهيكل؛ فالنقاش حول قضايا
المنهج والنظرية التأريخيين لا يزال محتشما، إن لم نقل إنه منعدم بين المهتمين
بهذا الميدان في المجال المسرحي العربي.
لهذه
الأسباب كلها، نكتفي بالحديث عن تصور لتاريخ المسرح العربي عوض الحديث عن خطاب
تاريخي قائم ومكتمل. وسنعمل على تبين أهم السمات والخصائص التي تميز تصورات العرب
عن تاريخ مسرحهم.
2.
تاريخ المسرح العربي والإسهام الغربي :
أسهم
الغربيون في تشكيل التاريخ الثقافي العربي، عن طريق الاستشراق، الذي نشط منذ منتصف
القرن التاسع عشر، ضمن أعمال مستشرقي المدرسة الألمانية[3]،
ثم المستشرقين الإنجليز والإيطاليين والفرنسيين. وكان الأدب من المجالات الرئيسة
لأعمال التأريخ الاستشراقي. ولقد صيغت أولى إشكاليات التاريخ المسرحي العربي ضمن
حدود علاقة المسرح بالأدب، فكانت للاستشراق -من ثمة- اليد الطولى في تحديد
مضمونها.
وهكذا،
لن نستطيع فهم أبعاد السؤال الذي لم يزل المسرحيون العرب منشغلين به منذ القرن
التاسع عشر، والذي كان خلفية لمحاولات تأريخ المسرح العربي المختلفة : (ألم يكن
للعرب مسرح قبل العصر الحديث؟)، إلا إذا أرجعناه إلى هذه الملاحظة ذات الأصل
الاستشراقي : إن الأدب العربي القديم يخلو من صيغة الأدب الدرامي، ويحتفي -على
العكس من ذلك- بالشعر الغنائي.
لم
تكن هذه مجرد ملاحظة عابرة يسهل تخطيها، بل كانت أساسا لخطاب تعدى حدود الأدب
ليشمل مجموع الإنتاج الثقافي العربي؛ واستعملت في تغذيته مفاهيم مستقدمة من حقلي
الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا، وأحكام قديمة بعثت من كتابات الرحالين ومواعظ رجال
الكنيسة… وكان الجميع يبدون متحمسين للدلو بدلائهم في نقاش هذا الموضوع، وتقديم
أنجع التفسيرات لظاهرة غياب النوع الدرامي عن الأدب العربي. وكانت زمرة من
المثقفين العرب ذوي المشارب الحداثية أشد حبورا وهم يكتشفون تفسيرات المستشرقين
ويزيدون في إغنائها وتنميقها[4].
وبدا، لردح من الزمن، أن الحداثة كانت تعني القول بعدم أهلية الثقافة العربية
القديمة لاستيعاب الصيغة الدرامية في الأدب، والاقتناع بعدم قدرتها على إفراز
المسرح.
في
هذا الخضم، ظلت أغلب محاولات تصحيح أطروحات الاستشراق أو الرد عليها منحصرة في
إيجاد معلومات مضادة للمعلومات التي ساقها المستشرقون ومن سار في نهجهم، أو تقديم
تفسيرات مغايرة لتفسيراتهم، أو -في أحسن الأحوال- دحض هذه التفسيرات بإبراز
تناقضاتها الداخلية. لكن أحدا لم ينشغل بفحص مدى مشروعية الملاحظة الأصلية التي
بني عليها الخطاب الاستشراقي، من الناحية المعرفية، ولا بتحليل آليات التفكير التي
أدت إلى إفرازها وإفراز الأسئلة المتفرعة عنها والأجوبة التي اقترحت لتلك الأسئلة.
عندما
جاء المستشرقون إلى الثقافة العربية (ومنها الأدب، ثم المسرح)، لم يحملوا معهم
مناهج الدراسة ونظرياتها فقط، بل حملوا أيضا تقطيعهم لثقافتهم الأصلية، وفكرتهم عن
كونهم منتمين إلى ثقافة تحتل المرحلة القصوى في التقدم البشري، يصح أن تستعمل
مقياسا لما يدرسونه من ظواهر في ثقافات الشعوب الأخرى، ويعتبرونها مآلا لا مناص
منه لهذه الثقافات، إن هي أرادت أن تحقق التقدم المنشود. وهكذا، صاغوا الأدب
العربي على منوال الآداب الغربية، وأدخلوا إليه مفهوم الأنواع الأدبية الذي كان
سائدا في نظرية الأدب الغربية منذ القرن السابع عشر، باعتباره مفهوما لا يرقى الشك
إلى نجاعته[5].
ثم جعلوا يعقدون المقارنات بين ما يوجد في آدابهم وما لا يوجد في الأدب العربي.
إن
المأخذ الأكثر جدية الذي يمكن تسجيله على مبدإ المقارنة هذا، لا يعود إلى اختلاف
التجربة التاريخية للأدبين، بل يعود إلى مجرى المقارنة ذاته. فمن المعلوم لدينا
اليوم أن أهم مفاهيم نظرية الأدب الغربية لا ترجع، في مجملها، إلى أبعد من القرن
السابع عشر. بل إن مفهوم الأدب ذاته، كما لجأ إليه المستشرقون، قد نشأ في هذه
الفترة. ولم يكن في وسع مؤرخي الأدب الغربيين إعماله لدراسة فترات القرون الوسطى
أو ما قبلها في الثقافات الغربية. ومع ذلك سوغ المستشرقون لأنفسهم إعمال هذا
المفهوم وما يتصل به، في دراسة الأدب العربي المنتمي إجمالا إلى القرون الماضية[6]،
فطرحوا عليه أسئلة لو طرحوها على الآداب الغربية في القرون الوسطى لتوصلوا إلى
الإشكاليات ذاتها، ولما أصبح من مبرر للحديث، بعد ذلك، عن عقلية عربية لا تقبل
الأدب التمثيلي والأدب القصصي.
نشأت
الأفكار الأولى لتاريخ المسرح العربي في أحضان تاريخ الأدب الاستشراقي. ومن الغريب
أن "تصحيحاتها" الأولى جاءت أيضا من داخل النسق الاستشراقي. فقد وجد
الباحثون العرب أنفسهم يستشهدون، تارة ببعض ما سجله الرحالون الأوروبيون من مظاهر
فرجوية في البلاد العربية خلال زياراتهم أثناء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر[7]،
وتارة أخرى بمقترحات بعض المستشرقين ذوي المنحى الأنثروبولوجي الذين دعوا إلى
توسيع مفهوم المسرح، ودراسة بعض الطقوس والمظاهر الفرجوية العربية، باعتبارها
إرهاصات مسرحية[8].
لكن هذا المنحى بدوره ينطوي على جملة محاذير منهجية ونظرية لا بد من توضيحها :
*
لا يتمكن البناء التاريخي للمسرح العربي، كلما كان بصدد توسيع مفهوم المسرح خارج
دائرة الأنواع الأدبية، من التخلص كلية من النموذج التاريخي الغربي. فنحن نجد
الدارسين العرب يبحثون في الطقوس الدينية العربية، البائدة أو المعاصرة، تماشيا مع
فكرة الأصل الديني للمسرح العائدة إلى أرسطو. وينظرون إلى بعض أنماط الفرجة
الشعبية باعتبارها تجسد مرحلة سابقة على مرحلة المسرح، أو يجعلونها نوعا من المسرح
المجهض. وبذلك يفترضون لها سيرورة تاريخية لا تتحقق أبدا.
*
ويبدو تاريخ المسرح العربي (أو بالأحرى ما قبل تاريخ المسرح العربي)، تبعا لذلك،
تاريخا منحرفا عن سيرورة أصلية كان ينبغي له أن يحققها. وليست هذه السيرورة، في
الحقيقة، سوى إعادة ترسُّم خطى التاريخ المسرحي الغربي إلى حد التطابق. إن إخضاع
أشكال الفرجة والطقوس التي رصدها الدارسون العرب لترابط تحكمه مثل هذه الغائية،
حال دون استيعاب تلك الأشكال في تحققها الخاص والفعلي.
+ ومن جانب آخر، ساير بعض الدارسين العرب
الرحالين الغربيين في اعتبارهم الملاهي الشعبية العربية نوعا من المسرح. ومن
الواضح أن ملاحظات أولئك الرحالين شكلت حاملا أساسيا لفكرة إدراج الملاهي الشعبية
ضمن دائرة المسرح وربطها بتاريخ المسرح العربي. وهي الفكرة التي ستشهد رواجا منذ
ستينيات القرن العشرين.
+ ولا يرجع تاريخ أقدم الرحلات الأوروبية التي
تحدثت عن هذا "المسرح" العربي، إلى أكثر من القرن الثامن عشر. أما قبل
ذلك، فقد سادت في كتابات الرحالين أنواع أخرى من الملاحظات والتصنيفات، تنتمي إلى
مفاهيم القرون الوسطى أو إلى مفاهيم عصر النهضة، حيث كانت هذه الظواهر وظواهر أخرى
مشابهة، توصف بالوضاعة أو الوحشية أو الضلال[9].
+ لقد كان القرن الثامن عشر، بالنسبة للثقافة
الأوروبية، هو القرن الذي أعيد فيه رسم حدود الحقل المسرحي، بموازاة مع بداية
انفجار المعمار الأدبي الكلاسيكي وزعزعة هيمنة النوع الدرامي على مجال الأدب، حيث
بدأت أنواع جديدة من الكتابة بالدخول إلى حظيرة الأدب، وخرج جزء كبير من متعلقات
المسرح خارج حدود الأدب. ومن جانب آخر، كان القرن الثامن عشر عصر بداية الاهتمام
بالدراسات الفلكلورية وعصر إعادة الاعتبار إليها بعد التحقير الذي كانت عرضة له
منذ عصر النهضة. وهكذا، فحين جاء الرحالون إلى البلاد العربية كانوا يحملون معهم
بعض عناصر المناخ الثقافي الذي كان سائدا في بلادهم.
+ وإذا كان الغربيون قد صنفوا مشاهداتهم
الفلكلورية العربية طبقا لزادهم الثقافي ولانشغالات عصرهم، فإن من باب أولى أن
نلتفت إلى الكيفية التي صنف بها المثقفون العرب المنتمون للمرحلة ذاتها تلك
الظواهر والممارسات، وفقا لمفاهيمهم الثقافية وانشغالات عصرهم. لا يبدو أن مؤرخ
المسرح العربي، في غمرة حماسه، كان مهتما بتدقيق هذا الموضوع. وليس لنا أن ننكب
على ذلك في هذه العجالة. وحسبنا الإشارة إلى أن هذا النوع من الممارسات والظواهر،
كان -إجمالا- عرضة لدرجات متفاوتة من الإقصاء تتراوح بين التحريم الذي اضطلع به
الخطاب الفقهي، والاستهجان الذي كانت تفرزه مختلف شرائح المثقفين. وفي أحسن
الأحوال، كانت هذه الظواهر والممارسات عرضة للتجاهل.
3. تصوران لتاريخ المسرح
العربي -عناصر الاختلاف الاتفاق :
3.
1. لننصت في البداية إلى ما يلي :
قال
محمد يوسف نجم في مستهل كتابه : المسرحية في الأدب العربي الحديث : "المسرح
بمعناه الاصطلاحي الدقيق، فن جديد، ولج باب حضارتنا في النهضة الحديثة، التي أعقبت
الحملة الفرنسية على مصر. وإذا أردنا الحديث عن المسرح كفن له أصوله وأدبه، فعلينا
أن نسقط من حديثنا ألوان الملاهي الشعبية، التي قد تحوي مشابه من هذا الفن ولكنها
تختلف عنه اختلافا كبيرا. إذ لا بد لنا من التحديد الدقيق، الذي يهيئ لنا تمييز
هذا الفن عن غيره من ألوان التسلية الشعبية، كخيال الظل والقراقوز وأعمال المقلدين
والشعراء الشعبيين؛ فمثل هذه الألوان، لا تندرج في سجل هذا الفن، وإن حوت بعض
عناصره الشكلية"[10]
وقال
علي الراعي في مستهل كتابه : المسرح في الوطن العربي : " يمكن القول -بكثير
من الوثوق- إن العرب، والشعوب الإسلامية عامة، قد عرفت أشكالا مختلفة من المسرح
ومن النشاط المسرحي لقرون طويلة قبل منتصف القرن التاسع عشر"[11].
وبعد
أن عدد نماذج من هذه الأشكال المختلفة من "المسرح" (خيال الظل والسماجة
والحاكية، مضيفا إليها بعض ملاهي الخلفاء العباسيين ومراسم تنصيبهم أو زواجهم،
وأنواع الرقص والغناء والموسيقى) أجمل ذلك كله تحت مقولة أشمل هي فنون الأداء،
فقال : "هذه كلها حياة فنية حافلة
تجمع بين فنون الأداء جميعا : الأداء بالكلمة الممثلة كما كان يحدث في حالة
الحكائين والمقلدين في الشوارع والمساجد والأسواق وفي بلاط الخلفاء، أو الأداء
بالكلمة الموزونة الملحنة، كما في حالة الغناء، أو الأداء بالجسم البشري في عريه
وكسوته، أو الأداء بالعرض المسرحي المعد بعناية، إما كي يحقق غاية فردية(..)، أو
كي يحقق هدفا اجتماعيا وسياسيا معا (...)"[12].
3.
2. حسم محمد يوسف نجم بشكل قاطع، أن المسرح لم يدخل حضارتنا العربية إلا بعد
الحملة الفرنسية على مصر. وهو "م ينخدع" -كما لم يترك لقرائه فرصة
الانخداع- بالشبه الذي يمكن تسجيله بين هذا الفن القائم الأصول وبين بعض ألوان
الملاهي الشعبية العربية. فمثل هذه الألوان لا يمكن قبولها ضمن دائرة المسرح. يقيم
نجم تعارضا بين المسرح والملاهي الشعبية بالرغم من تشابههما الظاهر. ويبني هذا
التعارض على كون المسرح فنا قائم الأصول محدد القواعد لا يصح خلط غيره به. يقترح
نجم وضعية محددة لقضية المسرح والفرجة في الثقافة العربية: العلاقة بين المسرح
والأدب العربي[13].
ذلك هو المضمون الحقيقي للتعارض السالف الذكر. ولكن نجما فاته أن ينتبه إلى أن
القواعد والأصول التي بنى عليها تحديده
للمسرح ليست مطلقة ولا نهائية؛ وأنها ليست سوى محصلة عملية اصطفاء متمهلة أفرزها
تاريخ الثقافة الغربية، بل تاريخ الأدب الغربي في أضيق حدوده؛ وأنها خلاصة بعض
الاتجاهات النقدية الغربية، وهي لا تعدم من يرفضها ويفندها من الغربيين أنفسهم.
ولم
يكتف نجم بالتلميح إلى ألوان الملاهي الشعبية التي استبعدها من دائرة المسرح، بل
ذكرها بالاسم. والحال أن هذه الألوان هي نفسها تلك التي يعتد بها علي الراعي وكثير
من الباحثين العرب في المنافحة عن الأطروحة المعاكسة لأطروحة نجم، والقائلة إنه
كانت للعرب أشكال أولية من المسرح قبل أن يتصلوا بالغرب، وأن لهم أصالة في هذا
الباب لا يمكن إنكارها… ويعكس كلام نجم (وكان قد صدر في محيط سنة 1956)، من جانب
آخر، الجدال الذي بدأ يزدهر في هذه الفترة بين الأطروحتين، بالرغم من أن ملامحه
ظهرت قبل ذلك بوقت طويل[14].
3.
3. لدينا إذن تصوران متوازيان لتاريخ المسرح العربي : أحدهما يعتبر أن وجود المسرح
العربي كان نتيجة من نتائج تأثر الثقافة العربية بنظيرتها الغربية. وهذا ما عبر
عنه نص محمد يوسف نجم ومن سار مساره. أما التصور الثاني فإنه لا ينكر هذا التأثر،
لكنه يعتبر أن التجربة المسرحية العربية لا ينبغي حصرها في ما أنجز حذو مارون
النقاش، بل لا بد من توسيع مجال البحث ليشمل ظواهر وأشكالا تمثيلية كانت موجودة في
الثقافة العربية منذ ما قبل الإسلام. وهذا ما انطلق منه علي الراعي ومن سار مساره.
وبذلك يظن أصحاب هذا التصور أنهم دققوا تاريخ المسرح العربي وردوا، في الوقت نفسه،
على أدعياء المستشرقين ومن والاهم، الذين يقولون إن العرب لم يعرفوا المسرح قديما
بسبب عجز تعددت كيفيات تفسيره.
يستند
التصور الأول إلى وقائع ثقافية ذات وجود تاريخي فعلي، ويجد ملجأه في مفهوم أكاديمي
للمسرح مرجعيته هي الأدبيات الغربية ذاتها. ويستند التصور الثاني إلى وثائق ونصوص،
ينتمي بعضها إلى العصور الماضية، كما يستند إلى مفهوم موسع للظاهرة المسرحية
يتجاوز الحدود المدرسية القائمة على العنصر الأدبي، ويرتكز على عنصر التمثيل
ومفهوم الفرجة بمعناها الشامل. وبذلك يقدم التصور الأول بناءا تاريخيا بدون نظرية
في غالب الأحيان، يمكن اعتباره فرعا ملحقا بتاريخ المسرح الغربي؛ ويقدم التصور
الثاني نظرية تاريخية ذات أبعاد إيديولوجية، لكنها بدون بناء تاريخي ملموس.
3.
4. يلتقي التصوران مع ذلك في عدة عناصر، نجملها فيما يلي :
يضع
كلاهما العلاقة مع الغرب في خلفية بناءاتهما النظرية : يؤكد التصور الأول موقعها
الجوهري بالنسبة لتاريخ المسرح العربي، بينما يكتفي التصور الثاني بمناقشة هذا
الموقع دون أن يلغيه.
يجعل
كلاهما المفهوم الغربي للمسرح منطلقا للمناقشة وإطارا للتحليل، سواء بتعزيزه وجعله
نموذجا ومرجعا، كما في التصور الأول، أو برفض هيمنته، كما في التصور الثاني
وامتداداته التنظيرية (هذه حالة يوسف إدريس وعز الدين المدني والاحتفاليين وكثير
من دعاة تأصيل المسرح العربي)[15].
ويعتبر
كلاهما التجربة المسرحية العربية التي انحدرت عن مارون النقاش، جذعا مشتركا
بينهما. وبذلك يحصران خلافهما في الماضي أكثر مما يديرانه حول الحاضر. فالممارسة
المسرحية المنتسبة إلى مارون النقاش هي وحدها ما يسمى لدى التصورين معا بالمسرح
العربي، أما ما عداها من أشكال التعبير الفرجوية ذات الإرهاصات التمثيلية، فهي
عادة ما توضع في خانة الأشكال ما قبل المسرحية، عند أصحاب التصور الأول، وفي خانة
الظواهر المسرحية أو التمثيلية الشعبية، عند أصحاب التصور الثاني.
4.
في نقد تاريخ المسرح العربي :
4.
1. يتضح مما سبق أن هذين التصورين لم يتمكنا من إقامة مفهوم واضح للقطيعة في أساس
بناءيهما. مما يجعلهما عاجزين عن إثارة أسئلة من قبيل: كيف استقبلت الأنساق
الثقافية العربية التجربة المسرحية الغربية، وكيف تمكنت من استيعابها؟ هل تم ذلك
من فراغ مطلق؟ ما دور الخبرة العربية القديمة في مجال الفرجة في تحديد ملامح هذا
الاستقبال؟ هل كان استيراد المسرح (حسب صيغة النقاَّش) أو استنباته (حسب صيغة
توفيق الحكيم) قضية مثقفين فقط أم قضية المجتمع كله؟ بمعنى: كيف استوعب الجمهور،
وهو طرف أساس في العملية المسرحية، هذا الشكل التعبيري؟ هل كان يعتبره بالفعل
جديدا أم كان يعتبره مجرد استمرار لما تعود عليه من أنماط الفرجة والترفيه في
ساحات مدنه وشوارعها؟ كيف استوعبت بقية شرائح المجتمع والمثقفين هذه التجربة، وما
هي الآليات التي استعملتها في هذا الاستيعاب (نفكر في حالة الفقهاء مثلا، أو بعض
الشعراء التقليديين، أو حتى منتجي الفرجات الشعبية أنفسهم وقد زاحمهم شكل فرجوي
جديد)؟…
يبرز
طرح هذه الأسئلة مدى أهمية إعمال مفهوم القطيعة من أجل بناء تاريخ المسرح العربي.
وهي على كل حال أسئلة جديرة باهتمام المؤرخ، فيما يبدو لنا. لكنها مع ذلك، لا تزال
خارج دائرة اهتمام الخطاب التاريخي حول المسرح العربي بكلا تصوريه.
4.
2. يقدم التصور الأول دخول المسرح إلى الثقافة العربية كما لو كان مجرد إجراء تقني
لم يستتبع تغييرات عميقة في بنيات الثقافة العربية التقليدية، أو كما لو كان
اقتحاما لأرض خلاء، لم تكن لها تقاليدها الفرجوية ولا تجربتها في الترفيه. لكن
المثير حقا هو غياب تصور واضح عن الموقع الذي يمكن إسناده لهذه التجربة وتلك
التقاليد ضمن البناء العام لتاريخ المسرح العربي. وإعمال مفهوم القطيعة سيتيح
الآلية النظرية والمنهجية لإنتاج مفهوم "ما قبل تاريخ المسرح العربي"
واستيعابه ضمن البناء العام لهذا التاريخ.
4.
3. ولم يهتم التصور الثاني، من جهته، بضرورة استيعاب التطور الذي حصل في حقل
الفرجة العربية بدخول الشكل المسرحي في صيغته الغربية. واكتفى الدارسون المنتمون
إلى هذا التصور برصف الأدلة والوقائع التي تدل على وجود تجارب تمثيلية أو شبيهة
بالتمثيلية عند العرب قبل العصر الحديث، دون إخضاع هذه الأدلة والوقائع لعملية نسج
تاريخي. فكانت حصيلة جهودهم جملة أبحاث ذات فائدة وثائقية، غير أنها تفتقر إلى
بناء تاريخي محكم.
4.
4. يقدم هذا التصور تاريخ المسرح العربي كما لو كان تاريخا موغلا في القدم مستغرقا
في استمرارية لا انقطاع فيها. ومثل هذا التاريخ لا يحفل بأحداث مثل افتتاح مسرح
الأبزكية سنة 1800 بالقاهرة، أو عرض مسرحية البخيل لمارون النقاش عام 1847 في
بيروت، إلا بشكل عرضي. إنه تاريخ بدون بعد زمني ويفتقر في عمقه إلى مفهوم التطور.
فالأشكال والظواهر التي رصدها أصحاب هذا التصور تبدو سرمدية لا تتغير، وتتقافز بين
الفينة والأخرى في مجرى الزمن دون أن يتمكن المؤرخ من إبراز العلاقات التي قد تكون
بينها، كما لو كانت قد نمت في جزر معزولة: لا نعرف كيف نشأت، ولا كيف تآكلت، ولا
كيف تولدت عن بعضها.
ولا يجيبنا هذا التصور التاريخي عن أسئلة من قبيل
:
ما
العلاقة بين تطور فنون وتقنيات القص، منذ عصر الراشدين، وبين نمو التصوف؟
ما
العلاقة بين ظهور المقامة وتطور الفرجات القائمة على عنصري المحاكاة والاحتيال،
والتي عالجها الجاحظ تحت مفهوم الكدية؟
لماذا
اعتبر الفقهاء والمثقفون هذه الفنون مجرد صيغ من التسول والاحتيال؟
هل
نأخذ في الاعتبار التصور الذي كان يحمله المجتمع المعاصر لهذه الظواهر عن مضمونها
ووظيفتها، أم نسقط عليها حاجاتنا الإيديولوجية والمعرفية، من أجل إبداع تاريخنا
الخاص؟
4.
5. نحن بحاجة، إذن، إلى القيام بعدة عمليات : رصد تطور حياة تلك الأشكال الفرجوية
والأدبية كل على حدة؛ وتحليل العلاقات الممكنة بينها وبين بعضها؛ وكشف أسباب
استمرار بعضها واندثار البعض الآخر…؛ وذلك قبل النتائج المتسرعة التي انتهت إليها
كثير من الدراسات، ولا سيما تلك التي تستند إلى التصور الثاني لتاريخ المسرح العربي.
5.
خلاصة تركيبية :
إن
غياب مثل هذه التساؤلات وغيرها هو ما جعل بعض معتنقي التصور الأول يعجزون عن
الدفاع عن تجربة مارون النقاش ومن جاءوا بعده، كما عجزوا عن إعادة نسج العلاقات
التي تربط بينها وبين الثقافة العربية التي كانت محيطة بها. فيما عجز معتنقو التصور
الثاني عن استيعاب البعد التاريخي لهذه التجربة بكل غناها وعمقها[16].
ظل
أصحاب التصور الأول يشيدون بأفضال النقاش وروحه المغامرة، دون أن يلمسوا أن ما قام
به ليس مجرد تقليد أو اقتباس لشكل تعبيري جديد، وأنه كان شيئا أكثر من ذلك: كان
تخليقا لنوع جديد من الكتابة، ولكن انطلاقا من خلايا قديمة: كانت لديه الأبيات
الشعرية والأمثال والحكايات ومقامات الغناء والرقصات...، فأدخل عليها عنصرين
جديدين هما الحوارية والسياق[17]،
فكان العرض المسرحي.
ولم
يتمكن أصحاب التصور الثاني من رؤية الإسهام الحقيقي للنقاش وأبي خليل قباني ومن سار
في دربهما، المتمثل في المزاوجة بين المضمون التقليدي لحقل الترفيه الشعبي (برقصه
وغنائه وحكاياته) وبين الصيغة الحديثة لتنظيم الفرجة كما اقتبسوها من الغرب؛ إذ لم
يتغير الترفيه ولا وظيفته ولا محتواه، وإنما تغيرت علاقته بالفضاء في بعديه
الفيزيائي والاجتماعي، فكان المسرح.
لقد تطور الخطاب العربي حول المسرح، كما تطورت مضامينه
وإشكالياته. ويمكن أن نبلور هذا التطور في ثلاث مراحل كان لكل منها خطابها. وهي،
تبعا لمنهجنا في التحليل، تشكل ثلاث طبقات متراكبة تتبادل التأثير، وتشتغل كل
واحدة منها بالإحالة على الأخريين:
مرحلة الاكتشاف والتعرف، وقد رأينا بعض تجلياتها عند عبد الرحمن
الجبرتي، والرحالين الأوائل الذين زاروا أوروبا في القرن التاسع عشر، بدءا من
رفاعة الطهطاوي. ويحتفظ الخطاب المسرحي العربي من هذه المرحلة بأفكار : بُعدِ
المسرح، وغرابته، وارتباطه بالغرب وثقافته.
مرحلة الفهم والاستيعاب، ونلمس تجلياتها عند الأجيال اللاحقة من
الرحالين كما نلمسها عند مؤرخي الأدب، ومنهم جرجي زيدان. وقد تميزت هذه المرحلة
بتعميق أفكار: الأصل الغربي للمسرح العربي، والتماثل بين التاريخين المسرحيين
الغربي والعربي، بما يجعل الثاني يبدو كفرع عن الأول، والبعد الأدبي للتجربة
المسرحية.
مرحلة السعي نحو التجاوز، ونجد تجلياتها عند بعض العرب
المتأخرين الذين زاروا بلادا أجنبية أو اتصلوا بثقافتها خلال منتصف القرن العشرين،
في مناخ إيديولوجيا التحرير الوطني والتحرر الفكري. وتأثروا بتجارب بعض الغربيين
ومساعيهم نحو تجاوز النموذج المسرحي العائد إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
مما عمق فكرة نسبية النموذج المسرحي الغربي وقابليته للتجاوز. ويعد يوسف إدريس
أبرز رواد هذه المرحلة، وإن لم يكن أكثرهم صراحة في إعلان تأثره بدعوات التجريب في
المسرح الغربي[18].
ويسمح
لنا هذا التحقيب أن نفهم مسارات الفكر المسرحي العربي باعتبارها حلقات متداخلة من
سلاسل مختلفة، تتحدد قيمتها في علاقتها ببعضها، أكثر مما تتحدد من خلال وجودها
الذاتي.
[1]- هذه حالة كتاب الظواهر المسرحية عند العرب،
لعلي عقلة عرسان (منشورات اتحاد الكتاب العرب، ط. 3، دمشق 1985)، فهو يمزج فيه بين
البحث الوثائقي والتدقيق النقدي ومحاولة كتابة نصوص مسرحية والتنظير لنموذج مسرحي.
ونجد مثل هذا التداخل أيضا عند عمر محمد الطالب في: ملامح المسرحية العربية الإسلامية (دار الآفاق الجديدة، المغرب 1987)، وعند أحمد شوقي قاسم في كتابه : المسرح الإسلامي.
[2]- هذه مثلا حالة كتاب علي الراعي: المسرح في الوطن العربي
(سلسلة عالم المعرفة، الطبعة الثانية،ع.248، الكويت، غشت 1999) الذي حاول تقديم
مسح شامل عن الحركة المسرحية العربية، لكنه ركز فقط على جانب واحد منها، وهو
الجانب الذي يمكن نعته بالمسرح الثقافي أو مسرح النخبة، مهملا تماما ما يسمى
بالمسرح التجاري.
[3]-كانت المدرسة الألمانية في الاستشراق تحتفي
بالدراسة الوثائقية المدققة التي تستند إلى مناهج الدراسات التاريخية. وقد انعكس
تأثير هذه المدرسة في مجمل مجال الاستشراق بعد القرن 19. راجع بهذا الصدد: العروي
(ع. الله): العرب والفكر التاريخي، ط. 3، دار الحقيقة، بيروت 1980، ص104-105. وكذا :
النجار (شكري): "لم الاهتمام
بالاستشراق؟"، مجلة الفكر العربي، بيروت، ع.
31، يناير-مارس 1973، عدد خاص بالاستشراق، ص. 62.
[4]- كان كتاب كالعقاد والزيات وأحمد أمين ومحمود
تيمور وتوفيق الحكيم ومحمد مندور، وسهير القلماوي، يجتهدون في العثور على مختلف
الأجوبة عن السؤال الذي طرحه الاستشراق. يمكن الرجوع بهذا الخصوص إلى: الطالب
(ع.م.): ملامح المسرحية العربية الإسلامية، مرجع سابق، ص. 16 وما بعدها.
[5]- وارين (أ.) (Austin WARREN) وويليك (ر) (René
WELLEK) : نظرية الأدب، تر. محي الدين صبحي، منشورات المجلس الأعلى
لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية (ب.د.ت)، ص300.
[6]- يمكن الرجوع، من أجل مناولة أكثر تفصيلا لهذه
القضية، إلى كتابنا: مقدمات في الأدب والنقد، منشورات حلول تربوية، اكَادير 1998، صص. 56-59.
[7]- وردت الإشارة عدة مرات إلى مشاهدات كارستين
نيبور وإدوارد لين وبلزوني وكلهم من الرحالين الذين زاروا القاهرة ما بين منتصف
القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، باعتبارها شهادات على وجود
مسرح شعبي قبل تجربة مارون النقاش، وبمعزل عن التأثيرات الغربية. راجع بهذا
الخصوص:
*-الراعي
(ع.): المسرح في الوطن العربي، سبق ذكره ، ص50 وما بعدها.
*-الراعي
(ع.): مسرح الشعب، دار شرقيات، القاهرة 1993، ص.ص. 26 و 27. و207 – 212.
*
خورشيد (فاروق): الجذور الشعبية للمسرح العربي، الهيئة المصرية العامة للكتابن
القاهرة 1991. ،ص. 107، وص166 وما بعدها.
[8]- راجع، على سبيل المثال، الكيفية التي استثمر
بها علي الراعي بعض مقترحات جاك بيرك (BERQUE) وجان
دوفينيو (DUVIGNAUD) في كتابه: المسرح في الوطن العربي،
ص. 64 و 65. ومن أجل الوقوف بتفصيل أكبر على آراء هذين الدارسين يمكن الرجوع إلى
مؤلف جماعي يحمل عنوان:
Le théâtre arabe, ouvrage
collectif, publié sous la direction de Nada TOMICHE,
[9]- راجع
نماذج من هذه الملاحظات في: ذاكر (ع. النبي): الواقعي والمتخيل في الرحلة
الأوروبية إلى المغرب،"، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ جامعة ابن
زهرـ أكَادير 1997
[10]- نجم،
(محمد يوسف): المسرحية في الأدب العربي الحديث، دار الثقافة، ط.3، بيروت 1980 ، ص. 17.
[11]- الراعي (ع.): المسرح في الوطن العربي،
سبق ذكره ، ص. 33.
[12]- نفسه، ص. 40.
[13]- لقد كان نجم منشغلا بالتأريخ للمسرحية (أي
للنص المسرحي باعتباره نصا أدبيا) في الأدب العربي الحديث، كما يدل على ذلك عنوان
الكتاب نفسه.
[14]- أورد علي عقلة عرسان، في كتابه: الظواهر المسرحية عند العرب (ص.
417) وعمر محمد الطالب في: ملامح المسرحية
العربية الإسلامية ( ص. 57)،
خبرا عن رجل صوفي أيام العباسيين، كان يخرج يومين من كل أسبوع إلى ظاهر المدينة،
ويلتف حوله الناس، فيعقد محاكمة جريئة للخلفاء الراشدين والأمويين ويقف عند
العباسيين، فيدخل هذا الجنة ويرمي بذاك في النار حسب ما انتهت إليه المحاكمة. وقد
اعتبر عرسان والطالب هذه التظاهرة بمثابة مظهر من المظاهر المسرحية. وكان جرجي
زيدان، قبل سنة 1938، قد علق على هذه الحكاية في تاريخ آداب اللغة العربية (ج.4،
ص.129)، مشيرا إلى أن "بعضهم" عدها من قبيل التمثيل بينما هي في الحقيقة
من قبيل الشعائر الدينية مثل تمثيل قتل الحسين. ووردت الحكاية أيضا في كتاب صهاريج اللؤلؤ[14]، لمؤلفه محمد توفيق البكري، حيث علق عليها
بالقول إنها "مما يدل على أن العرب كان عندهم ما يشبه من وجه تمثيل الوقائع
المعروف الآن بالتياتيرو". هكذا يُظهِر لنا تواتر استعمال هذه الحكاية للدلالة
على معرفة العرب بالشكل المسرحي أو لدحضها، في عدة مؤلفات، منذ 1906 على الأقل،
قِدَم الجدل بين الأطروحتين لدرجة تجعلنا نقول إنهما ظهرتا متلازمتين في وقت واحد،
وإن عرفت إحداهما من الانتشار أكثر مما عرفته الأخرى.
[15]- راجع المديوني (م.): إشكاليات تأصيل المسرح العربي، مرجع سابق، ص. 353 وما بعدها.
[16]- ألم
يرفض يوسف إدريس الاعتراف بشرعية هذه التجربة معتبرا إياها وليدا غير شرعي للمسرح
الغربي؟ (انظر: "نحو مسرح مصري"، مقدمة مسرحية الفرافير، ط. 5، مكتبة غريب، 1977. ص.15)؛
بينما اعتبر محمد مسكين أن موليير هو من كتب أول نص مسرحي عربي وليس مارون النقاش،
في إشارة إلى انعدام الأصالة في هذه التجربة. (راجع: "مفهوم الكتابة المسرحية النقدية -كتابة النفي والشهادة"، مجلة التأسيس ، العدد1، يناير 1987، ص. 47.)
[17]- استقدمنا هذين المفهومين من اللسانيات
التداولية. ونحن نُعمِلهما في هذا المقام مستلهمين بعض الملاحظات الثاقبة التي
أبداها ميخائيل إيساخاروف بصدد تحديده لخصوصيات اللغة المسرحية. راجع بهذا الصدد:
ISSACHAROFF
(M.) : Le spectacle du discours, édit. José Corti, Paris 19885, pp 16 et 25.
[18]- في تأصيله لفكرة البحث عن نموذج مسرحي مصري،
وسع يوسف إدريس مفهوم المسرح وأرجعه إلى عنصره الأولي، الذي سماه التمسرح، مؤكدا
أن التمسرح خاصية غريزية في كل المجتمعات (راجع: "نحو مسرح مصري"،
مقدمة مسرحية الفرافير، مرجع سابق). لكن هذه الفكرة كانت قد وجدت تعبيراتها الأولى منذ القرن
الثامن عشر، في سياق الاهتمام المتزايد بالفلكلور. فقد اهتم جان جاك روسو بالموضوع
وصاغ اعتراضاته على النموذج الكلاسيكي للمسرح الغربي. وفي ستينيات القرن 20 كان
النقد المسرحي الفرنسي، الذي يعرفه يوسف إدريس معرفة جيدة، قد بدأ يجدد مفاهيمه
تحت تأثير رولان بارث ومشروعه السيميائي. وكان مفهوم (la théâtralité) الذي يمكن
أن نترجمه بخاصية التمسرح، (وهو يعني الخاصية الأولية التي تجعل من المسرح مسرحا)
من أهم إسهامات هذا المشروع. بخصوص رأي روسو، يمكن الرجوع إلى:
ROUSSEAU
(J.J.) : « Lettres à Mr
D’Alembert », in Du contrat social, Gamier, Paris 1961, pp. 123 –134.
وبخصوص
تعريف بارت لخاصية التمسرح، يرجع إلى:
BARTHES (R.) : Essais critiques, édit.
du Seuil, Paris 1964, p. 41-42.
وعن
تأثر هذا الجيل من رواد المسرح العربي، بالمناخ المسرحي الغربي وأبعاد هذا التأثر،
يمكن الرجوع إلى : المديوني (م.): إشكاليات تأصيل
المسرح العربي، بيت الحكمة، قرطاج 1993 مرجع سابق، ص.286 وما بعدها.