قراءة في كتاب
عبد الله
دمومات
وطئة للكتاب
ظهرت في
السنوات الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين مجموعة من
الكتابات في ميدان الدراسات القرآنية والفكر الإسلامي المعاصر تحاول مقاربة النص
القرآني انطلاقا من التوسل بالعلوم
الإنسانية والاستفادة من التراكمات
المتوصل إليها من طرف علماء الاجتماع واللسانيات و الانتربولوجيا وعلم النفس
والتاريخ المقارن للأديان ودلك ضمن أفق
التفكير والعمل على التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر لأقلمته مع مقتضيات العصر
ومعطياته الجديدة.
إن هذه المقاربات في الحقيقة هي امتداد للأعمال
الفكرية والاجتهادية التي ابتدأت مع
مجموعة من المفكرين في هذا الميدان نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر.
محمد باقر
الصدر و كتابه "مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن"
" كتابات محمود محمد طه" من السودان.
محاولة
"محمد شحرور" في سوريا في كتابه "الكتاب والقرآن"
علاوة على
الدراسات الفكرية المختلفة لكل من المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري"و
المفكر المغربي طه عبد الرحمان" المفكر التونسي "هشام جعيط ""
المفكر التونسي احميدة النيفر في كتابه الانسان والقران وجها لوجه "-"
المفكر المغربي عبد الفلالي الانصاري. وفي مصر "جمال البنا" و"خليل
عبد الكريم " قطب"." بنت الشاطىء " علي عبد الرازق" أمين
الخولي "طه حسين"ومنصور فهمي..... الخ
في هذا السياق
يمكن أن يندرج كتاب المفكر الشاب المغربي" رشيد بنزين" الذي يعيش في فرنسا
الموسوم ب "المفكرون االاسلاميون الجدد" بالفرنسية نشر طارق2004- الدار البيضاء288 صفحة وسابقا عن دار ألبان ميشيل –فرنسا وقد
حظي هد الكتاب باهتمام إعلامي أجنبي وعربي
قويين كما حظي بعناية من طرف القراء
والباحثين خاصة في حقل الدراسات المتعلقة بقضايا تحديث وتجديد الفكر الإسلامي.
فبخصوص بواعث تأليف
هذا الكتاب يقول الكاتب رشيد بنزين "دفعني للاهتمام بالتجديد في الفكر
الإسلامي المعاصر، في سياق بحثي الأكاديمي في الفضاء الأوروبي نفسه، ما لاحظته من
غياب أو تغييب كلي لنماذج التجديد والتطور التي تتم في بنية هذا الفكر
ومناهجه، عن الجدل المعرفي القائم في أوروبا بخاصة والغرب بعامة. حيث استمر
الحديث عن الإسلام والمسلمين، أو الفكر الإسلامي وكأن كل ذلك يمثل معطى جامد لا
يتحرك ولا يتطور، بل إن الفكر الإسلامي يقدم بالأحرى بوصفه ينتمي إلى أصولية
متعصبة ورجعية. بحيث تم تجاهل كل المنتوج الفكري المعاصر، والمجدد الذي يسعى
لمناقشة الإسلام من الداخل والبعث بعنفوانه الخلاق.
بالمقابل كان السؤال عن وجود هذا النوع من
المحاولات في الفضاء العربي الإسلامي كثيرا ما يطرح أمامي دون أن يكون عندي إجابة
كافية أو قادرة للتأكيد على وجود محاولات فكرية عربية إسلامية تناقش الثورات
العلمية الحديثة وتواكبها. لذلك أخذت بالاهتمام بهذا المبحث، وتقصي احتمالات وجود
أو عدم وجود تجدد أو تطور في الفكر الإسلامي؟ وإذا ما وجد أين وكيف هو؟ ومن هم
رموزه؟، و محاولات ذات قيمة بحثية عالية: ليس فقط في العالم العربي، بل على امتداد
رقعة العالم الإسلامي، من تركيا إلى إيران إلى الهند ....، وتأكد لي إن هناك
نماذج من الفكر الإسلامي المجدد تضاهي باطروحاتها مستوى المحاولات الفكرية
العالمية التي عرفتها المؤسسات الغربية. وهو ما جعلني أطرح السؤال: لماذا إذن يتم
التعتيم على هؤلاء ؟وهل يأتي هذا الإقصاء من الداخل؟أي بالقياس إلى سياسة تهميش
مقصودة من داخل الفضاء الإسلامي نفسه، سواء السياسي الرسمي أم الديني الأصولي؟ أم
أن ذلك ناتج عن إرادة غربية لإقصاء المحاولات الفكرية التقدمية في الفكر الإسلامي،
بهدف الاستمرار في النظر إلى هذه الفضاءات وفق أحكام مقصودة وموظفة لأهذاف مدروسة؟.
ولعل أول
مفاجأتي بالقياس لهذا المنتوج، هو تكاملية البنيان المنهجي الذي يربط بين
جملة هذه المحاولات الفكرية، على اختلاف لغاتها أو انتماءاتها الجغرافية أو
الثقافية فهم يفكرون جميعا، داخل بنية الفكر الإسلامي، وليس من خارجه. وهم يعتمدون
على جملة الموروث الإسلامي ومصادره، أي ليس فقط على بعض من معطياته، بل الأخذ به
في تكاملية أيديولوجية وفكرية وتاريخية واحدة، سواء من ناحية التيارات الفكرية، أو
المعارف الأساسية، من فقه وفلسفة وعلم كلام أو التصوف والعلوم البحت.... وهم من
ناحية أخرى على علم ومتابعة وتوظيف للعلوم والعلوم الإنسانية في تطوراتها وثوراتها
في الغرب هؤلاء من ناحية أخرى يفكرون في فضاء وطني إسلامي مستقل، أي خارج ضغوطات
الهيمنة الاستعمارية التي عرفتها محاولات الإصلاحيين الإسلاميين السابقة، مثل
محاولات محمد عبده أو جمال الدين الأفغاني"(1)
نبذة موجزة عن
بعض المحاور الأساسية للكتاب
بخصوص بعض
الأفكار الرئيسية للكتاب يتعرض الكاتب في الصفحات الافتتاحية المعنونة بالإسلام وتحديات العصرنة إلى مناقشة بعض
المفاهيم كالحداثة ونهاية احتكار العلماء للمعرفة الدينية وما معنى الإسلام
ويتساءل عن التجديد المراد ويختم هذا الفصل التمهيدي بالدعوة إلى الإنصات للأصوات
الجديدة حول الإسلام.
بعد دلك يتطرق من الصفحة 31 إلى 55 لبعض محاولات
المفكرين الاصلا حيين الأوائل السابقين عن المفكرين الإسلاميين الجدد
في هذا الخصوص
يرى الكاتب إلى كون النهضة الإسلامية الراهنة تستمد جذورها من الحركات الإسلامية السياسية
للقرن الثامن عشر والتاسع عشر كرد فعل للانهيارالأخلاقي والفكري والتجزيء السياسي.
لدا ظهرت في بداية القرن الثامن عشر الحركة الوهابية في العربية والحركة الإصلاحية
الكبرى لشاه ولي الله في الهند وموازاة لانبثاق أفكار جديدة ظهرت حركات ثورية سياسية ضد حركة بدري المضادة
للهولنديين في اندونيسيا سنة 1830 وينتقل الكاتب بعد دلك إلى رصد من الصفحة 59 الى272 لبعض أقطاب الفكر
التجديدي للإسلام، بالقياس إلى انتماءات جغرافية
لغوية أو
ثقافية من بلدان مختلفة ليختم بخلاصة حددها الكاتب في التساؤل عن مشروعية
المقاربات الجديدة لموضوع كتابه.
وقد انصب
اختيار الكاتب على الفئة التالية من المفكرين الاسلاميين الجدد وهم بالتوالي
المفكر
الإيراني عبد الكريم سور وش- ( نظرية توسع المعرفة الدينية)
يستفاد من
العرض المخصص لهذا الكاتب أن عبد الكريم سور وش يعتبر بمثابة مارتن لوثر
إيران وهو الاسم المستعار لحسين الدباغ.
ولد سنة 1945 من أسرة مثقفة إيرانية ومزج في تكوينه بين العلوم الدينية والحديثة.
ينطلق عبد الكريم سرو ش من موقع المسلم في
مقارباته. ولدى عودته إلى إيران سنة 1979 على إثر إنهاء دراسته للصيدلة والفلسفة
بإنكلترا كان من المنتمين المتحمّسين للثورة الإسلامية. وبعد سنة من ذلك انتدبه
آية الله الخميني لمجلس الشورى الأعلى للثورة.لكن هذا اللقاء في القمة مع الخميني
لم يعمّر طويلا.
في سنة 1982 تخلى سور وش عن كلّ وظائفه ليغدو
أستاذا للتصوف الإسلامي بجامعة طهران. ثمّ ما فتئت انتقاداته للإكليروس الإسلامي
تزداد حدّة تقريبا و كان عليه أن يغادر إيران سنة 1996. ومنذ سنة 2000 أصبح يدرس
مادة الفلسفة الإسلامية بجامعة هارفارد الأمير كية.
تقاطع مشروعه
أكثر من مرة، مع مناهج فلسفة العلوم وأخذ عنها، خاصة عبر أعمال فيلسوف الفيزياء
توماس كون، الذي كان قد نحث مفهوم الباراديجم، لتوضيح ان العلوم لا تتقدم أو تتطور
في خط سير يذهب إلى الأمام بطريقة مضطردة ثابتة لا رجعة فيها كما كان يتصور البعض،
وأنها تأخذ خط سير مرصود من نقطة بداية المعرفة إلى نقطة نهايتها، بل يمر
العلم بعدة تغيرات، عبر صيرورة تطويره مرارا لجملة البارديجم.
المفكر
الجزائري محمد أركون( المفكر واللا مفكر فيه).
محمد أركون
استاذ في السور بون ولد سنة 1928 في قرية صغيرة بالقبائل وقد كاد أن يتجه في بداية الأمر أن يكون بقالا
غير أن احد أعمامه وجهه وجهة تربوية أخرى صفحة 92
إن الفضول
المعرفي لاركون يتأسس على مقولة
الأنسنة يشهد على دلك بحثه في فكر
مسكويه وهو موضوع اطروحته التي ناقشها سنة 1970 .
إن تفكير محمد
أركون حسب رشيد بنزين غير منمط بل تشكل واستمر داخل جملة من المفاهيم التي يطبقها
على الدراسات الإسلامية.
واركون حسب الكاتب كذلك يتموقع ضمن خانة
المفكرين الأحرار الشيء الذي يفسر انتقاداته لقضية تدبير المقدس.
وان التفكير
عند هذا المفكر يعني اعتماد المقترب الثلاثي ( الخرق الوضع والمجاوزة).
وضمن هذا الأفق فان محمد أركون يميز بين ثلاث مستويات من الدلالة للدين.
الدين/ القوة.
الدين/ الشكل.
الدين/ الفرد.
من خلال هده العناصر يحاول محمد أركون تطوير
استراتيحية ابستيمولوجية للدراسة المقارنة للثقافات ويلح على المقاربات التاريخية
والسوسيولوجية والانتربلوجية ليس لإنكار الإضافات التيولوجية والفلسفية ولكن لا
غنائها.
وتأسيسا على دلك يتوسل بالمقاربة النقدية للدين
الرسمي ليرصد المستويات الثلاث للقران.
فهناك كلام الله كمستوى أول وهناك الخطاب
القرآني كمستوى ثاني وهناك النص المكتوب كمستوى ثالث معتمدا على آلية بحثية
أخرى كالمخيال باعتباره مفتاح قراءة
المجتمعات وقد رصد بنزين مفاهيم أخرى للكاتب منها مفهوم العنف والمقدس.
المفكر
الباكستاني فضل الرحمان ( مقاربة جديدة
للقران والوحي)
يعتبر المفكر
فضل الرحمان (1919- 1988) حسب رشيد بنزين من الوجوه الأساسية للدراسات الإسلامية
المعاصرة وبعد أن رصد الكاتب بنزين في بعض صفحات كتابه مسار فضل الرحمان الطفو لي
ومسيرته الدراسية وذهابه إلى انكلترا وأمريكا الشمالية وقبوله في جامعة شيكاكو حيث
وجد في دلك ملجئا لتعميق أبحاثه لمقاربة مكانة الإسلام في السياق المعاصر
" كتابه " الإسلام
التحديث" يرى انه ينبغي مقاربة النص القرآني
في كليته المنسجمة الموحدة وفي تاريخيته وليس في تجزيئه كما ينبغي النظر إلى
القران ككتاب أخلاق وهداية صفحة 131 وفي هذا الخصوص يدعو فضل الرحمان الى اعتماد
مقاربة موضوعاتية وأخلاقية للقران.
فالمقاربة الهيرمونيتيكية لفضل الرحمان تتأسس
على فهم التاريخ واعتماد نظرية النبوة وطبيعة الوحي وفي هذا الشأن وعلى غرار
المفكر محمد إقبال يعتمد فضل
الرحمان على البعد السيكلوجي للوحي القرآني دون إغفال البعد الأخلاقي صفحة 145 من
كتاب بنزين ـ"
المفكر
المصري نصر حامد أبو زايد (التأويل
الهيرمونتيكي أو الأدبي للقران) صاحب
كتاب (الخطاب والتأويل)
ينطلق مشروع
نصر حامد أبو زايد من ضرورة الانسلاخ من ثقل التاويلات الاديولوجية للنص الديني حيث يجعل الكاتب مفهوم النص في قلب
البحث الإسلامي الأكاديمي ويعتبر
أن القران نص
لساني ونص تاريخي ومنتوج ثقافي صفحة 195
من كتاب رشيد بنزين.
ويضيف أن هذا النص كذلك فعل تواصل.
فالقران شكل من أشكال التواصل وهو رسالة بين
مرسل ومتلقي وبالتالي ينبغي الاحتراز من القراءات التوجهاتية بالاعتماد على
هيرمونيتيكا صارمة.
ويجدر التذكير أن الشيخ أمين الخولي حسب كتاب
بنزين هو رائد التجديد في الدراسات الأدبية القرآنية، وأنه أول من حاول تطبيق
المنهج الأدبي في مقاربة القرآن،
وحول سؤال طرح على نصر أبو زيد في هذا الخصوص
أجاب
" لم اعرف الشيخ أمين الخولي شخصياً، لكنه كان أول من نشر لي في مجلة
"الأدب" مقالة حول أزمة الأغنية المصرية، وكنت يومها لا أزال يافعاً. من
هنا نشأت العلاقة الروحية مع هذا الأستاذ الكبير. بعد دخولي الجامعة وموت الخولي
قرأت كتبه وكذلك أبحاث محمد احمد خلف الله، وكنت تالياً واعياً أزمة الدراسات
الإسلامية في قسم اللغة العربية وواعياً مشكلة الجامعة المصرية. احد الأساتذة
الذين درسوا لي وأثّروا فيّ تأثيراً عظيماً في الجامعة كان شكري عياد وهو تلميذ
أمين الخولي وكان قد حصل على درجة الماجستير برسالة عن "يوم الحساب في
القرآن" تحت إشراف الخولي، ولكنه اضطر إلى تغيير تخصصه من الدراسات الإسلامية
إلى الدراسات النقدية عندما ألغيت رسالة أخرى تحت إشراف الشيخ أمين الخولي هي
رسالة الدكتوراه لمحمد احمد خلف الله.
وواصل بعده أمين الخولي عندما اعتبر أن أدبية القرآن هي السمة الأساسية
التي تسبق أي سمة أخرى، وان التحليل الأدبي وفن القول يسبقان أي تحليل فلسفي او
فقهي. هذا المنهج طبقته عائشة عبد الرحمن في "التفسير البياني" ومحمد
احمد خلف الله في رسالته "الفن القصصي في القرآن" وشكري عياد في رسالة
الماجستير، وأنا اعتبر نفسي تواصلاً مع هذا الخط، في سياق تطور النظرية الأدبية
وعلم النصوص. عندما كتبت "مفهوم النص" كان الشيخ أمين الخولي مرجعية
بالنسبة إلي في ما يسمى أدبية القرآن".
المفكر التونسي
عبد المجيد الشرفي (من اجل فهم جديد للنبوة)
ازداد المفكر
التونسي عبد المجيد الشرفي سنة 1942 وإستاذ بكلية الآداب" المنوبة" تونس
ويعتبر امتدادا للمفكر التونسي محمد الطالبي وفي خط المفكر الباكستاني فضل
الرحمان.
ولرصد الاطروحات الأساسية لهد المفكر اعتمد رشيد
بنزين على كتاب المفكر المغربي عبدو فلالي الأنصاري وكتابه إصلاح الإسلام الذي يقول فيه إن عبد المجيد الشرفي ينتمي إلى نخبة من المفكرين راكموا على المستوى
المنهجي عناصر أصبحت مفضلة لديهم لدرجة أصبح يتمتع بنوع من السلطة الفكرية التي
تفرض الاحترام ص218.
بعد دلك يعرض
الكاتب بعض كتب عبد المجيد
الشرفي"الإسلام والمعاصرة"
"تحديث الفكر الإسلامي" الإسلام بين
الرسالة والتاريخ"
ان منظور
الكاتب التونسي عبد المجيد الشرفي حسب رشيد بنزين
تتأسس على" فكرة البحث مباشرة في
الرسالة المحمدية واستنباط العناصر الأساسية منها وذلك قبل مناولتها من قبل
الأنظمة التيولوجية والمتون القانونية".
وعبد المجيد الشرفي يحلل انبثاق الظاهرة
المحمدية على ضوء الرسالة وخصائصها وكيف تم الوصول إلى دين تشريعي ليصل في الأخير
إلى إشكالية الاستعمال الأداتي" الاديولوجي" للدين من طرف الأجيال اللاحقة وعدم الوفاء إلى روح
الخطاب الديني ويقترح ضرورة عصرنة الوعي
الإسلامي. الصفحة.241
فريد إسحاق( من اجل لاهوت إسلامي للتحرر)
ينتمي فريد
ريك إسحاق إلى الاقلية الهندباكستانية لجنوب إفريقيا ازداد سنة 1957
- تتأسس أطروحات هذا المفكر حول تقديم الإسلام في
سياق تعددية فكرية خلاقة، التبشير بالإسلام كمنهج لمقاومة.
لقد ترعرع فريد
إسحاق بضاحية كادحة من ضواحي مدينة كاب تاون التي يسكنها السود في أفريقيا
الجنوبية، تحت قمع ووجع التفرقة العنصرية وغياب العدالة الاجتماعية. وكأن هذا
القدر لا يكفي بل سيحرم فريد من الحضور الأبوي حيث سيغادر والده الدار وهو لم يتعد
شهر من عمره. وقد عرف فريد إسحاق وفق هذا المناخ ضراوة التفرقة العنصرية والحرمان
الاقتصادي مبكرا، لكنه سيدرك بالإضافة إلى ذلك، أن مأساة الأسود تكون مضاعفة،
لو كان بالإضافة إلى سواد بشرته ، على دين الإسلام.وأمام هذا
الظلم المزدوج الذي يتعرض له المسلمون السود في جنوب أفريقيا، شعر إسحاق
بالحاجة لمساعدة إخوانه في الإسلام بالبحث عن مخارج روحانية أو طرائق للولوج لعالم
الحق والعدل والإحسان، الذي يعد الله به عباده الصالحين، وذلك داخل النص القرآني
نفسه. وهو سيوظف مفاهيم الإحسان والتكافل والرحمة أو العدل لخدمة ونجدة المظلومين
والمسحوقين. وكان نضاله الفكري في هذا الاتجاه مفتوحا على أفق الإنسانية بالمعنى
الكلي للكلمة، حتى إنه كان يناضل يدا في يد مع إخوانه الرهبان ورجال الدين المسيحي
أو رموز الأديان الأخرى أو دعاة الخير والإحسان من العاملين في الحركات الإنسانية،
من أجل إخراج السود المعذبين من مأزق اليأس الإنساني. وقد كان يوظف "الكلم
" القرآني كخطاب محرر ودافع للإرادة الإنسانية نحو مراتب من العلو
والعنفوان، بما يجعلها قادرة على مواجهة أي سحق أو اضطهاد. والقيم القرآنية
العالية لكتاب الله الكريم قادرة بالنسبة له على خلق المكان المناسب والضروري
للحوار والتفاعل مع الحدث ومع الآخر، أو التقاطع مع ثقافات روحانية أخرى.
وهو يوظف هنا
مفاهيم الثيولوجي الإسلامي للتحرير، للتأسيس لطريق ثالث بين الموقف الأصولي الذي
يخلط بين السياسة والدين والموقف الاستغرابي الذي يحاول أن يفصل بينهما بشكل قاطع.
وفي الوقت الذي تحترم فيه نظرية فريد إسحاق استقلالية كل من الدين والسياسة، إلا
أنه يحاول أن يقاطع بينهما، خاصة بالقياس إلى مباحث العدالة الاجتماعية أو حوار
الحضارات أو التعايش بين الأديان... وهي المفاهيم التي نجدها معروضة بوضوح
في كتابه (القرآن، التحرير، التعددية .تصور إسلامي للتضامن بين الأديان
ومقاومة الاضطهاد(2)
خاتمة
- بعض الملاحظات حول الكتاب من حيث الجوهر
أن أي
قارئ مهتم بهذا المجال يمكن أن يطرح
السؤال الآتي
هل كل
المهتمين بهذا النوع من الدراسات فعلا بقراءة أولية عميقة للنص
الديني القرآني لتكون لهم المشروعية للحديث عن إعادة قراءة القران بالمناهج
التي ينادي بها المفكرون الإسلاميون الجدد علما أن هناك فرق بالطبع بين تجديد
القراءات المرجوة الخالصة والتجديد المفروض بفعل عوامل قد تكون خارجية ومفروضة
ويتم اعتمادها بشكل وثوقي وبنوع من
التبجيل والدعاية لاسباب متعددة.
كما أن
المقاربات التي رصدها رشيد بنزين تثير بعض التحفظات تكمن في الخوف من أن تتحول مقاربات المفكرين
المعروضة في ثنايا الكتاب والتي تبدو حقا في معظمها مهمة للباحث العصري إلى
نوع من العقائد يتم إسقاطها
على التراث الإسلامي دون الاحتراز العلمي الابستمولوجي.
التحفظ الأخير أن هذا النوع من المقاربات
المرصودة في الكتاب تحولت مؤخرا إلى نوع من السجال الفضفاض العام في الصالونات
الفكرية والأدبية وغياب المقاربة
الأكاديمية العلمية المنهجية.
ولعل من الثغرات التي يمكن أن تؤخذ على رشيد
بنزين عدم تخصيصه في كتابه لنظرة نقدية أكاديمية للمفكرين الإسلاميين الجدد لتبيان
مالهم من إضافات وما عليهم من هنات.
بعض الملاحظات
حول الكتاب من حيث الشكل
من الصفحة 31
إلى 54 عدم الإشارة إلى المراجع المعتمدة.
من صفحة 59 إلى
84 عدم ترقيم المراجع المشار إليها.
إطلاق أحكام
عامة ومطلقة مثال الصفحة 60
ومن الصفحة 89 إلى 117 عدم ترقيم المراجع
المعتمدة.
من الصفحة
121الى 144 عدم الإشارة إلى صفحات المراجع المعتمدة.
الصفحات المخصصة لأمين الخولي محمد خلف الله لم
تتم الإشارة إلى أي مرجع اعتمده الكاتب.
الإحالة على بعض المراجع التي جاءت في
البيبليوغرافيا في آخر الكتاب دون ورودها في ثنايا الكتاب أو لم يتم اعتمادها من
طرف الكاتب وجاءت فقط لتزيين البيبليوغرافيا مثال كتاب "أطفال رفاعة الطهطاوي" ل كوي سورمان
بالفرنسية."
محصلة القول إن
عمل رشيد بنزين يظل في كل الأحوال في
تقديرنا عملا جديرا بالقراءة والمتابعة لأنه يطرح تساؤلات دقيقة بخصوص قضية تجديد
النظرة للنص الديني ولأنه يدعو إلى إعادة التفكير في إشكالاته المتعددة.
ـــــــــــــــــــ