ص1       الفهرس 91-100 

الأدب في مواجهة شرنقة العولمة

(الذات، الكتابة، العالم)

علي برعيش

"وقد تكون من علامات نهاية ألفيتنا، أننا نتساءل مرارا وتكرارا عما سيحدث للأدب والكتب فيما يدعى ما بعد عصر التقنية الصناعية، إلا أنني لا أميل إلى الاستغراق في هذا التأمل، لأن ثقتي بمستقبل الأدب تعتمد على معرفة أن هناك أشياء لا يمنحنا إياها سوى الأدب بوسائل ملائمة له"  إيتالوكالفينو

       توطئـة :

 تصدر هذه المقالة عن خلفية البحث في الوضع الاعتباري للأدب، هنا والآن، في سياق ما يصطلح عليه بـ"ما بعد عصر التقنية الصناعية". إنها مساهمة تنخرط كليا، بهذا الشكل أو ذاك، في منظومة فكرية كونية تحاول ملامسة قضايا جوهرية ترتبط بكينونة الأدب وتساؤلاتها الممكنة[1]. لكن، مع التأكيد على أن هذا الاهتمام يبقى متجذرا في أعماق الذات وهي تراهن على خوض مغامرة الكتابة. إذ يعاود السؤال بصدد الأدب الظهور -بشكل خارج عن الإرادة ربما!- كلما ازدادت هذه الذات إحساسا بفداحة ووطأة استلاب الإنسان داخل المجتمع[2].

عموما، فإن هذا المقال يروم البحث في العلاقة (العلاقات) المعقدة التي تقوم بين الذات والعالم، من خلال استدعاء وسيط مخيف، مرعب، حربائي، مخاتل، وبكل المقاييس، وهو : الكتابة. لتحقيق هذا الهدف، سيتم التركيز على محاولة البحث عن إجابات محتملة عن الأسئلة التالية : لماذا نكتب؟ لماذا نقرأ؟ ثم، إلى أين يسير الأدب (مصيره)؟ لذلك، فمجال استقصائنا سيكون مركبا. إذ سنروم، وبشكل متزامن، فتح نوافذ كثيرة تتصل بالنقد الأدبي وتتعداه إلى آفاق أخرى تتقاطع عندها الأسئلة الإبستيمولوجية مع أسئلة قادمة من حقل التاريخ، واللسانيات، والفلسفة، والتحليل النفسي، والأنثروبولوجيا الثقافية، دون إغفال المعطيات التاريخية والمعرفية، المرتبطة بالتحولات النووية التي يعرفها العالم مع بداية الألفية الجديدة.

1. مغامرة الكتابة : اليوتوبيا والرهان الاستطيقي : قد لا يجادل أحد، ربما، في تلبس الرغبة في الكتابة ببلوغ اليوتوبيا (ت)! صحيح أن لكل كاتب يوتوبياه الخاصة، تماما كما أن لكل إنسان ذاكرته الفردية، تطلعاته وآماله، إخفاقاته وإحباطاته، وعيه ولا وعيه... لعل القبض على بعض ملامح تلك اليوتوبيا، هو ما دفع فليسوفا كبيرا مثل جان بول سارتر إلى البحث عن جدوى ممكنة للأدب في سياق ظروف كونية خاصة بنهاية الحرب العالمية الثانية. انطلاقا من انتقاده للكونية المثالية والحركة السوريالية، في بحثهما عن وهم إنجاز "تركيب جدلي"-لكنه تركيب شاذ بدرجة لا يمكن التعامي عنها- بين الخلود وبين الحاضر المتناهي الصغر. كانت دعوة الفيلسوف الفرنسي إلى "أدب ملتزم"، أدب يكون هدفه الأساس هو "تغيير العالم". إذ، مادام قد ثبت بأن "العالم الواقعي (...) لا يفصح عن أسراره إلا بالفعل، وبما أننا لا نحس بوجودنا الفعلي فيه إلا عبر تجاوزه بهدف تغييره، فإن عالم الروائي يعوزه العمق إذن، ما لم يتم كشفه في حركة ترمي  إلى جعله متعاليا"[3].

ربما يبدو هذا القول الفلسفي، من منظور محدد، موغلا في التجريد. بل لربما يظهر، وعن صدق لا عن وهم، متلبسا بطوباوية موغلة في المثالية البعيدة عن واقعنا الحالي، ليس محليا فحسب، بل وعالميا أيضا[4]. لذلك، لا مندوحة أمامنا من التوقف عند مساءلة (تحليل) بعض النماذج الملموسة من الأدب القمينة بتقريبنا من تلمس مخرج لاحب من أزمة القول الفلسفي الوارد أعلاه. إن اطلاعنا على الأدب العالمي، السردي منه على وجه التحديد، شاسع وكبير بما فيه الكفاية. وهو منذور ليزداد شساعة واتساعا مع توالي الأيام، إذ لا يزال نهمنا لقراءة المنتج السردي الكوني -شرقا وغربا- مفتوحا وقابلا للتلقيح والتخصيب بشكل مستمر. غير أن حديثنا عن نصوص عالمية، عند هذه النقطة بالذات، يتهدده خطر الانزلاق إلى مجرد تكرار أصم لاجتهادات وتصورات من سبقنا من قراء تلك النصوص. لقد ارتأينا التوقف عند ثلاث لحظات في الأدب السردي (الروائي) المغربي نعدها، لأسباب محض شخصية بطبيعة الحال، منارة هادية لنا في محاولتنا البحث عن أدلة مقنعة لدفوعاتنا بصدد جدوى الكتابة اليوم[5].

عندما كتب عبد المجيد بن جلون سيرته الذاتية الشهيرة، تلك التي اختار لها عنوانا: في الطفولة (1955)، ألم يكن يدشن لقيام نوع جديد من الكتابة يحتفي بالذات الفردية، بعيدا عن تلك الخطابات الأخرى التي لا تلتفت إلا إلى ما هو جمعي وجماعي فحسب؟ هذا الضرب من الكتابة الأدبية، ذاك الذي نصطلح عليه بالسير الذاتي، ألم يعد الاعتبار لما هو حميم حتى ولو كان مؤلما -الألم نفسه اتخذ  لبوسا جميلة في هذا النص- بعيدا عن المبالغة في الغرق في خضم التاريخ! سبعة وعشرون سنة بعد ذلك، سيتم نشر سيرة ذاتية جديدة، عاصفة هذه المرة، ومدمرة لكل مواضعات الطهرية الزائفة والقداسة المتوهمة. إن حدث صدور الخبز الحافي (1982) للكاتب الراحل محمد شكري، من منظور مخالف للقراءات المتسرعة، جاء مبشرا بإعادة الاعتبار للنبرة الفردية ولتطلعات الذات البسيطة داخل مجتمع لا يعترف بحرية الفرد بشكل يكاد يكون نهائيا. فخلف فضائحية المشاهد الجنسية، تلك التي تم تضخيمها طبعا بسبب سوء فهم بعض القراءات المغرضة، يطالعنا احتفاء الكتابة السردية اللافت بما هو صميم في التجربة الفردية.

أخيرا، من داخل فضاء السجن المركزي بالقنيطرة -هذا الفضاء الذي نتواجد خلف جدرانه الرهيبة اليوم- سيشرع كاتب مغربي شاب في إعمال معول الهدم في واحدة من أعتى قلاع القهر والتسلط في مجتمعنا الحديث، خاصة وأن ليلها البهيم دام لمدة تنيف عن الثلاثة عقود من الزمن دون حسيب أو رقيب. إن من يتتبع أدب عبد القادر الشاوي، لنسمه "أدب السجون" إذا شئنا، لكن ليس أدب "سنوات الرصاص" مادمت أمج هذا النعت المتأنق كثيرا، سيجد نفسه أمام تحطيم كلي ونهائي لآخر ملاذ يختفي خلفه سدنة المسكوت عنه السياسي وكهنة تزوير تاريخنا الحديث. فمن نص كان وأخواتها (1986)، وحتى نص دليل المدى (2003)، نكاد نعثر على المغزى نفسه تقريبا. لعل القارئ الذي يفلح في فك شفرات نصوص هذا الكاتب، ومن ثم ينجح في العبور إلى مجاهيل "علبها السوداء"، ربما سيتبين الدلالة التي نلمح إليها. إن كتابة الاعتقال السياسي لا تنجز بهدف تحقيق مجد شخصي، ولكنها تند عن وازع أداء "واجب أخلاقي" تجاه أولئك الذين ذاقوا مرارة التجربة نفسها، دون أن يتمكنوا من التعبير عنها لسبب من الأسباب. من خلال هذه التجارب المختلفة لثلاثة كتاب مغاربة، يصبح فعل الكتابة، في أبسط تجلياته وأعمقها، انتصارا للإنسان على الألم، وذلك بفضل إتاحته الفرصة أمام إمكانية الوقوف في وجه الزمن العاتي الذي يتهدده (نا) بالفناء في كل لحظة وحين[6].

غير أن تأمل الأدب، وبالتالي التساؤل بصدد جدواه، لم يتوقف أبدا عن التطور وكذا التحول. لذلك سنجد أنفسنا أمام تراجع يوتوبيا "تغيير العالم" سالفة الذكر، مقابل صعود تصور جديد يند عن رهان استطيقي عالمي واضح المعالم. باعتماد مرجعية تستلهم كتابات كارل ماركس وجان بول سارتر وموريس بلانشو، حاول رولان بارت زحزحة إشكالية الكتابة. لقد شيد هذا الناقد الفرنسي مشروعه على خلفية تحليل الكتابة وتفكيكها "من الداخل"، لكن في تماسها وتشابكها مع التاريخ. إننا نجده ينظر إلى الكتابة دوما، خاصة في كتبه ذات الطابع النظري التأملي، بوصفها منحدرة من "ذات" تنزاح بشكل كبير عن الذات البسيكولوجية أو الفردية[7]. ربما يبدو الأمر بدهيا، خاصة إذا ما فهمنا بأن الكتابة تمارس تأثيرا عميقا على الذات، وذلك بتحويلها إياها إلى ذات تاريخية تتأكد فيها صيرورتها. الكتابة، وفق هذا المنظور، حرية. لذلك، فهي تبدو لحظة مميزة داخل التاريخ. الكتابة تنماز، تحديدا، بأنها تقع خارج إشكالية التواصل مع الآخرين. لا عجب، إذن، أن نجدها تتخذ أونطولوجيا خاصة بها في بناء كيانها. صحيح أنها تنطلق من اللغة، لكن لغزيتها العبقرية تبقى "متجذرة دائما في ما وراء لغة، إنها تنمو مثل بذرة، وليس مثل خط أبدا. الكتابة تبدي جوهرا وتهدد بإفشاء سر. إنها تواصل مضاد. الكتابة حقا تخيف"[8].

الكاتب المغربي، بدوره، لم يظل منغلقا عن التأثر بهذا الوعي الجمالي الجديد في تاريخ الأدب العالمي. آية مثل هذا التأثر، أننا غدونا أمام صنف من الكتاب يصدرون في أعمالهم عن "ذائقة فنية" مغايرة لتلك التصورات العتيقة للأدب. هكذا، أصبحت قضية الشكل الفني جزءا لا يتجزأ من ممارسة فعل الكتابة، كما غدا الأدب نفسه موضوعا للأدب. من داخل هذه "الحساسية الفنية" اتضحت ملامح جدوى جديدة للأدب، هي تلك المرتبطة بـ"البحث عن المطلق" هذه المرة. تلك هي تماما حال عبد الله العروي، عندما تحول من خطاب التحليل الإيديولوجي "المحدود" إلى ارتياد آفاق الكتابة (السردية) الأدبية "اللامحدودة". لقد استطاع هذا الكاتب المغربي، العبقري بكل تأكيد، من إعادة قراءة تاريخ المغرب، منذ فجر الاستقلال وإلى الآن، من خلال نصه السردي المثير أوراق (1989). أيا كانت قراءتنا لهذه "السيرة الذهنية"، والتي دوخت المحللين والنقاد، رغم كثرة ما كتب عنها!، فإن ما يهمنا هو إدراك سر إصرار "المفكـر-الكاتـب"-لـم لا يكـون "الكاتـب-المفكـر"؟!- على ممارسة الكتابة الأدبية. إنه توجه غير صدفوي بتاتا، كما أنه لا يمكن أن يكون بالأمر الطارئ أو العابر إطلاقا. إنه فعل نابع من إيمان عميق بأن الكتابة الأدبية، عندما نتأمل مراميها بعيدة الغور، إنما هي نتيجة الاستجابة لإحساس عميق بأن "هناك أشياء هي وليدة الزمن، وتموت بسرعة الزمن، بحيث لا دخل للعقل فيها تقريبا"[9].

2- لذة النص ومتعة القراءة : كثيرة هي الدوافع التي تكمن وراء توجه القراء، باختلاف أعمارهم وتنوع ميولاتهم، إلى ممارسة فعل القراءة. هناك من يقرأ، ببساطة شديدة ومشروعة، من أجل تجزية الوقت فحسب. هناك فئة أخرى تميل إلى القراءة، أولا وقبل كل شيء، بحثا عن إشباع لذة ذاتية متمنعة عن التفسير. بينما نجد من يمارس نوعا خاصا من القراءة، هو ذلك الذي قد نصطلح عليه بـ"قراءة التماهي". إنها تلك القراءة التي مارستها شخصيات روائية عالمية، والتي ما زالت آثارها راسخة في الأذهان. فمن منا بإمكانه نسيان قراءة إيما بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة؟ بل من منا يستطيع تجاهل قراءة دون كيخوته لروايات الفروسية في رائعة سيرفانتيس ذائعة الصيت؟... إننا لا نهدف إلى إنجاز أي تفاضل بين تلك القراءات إذ مناط اهتمامنا يبقى التأكيد على أن فعل القراءة مطلب إنساني لا يمكن التساهل بصدده. ومع ذلك، يظل التساؤل بصدد حيوية النزوع نحو قراءة الأدب وجدواه تساؤلا مشروعا.

ألمحنا، في نهاية النقطة السابقة، إلى الزحزحة العميقة التي مست الهاجس المحرك لفعل الكتابة. ما يجعل من واجبنا الآن، ونحن نحاول الإجابة عن السؤال الثاني المتحكم في مقالنا، التأكيد بكل وضوح على أن التغيير قد طال ممارسة فعل القراءة ذاتها. لقد ولى ذلك الزمن الذي كانت تمارس فيه القراءة باستماتة، إما بهدف تأكيد وجود عناصر مقيدات نفسية إكلنيكية، وإما من أجل رصد المعطيات الاجتماعية أو المؤثرات التاريخية وكذا الترسبات الفلسفية، التي تكون قد تشربتها بنية النصوص الأدبية بشكل يكاد يكون، في الغالب، آليا ميكانيكيا.

دون دخول في التفاصيل، نود التأكيد على أن الدرس النقدي الحديث قد علمنا بأن الفضاء الأدبي ما عاد مجالا لتحقيق المتعة الخالصة فحسب، بل غدا حقلا خصبا لتصيد معرفة ممكنة تجاه الذات والعالم. غير أن الأمر يتطلب منا الجهر باحتراز منهجي عميق، ودونه يبقى كلامنا مجرد حذلقة لفظية لا طائل يرجى من ورائها. إن العبور للقبض على هذه الرموزية التي تكتنزها النصوص الأدبية، تلك اللافتة للانتباه بخاصة، لن يتحقق إلا متى ما فهمنا منطق الانتقال من مرحلة "الحديث عن الأدب" إلى مرحلة "الحديث إلى الأدب"، على حد تعبير جوليا كريستيفا البليغ[10].

من الثابت اليوم أن ممارسة القراءة، على الأقل منذ مغامرات الحداثة، لم تعد تحركها أهداف استنساخ محصلة المعارف الإنسانية الأخرى، بمختلف أنواعها وتخصصاتها. ترتب عن مثل هذا التحول الجيولوجي العميق في النظرة للأدب، أنه ما عاد الهدف من وراء الاهتمام بالأدب ينحصر في مجرد اختبار فتوحات تلك المعارف المجاورة للفضاء الأدبي والخارجة عن نسقه الخاص. لهذا، من المفيد جدا ملاحظة أن الانكباب على قراءة النصوص الأدبية غدا ينم، وفي المقام الأول، عن طموح جامح نحو استكشاف معارف أخرى تدخل في علاقة حوار ومغايرة مع مختلف أنماط المعارف الأخرى. إن مثل هذا التصور، الحداثي العميق، هو ما دفع المفكر والناقد الفرنسي بيير ماشري، مثلا، إلى الدعوة إلى إعادة توزيع العلاقة بين الفلسفة والأدب. إنه إذ يولي اهتماما ملحوظا بالشكل الأدبي للخطاب، بوصفه المعيار الحصري للمرجع، إنما كان يهدف إلى أن يعلمنا درسا جديرا بالتأمل. لقد كان يستحثنا على التخلص من عاداتنا القديمة السيئة، ما جعله يقرر بأنه "بدلا من أن ننطلق من الفلسفة نحو الأدب لنجعل منها موضوعا نظريا ونستخلص عناصر تحليل فلسفي للظاهرة الأدبية، علينا أن نقوم بحركة في الاتجاه المعاكس الذي ينطلق من الأدب نحو الفلسفة لإظهار أن هناك خطاطات فكرية تشتغل داخل النصوص الأدبية وليس فقط خلفها، تكون أشكالا نظرية في طور المخاض وعلى الفلسفة أن تتعلم كيف تهتم بها بما هي عليه"[11].

يبدو الأدب، في أبسط صوره المتمنعة على التكرار أو التقليد، مجالا لتنسيب العلاقة بين الفرد والسلطة. صحيح أن هناك أدبا من نوع خاص، ظهر عند كل الأمم وفي كل العصور، يقتات على فتات موائد السلطة. لكنه أدب أشبه ما يكون بالحثالة، وبالتالي فمصيره المحتوم هو "مزبلة التاريخ" لا متحف الإنسانية. الأديب بطبعه، عندما يقرر ألا يكون ذيلا للسلطة، أيا كانت طبيعتها أو إيديولوجيتها، يكون قد استعد لخوض حرب طويلة الأمد، حرب استنزاف حقيقية، ضد قلاع المسكوت عنه في مجتمعه. إن من يقرأ الأدب الروائي المصري خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي، سيجد نفسه أمام دليل قاطع على صدق ما نزعم وندعي. فكل قراءة متأنية لرواية اللجنة (1981) للكاتب صنع الله ابراهيم أو لرواية شكاوى المصري الفصيح (1989) للكاتب يوسف القعيد، تفتح أعيننا على بشاعة فظاعات ما سمي في مصر بـ"عصر الانفتاح"، وذلك ضدا على ما رافق هذه الفترة من بهرجة إعلامية مثيرة للتقزر[12]. وما لنا نذهب بعيدا، لماذا لا نتوقف عند رواية مجنون الحكم (1990) للكاتب المغربي النبيه بنسالم حميش. إن هذا النص الروائي، الذي ما زال يحتاج في نظرنا إلى حفريات دقيقة لتقليب تربته اللغوية والدلالية، استطاع بشكل لا يخلو من مكر دفين أن يعري ويفضح جذور جبروت وسطوة الحكم المطلق في التاريخ السياسي العربي-الإسلامي، بعيدا عن كل تلك التمثلات الطهرانية لذلك التاريخ.

عندما تجتاحنا الرغبة الجامحة في قراءة الأدب، فنحن لا نتوهم العثور على تلك الأجوبة النهائية والمطلقة بصدد تساؤلاتنا حول المصير الفردي والجماعي. فنحن نعلم، وبشكل مسبق، بأن مجال الأدب ليس أبدا مجالا لتقديم الأجوبة الحاسمة والشافية لأصناف فضولنا وتلوينات قلقنا. إن نصوص الأدب العالمي، والتي لا يمكن الاستعاضة عنها يوما ما بكل أنواع المعارف الإنسانية الأخرى، تروم طرح أسئلة لا تنتهي بصدد ما هو صميم في علاقة الذات بالعالم. فملحمة أوليس (1922) للروائي الانجليزي (الإيرلندي الأصل) جيمس جويس تدفعنا إلى إعادة التساؤل بصدد حياتنا اليومية في أدق تفاصيلها، حتى تلك التي تبدو تافهة وعابرة. في حين تدفعنا رواية المحاكمة (1924) للكاتب التشيكي فرانزكافكا، إلى تأمل أصناف الاضطهاد التي تمارسها جبروت المؤسسات اتجاه الفرد. بينما تجعلنا رائعة الجبل السحري (1924) للكاتب الألماني توماس مان، وجها لوجه أمام التساؤل بصدد إشكاليتي الموت والزمن.

هذه النصوص الروائية وغيرها كثير في الأدب العالمي، تثير الانتباه إليها بسبب النظرة الواسعة والمتعددة الاتجاهات التي تقترحها تجاه العوالم الإنسانية المحتملة والممكنة. إذ خلف سحر القص المثير والمشوق، تبرز ممكنات المخيلة الإنسانية التي لا ينضب معينها. إنها نصوص تتأسس، بشكل لافت، على مبدإ التعددية الذي يسمح برؤية العالم بوصفه شبكة علاقات ذات مستويات محيرة في مفارقتها. إن سحر مثل هذه النصوص، وهو السحر الذي لا يقاوم حقيقة، ينبع من قدرتها الخارقة على ملامسة العبر زمنية داخل واقع الحياة الإنسانية العابر والجزافي ربما![13].

3. عالم بلا أدب، عالم بلا خرائط...!؟ نصل الآن إلى بحث النقطة الأخيرة، ولكن الحاسمة، في مداخلتنا. نقصد تلك المسألة المتعلقة، تحديدا وحصرا، بالبحث في قضية "مصير الأدب اليوم". إنها نقطة حساسة جدا، مقلقلة بالفعل، ومزعجة إلى حد كبير. منذ زمن ليس باليسير، بحث المهتمون بقضايا الأدب، وبإمعان شديد، هذه القضية وفق قناعات متعددة ومنطلقات متباينة. ولعل المطلع على أعمال جان بول سارتر، وموريس بلانشو، ورولان بارت، سيجد نفسه أمام تصورات وآراء وتأملات مثيرة للاهتمام. خاصة إذا ما قرئت تلك الأعمال بتدبر كبير، أي في ارتباط وثيق بسياقها الثقافي والتاريخي الذي حكمها وتحكم فيها[14]. لكن، يبدو أن الوضع ربما ازداد تعقيدا، في زماننا. هذا الزمن الذي ينعت، وبكثير من التفخيم المبالغ فيه أحيانا، بعصر "ثورة المعلوميات" و(أو) عصر "الثورة الرقمية" تارة، وبـ"العصر الكوكبي" تارة أخرى!

عندما نتحدث عن وضع الأدب في زمن الوسائط الرقمية، بكثير من التحفظ الممزوج بشيء غير قليل من التخوف. فلا بد لنا، ورفعا لكل سوء فهم، من التنبيه إلى أننا نقصد وضع الأدب في العالم العربي تحديدا، وفي المغرب تخصيصا. إذ إن صعود وسائل الثقافة والمتعة الالكترونية في الغرب، مع كل ما رافقها من تغيير جذري في "قواعد اللعبة" المتحكمة في إنتاج الكتاب الأدبي واستهلاكه، لم تفلح في صرف القراء عن الاهتمام بـ"الأدب الجيد". فما زال هذا الأدب الرصين، ذلك القادر على تحريك خلجات العقل والوجدان، يبرز وخلافا لكل التوقعات فعاليته الفائقة في أن "يضطلع بدور كبير في تشكيل الحساسية وتجديد المتخيل"[15]. الدليل الفيصل في هذا الباب، أنه مازالت تباع في ذلك "العالم المتقدم" ملايين النسخ من الأعمال الأدبية القديمة والحديثة، انطلاقا من نص الإلياذة والأوديسة، مرورا بأعمال هيجو، وبروست، ودوستويفسكي، وكافكا، وفولكنر، وكامو، ووصولا إلى روايات أمريكا اللاتينية وإفريقيا.

مثل هذه الملاحظة، لا تدفعنا إلى الاستغراب أو المفاجأة بتاتا. إذ وسائل الثقافة والمتعة الإلكترونية نابعة عضويا من بنية المجتمعات الغربية، وبالتالي فهي ثمرة لصيرورة تطورها التاريخي الطبيعي. لكن الأمر يغدو أعقد، ومنذرا بتفجير الأزمات، عندما تتم عملية النقل غير العقلاني لتلك الوسائل إلى مجتمعات تبدو وكأنها مازالت تعيش وفق نمط بنيات اجتماعية بدائية، رثة، وعتيقة. إن وضع الأدب في المغرب اليوم، لا يمكنه إلا أن يكون مثيرا للقلق بشكل كارثي. فالمتأمل الفاحص، يجد نفسه، ودونما مزايدات، أمام واقع شبيه بالوضعية الكارثية التي تنتج في جل بلدان الجنوب جراء التحالف الهجين بين "قيم الليبرالية" المستوردة وواقع الفقر (الجوع) المذقع المعيش !

يعدد الكاتب والناقد محمد برادة، بشكل عام، سمات وضعية الأدب في العالم العربي في جملة مميزات، يمكن اختزالها فيما يلي : غياب شروط مادية وثقافية مساعدة على تداول الكتاب الأدبي، انتشار الأمية، انعدام العلاقة دبيأأ

المباشرة والمنتظمة بين الكاتب والقارئ، سطوة الرقابة المدثرة بقناعات أخلاقية وسياسية، تجذر البنية التقليدية داخل الذهنية العربية، تعثر برامج تحديث المجتمع وتحرير الفرد[16]. ومنذ عقد من الزمن، كنت قد سألت هذا الكاتب المغربي عن أسباب الأزمة التي يرفل في عقابيلها الحقل الأدبي عندنا. وإليكم عناصر جوابه، بالحرف الواحد ودونما تعليق : "عندما ننظر إلى حقلنا الأدبي، الآن، نجد أنه يواجه مشكلات حقيقية تتمثل في تعثر بيع الكتاب، في انعدام سياسة ثقافية تحتضن الإبداع وتسمح لأصحابه بمخاطبة الجمهور الواسع (حصص الثقافة والأدب في التلفزيون والإذاعة...)، وجود منافسة قوية للثقافة الاستهلاكية، تعذر المكسب المادي من الإنتاج الأدبي، تقهقر الوضع الاعتباري للأدب والأديب..."[17] .

أما الكاتب إدمون عمران المليح، فإنه لم يتردد، وهو يحاول تشخيص الحالة الراهنة للأدب في المغرب، في الحديث عما يسميه بـ"الجفاف الثقافي". عندما حاول رصد علامات هذا "التصحر الذهني" الزاحف على حقلنا الثقافي، نجده يتوقف عند تعداد ثلاثة عوامل أساسية، هي على التوالي : غياب الكتاب من البيت المغربي أو على الأقل نبذه في مكان خفي، عزوف المثقفين بمن فيهم الأساتذة الجامعيون عن القراءة، هيمنة الثقافة الاستهلاكية الرخيصة مقابل استفحال ظاهرة الأمية.  أمام مثل هذا الواقع المزري، يستحث الكاتب المغربي الهمم من أجل التخلص من عقلية الانتظارية السلبية، والحث على تشجيع روح أخذ المبادرة لدق ناقوس الخطر بـ"صراحة قاسية" وبـ"دون شفقة" إذا لزم الأمر. فقد ثبت لديه، من هول وفداحة ما يروج حوله، أنه "إزاء الرداءة، البؤس والكساد الثقافي، حيث تنمو الانتهازية، الوصولوية والمحسوبية المنافقة، القناع الملائم بدناءة للمصالح المادية، على ساعة الصحو أن تقرع قبل فوات الأوان"[18].

أمام مثل هذا الوصف الكارثي المخيف، لكن الدقيق بكل تأكيد، للوضع الاعتباري للأدب في المغرب اليوم، والصادر عن متتبعين للشأن الثقافي المحلي والعالمي، أستنكف عن الإتيان بأي تعليق إضافي. ومع ذلك يبقى التساؤل بصدد مصير الأدب، هنا والآن، معلقا فوق رؤوسنا كسيف ديموقريطس الرهيب. لنتأمل، من باب الاستئناس، "المفارقة المغربية" التالية : لقد غدا معروفا لدى كل أديب مغربي، أن لا يحلم بطبع أكثر من ثلاثة آلاف نسخة من أي كتاب من كتبه، وهذا رقم فيه الكثير من التفاؤل والتجاوز. أما مسألة رقم المبيعات، فتلك قصة أخرى! في المقابل، نجد أنفسنا أمام "إنجاز وطني" باهر في ما يتعلق برواج سلع السوق الاستهلاكية الجديدة. لنسجل، من فضلكم، أن "أزيد من مليون هاتف محمول بيع في بلادنا خلال فترة زمنية قصيرة جدا. قلت مليون هاتف محمول وزيادة لا مليون كتاب"[19]. أرقام إنجازات فائقة ماتزال في تطور مطرد من جهة، وأخرى لانتكاسات مخيفة لا تعرف التقهقر والتراجع من جهة أخرى! هذه معطيات واقعية تنسف دعوى غلاء الكتاب التي أصبحت أشبه ما تكون بالقدر المحتوم، وتجعل أبواب الجحيم مشرعة أمام شراسة الواقع وثقافة استلاب آخذة بزمام المبادرة داخل مجتمعنا يوما بعد يوم.

يبدو، إذن، أن استراتيجية ضخ مخدر الشلل في العقول قد بدأت تأتي ثمارها في المغرب. لسنا نبالغ بمثل هذا القول، ذلك أن الكتاب غدا العدو رقم واحد للإنسان المغربي. تماما كما غدت القراءة، وفيما يشبه الإجماع الوطني اللافت، منفرة ومعاكسة للموضة والميول العام. في مثل هذه الظروف، يغدو احتمال "زوال الأدب" قريبا جدا منا. إذا لم يخب هذا التشخيص الكارثي لواقعنا، فإننا سنكون مضطرين للقبول بأحد احتمالين لا ثالث لهما. الاحتمال الأول : أن نستسلم للعيش في عالم كابوسي، عالم شبيه بذلك المجتمع الشيطاني الذي عاشت في أجوائه شخصية وينسطون بطل رواية العام 1984 المرعبة للروائي الانجليزي جورج أورويل. الاحتمال الثاني : أن نرضى بواقع مقرف، تماما كما حدث مع غريغوري سامسا الذي وجد نفسه مضطرا للتأقلم مع حالة المسخ التي فرضت عليه في قصة فرانزكافكا المعروفة. بين الاختياريين، نتساءل : ترى ما هو مجال المناورة المتاح أمامنا؟ أو لن يغدو وضعنا شبيها بحالة المسافر الذي ما إن يفلت من براثن أبي الهول المخيفة، حتى يجد نفسه في قبضة بروكست الذي لا يرحم! تقول العرب في مثل هذه المواقف... أي مصير مظلم، إذن، هذا الذي ينتظرنا!

بعيدا عن التلميحات والاستعارات، نقول بصريح العبارة : إن مصيرنا سيكون مرعبا لا محالة في المغرب، إذا ما نجح تلاميذ البنك الدولي غير النجباء في "تصفية الأدب". إن صدق نبوءة زوال الأدب يوما ما، تعني إحكام طوق الاستلاب على القراء والمستمعين والمتفرجين. إنه انزلاق خطير نحو تثبيت استراتيجية جهنمية حقيقية، تسعى ضمن رزنامة عملها إلى تتفيه كل ما هو قابل لحمل بذور الرأي المخالف، أو الدعوة إلى التغيير الحقيقي، أو التبشير بالاختلاف البناء. الإجهاز على الأدب، معناه القضاء على ممكنات واحة وارفة الضلال في بيداء الحياة. تلك الواحة التي تتقاطع عندها دروب الممكن والمحتمل، الواقعي والمتخيل، الحقيقي والأسطوري، المباح والمكبوت، الذاتي والجماعي. القضاء على الأدب، يعني حرمان الإنسان من تلبية حاجاته الملحة للنهل من عوالم متخيلة لا يمكنه الاستغناء عنها. عوالم تتأسس على خلفية "الاقتراض"، و"التعيش"، و"التقوت" على عناصر قادمة من الشعر والمحكيات الشعبية، والقصص الخرافية، والأساطير التأسيسية واستيهامات الأحلام، وأطراف اللاشعور المترامية الأطراف. وتلك كلها أمور لا تستطيع الوسائط المعلوماتية الجديدة، بمختلف أشكالها وألوانها، تعويضها بأي حال من الأحوال. مع زوال الأدب، علينا أن نعلم بأننا نلج عصر"التدجين الكوكبي للإنسان" من بابه الواسع!

خاتمة مفتوحة الآفاق : لقد كان فضاء السجن الذي ارتأيت تقديم تأملاتي المتواضعة فيه بصدد "مصير الأدب اليوم"، فضاء مثاليا بالنسبة لي إنه فضاء ينماز بعلاقته (علاقاته) الخاصة جدا التي ينسجها مع العالم الخارجي، والتي تكون إما علاقة متوترة، أو تكون على الأقل باردة بشكل لافت. وفي الحالتين معا، يغدو فعل التأمل متاحا، وإن بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال. إنني أشكر عميقا كل الذين ساهموا في عقد هذه الأمسية، إذ كثيرا ما تتحول مثل هذه اللقاءات إلى لبنات أساس لإنجاز بحوث أكثر عمقا ودقة في المستقبل. كما أعبر عن إحساسي باعتزاز كبير بكل الذين حضروا هذا اللقاء، والذين سوف يغنون لا محالة تأملاتي بمداخلتهم وتعقيباتهم. فما أحوجنا نحن الذين تعودنا العيش في "الفضاءات المفتوحة"، إلى حكمة ونفاذ بصيرة أولئك الذين يقبعون، نتيجة ظروف وجودية خاصة، داخل عوالم "الفضاءات المغلقة". أو لم يقل أحد الحكماء يوما : "المكان الأكثر عتمة، هو بالضبط ذلك الذي يوجد تحت نور الضوء"!.

قبل أن أضع نقطة نهاية لحديثي، لا يمكنني سوى العودة إلى ما بدأت به. فأنا لا أستطيع إنهاء كلامي على وقع نبرة التشاؤم، تلك التي لاحظتم ولاشك هيمنتها على القسم الثالث من حديثي. صحيح أن الوقائع من حولنا، تضيق من هامش المناورة المتاح أمامنا، ولربما يزداد الأمر سوءا يوما بعد يوم. غير أن التفاؤل بمصير الأدب وجدواه يبقى، مع كل ذلك، آخر ترس واقية لنا أمام مظاهر التصحر الفكري وجحافل البربرية الحضارية الزاحفة نحونا. إنه تفاؤل نابع من الثقة بقدرات الأدب الخلاقة، تلك النابعة بالأساس من إذكائه لروح جذوة المغامرة والابتكار اللاتضاهى. أو ليس الأدب، في أبهى مظاهره الإنسانية، غير هذه الدعوة للإنسان للعودة إلى إنسانيته وحثه على تطهير ذاته من الشر والفساد، مقابل ترسيخ قيم الخير والروح والحلم.

فسواء كان شعرا أم نثرا، وسواء اتخذ شكلا كلاسيكيا أم حداثيا طليعيا، يبقى الأدب ذلك الخطاب المنزاح عن كل أنواع الخطابات الأخرى القاهرة والآمرة، باعتماده مختلف أشكال النقد والشك والسؤال. هنا بالذات تحضرني كلمة إيتالوكالفينو العميقة في خاتمة وصاياه الشهيرة. يقول الكاتب الإيطالي بصدد "مبدإ التعددية" في الأدب : "من نحن، من هو كل واحد منا إن لم نكن مركبا من تجارب ومعلومات وكتب قرأناها وأشياء متخيلة؟ كل حياة هي موسوعة، مكتبة، مخزن أشياء، سلسلة من الأساليب، ويمكن أن يستبدل كل شيء باستمرار، ويعاد تنظيمه بكل طريقة يمكن تصورها"[20]. كلمة جامعة تبرز، بجلاء تام، جدوى الأدب العبر زمنية. حكمة حقيقية، تنير سبيلنا لتلمس جدوى محتملة للأدب فيما يستقبل من الأزمنة والأيام... ويبقى الأدب، قبل هذا وبعده، التحقق الإنساني الأمثل لرهانات المخاطرة في التاريخ.

 

الهوامش والإحالات :



[1] - لنتذكر ما فعله، في هذا الصدد، الكاتب الإيطالي إيتالوكالفينو، في آخر ما كتب قبيل وفاته بقليل. ولنستحضر، أيضا، محاولة مجلة الثقافة المغربيـة ملامسـة "جـدوى الأدب اليوم". ينظر تباعا :

- إيتالوكالفينو : ست وصايا للألفية القادمة (محاضرات في الإبداع). ترجمة وتقديم، محمد الأسعد، سلسلة "إبداعات عالمية" العدد : 321. الكويت، ديسمبر، 1999.

- مجلة الثقافة المغربية (ملف : جدوى الأدب اليوم). العدد : 18. المغرب.يونيو، 2001.

[2] - منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، حاولت ملامسة هذا الموضوع من زاويـة نظـر مغايرة. وذلك من خلال كتابة دراسة دشنت بها مجيئـي إلى الأدب. أنظـر :

- علي التازي : "الأدب والجنـون"، مجلـة كتابـات، القنيطــرة، العـدد6.

1992.ص ص27-38.

[3]- Jean-Paul Sartre : Qu’est ce que la littérature ? Coll « Idées » N°58

  Editions Gallimard. Paris 1948. P.67

[4] - بطبيعة الحال، لا يمكن فهم تصور الفيلسوف الفرنسي بعيدا عـن سياقـه الذي ورد فيه. فإذا كان هم جان بول سارتر نابعـا من ضـرورة أخذ اللحظـة التاريخيــة بالاعتبار، بهدف الكشف عن وجوه البورجوازية المتستـرة المتناسلـة. فإنه ظـل، بشكل دائم، وفيا لبحث إشكالية الأدب ضمن الإطار الفلسفي التاريخي الإيديولوجي العام.

[5] - هذا المنحى الخاص في البحث، لا علاقة له بأي نزعة قطرية كئيبة. إنه نهـج نابـع في الأصل من انشغالنا الطويل والمستمر بمتابعة وتأمل المنجز النصـي للروايـة المغربية، بوصفه مجالا يتيح لنا رصد التحولات التي تعتمل داخل بنيـة المجتمـع المغربي. غير أننا سوف نعمد إلى توسيع مجال استقصائنا، عند النقطتيـن الثانيـة والثالثة، ليشمل نصوصا سردية عربية وعالمية تملك راهنية خاصة في توضيح بعض الأمور التي سنتوقف عندها.

[6] - سبق لنا، في مقام آخر، أن أنجزنا دراسـة مستفيضـة لأدب عبد القـادر الشاوي

الروائي. انظر بهذا الصدد :

- علي برعيش (التازي) : "شعرية المحكي السجني في أدب عبد القادر الشاوي الروائي". مجلة فكر ونقد المغرب. العدد : 78. أبريل 2006.ص ص 76-96.

[7] - نقصد هنا بعض الكتب التي أنجزها رولان بارت، والتي يحضر فيها الوازع التأملي الفلسفي بشكل واضح المعالم. يمكن أن نمثل لتلك الكتب بالعناوين التالية :

- Roland Barthes : Sade, Fouries, Loyola. Seuil/Points.Paris, 1971

- Roland Barthes :  Ledegné Zéro de l’écriture. Seuil/Points. Paris, 1973

- Roland Barthes : Le plaisir du texte. Coll «TelQuel».Seuil/Points. Paris, 1973.

[8] - Roland Barthes : le degré Zéro de l’écriture.op.cit. P : 18

[9] - عبد الله العروي : "الأفق الروائي" (حوار)، مجلة الكرمل، عدد : 11.1984.ص170.

[10] - Julia Kristerva : «Comment parler à la littérature»

   Revue : Tel Quel N° 47.1971.PP.25-49

[11] - نقلا عن : محمد برادة : "تلك الجـدوى المفجـرة لما هو "مستقر"، مجلــة الثقافــة المغربيــة، م.س ص:8.    

[12] - قريبا من قراءتنا للأدب الروائي المصري ما قام به الناقد فيصل دراج في دراسة نقدية عميقة، أنظر :

- د.فيصل دراج : "صنع الله ابراهيم : الوعي التاريخي والتجريب الروائي"، ضمن كتابه : نظرية الرواية والرواية العربية. الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي بيروت/الدار البيضاء. 1999. ص ص 285 -315.

[13] - هذه العبر زمنية التي يحققها الأدب، شعرا ونثرا، تتصادى إلى حد كبير مع فكرة جيل دولوز بخصوص التقاء فعل الكتابة مع "أقلية هامشية" لا تكتب. يقول بصدد تفوق الأدب الانجليزي الأمريكي : "هناك صيرورات حيوانية داخل الكتابة لا تكمن في حديث الكاتب عن كلبه أو قطه، إنها بالأحرى التقاء بين مجالين، إنها تقاطع واقتناص السنن حيث ينجز كل واحد المغادرة الموطنية. إننا نمنح دائما، بفعل كتابتنا، الكتابة لأولئك الذين لا يملكونها، ولكن هؤلاء يمنحون للكتابة صيرورة قد       لا توجد الكتابة بدونها، وبدونها قد تكون حشوا في خدمة القوى السائدة". أنظر بهذا الصدد :

- جيل دولوز-كليربارنـي، حـوارات في الفلسفـة والأدب والتحليل النفسـي والسياسة. ترجمة : عبد الحي أزرقان- أحمد العلمي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب.1999.ص : 60 (التشديد أصلي في النص).

[14] - لمزيد من التفصيل، نحيل على كتب أولئك المفكرين والنقاد التالية :

- Jean Paul sartre : Qu’est ce que la littérature? op.cit.

- Maurice Blanchot : Le livre à Venir. Folio Essais. N° : 48.1959

- Roland Barthes : Le degré Zéro de l’écriture.op.cit.

[15] - محمد برادة، "تلك الجدوى المفجرة لما هو "مستقر"، م.س. ص10.

[16] - نفسه، ص ص10-11.     

[17] - ورد هذا الرأي في حوار أجريته مع الناقد المغربـي محمد برادة، بتاريـخ : 27 أبريل 1994 بالرباط. غير أنه ظل حوارا غير منشور، وذلك نتيجـة إكراهـات محض تقنية، وأتعهد للقارئ الكريم بالعمل على إخراجه إلى حيز الوجود قريبا جدا، وذلك حتى تعم الفائدة بين الباحثين والمهتمين.

[18] - إدمون عمران المليح، "لأي شيء يصلح الأدب اليوم؟"، ترجمة : حسان بورقية، مجلة الثقافة المغربية، م.س.ص 28.

[19] - نفسه، ص 26.    

[20] - إيتالوكالفينو، ست وصايا للألفية القادمة (محاضرات في الإبداع) م.س.ص 118.

بيبليوغرافيا النصوص السردية الوارد ذكرها في هذه لدراسة :

- بن جلون، عبد المجيد : في الطفولة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1993.

- حميش، بنسالم : مجنون الحكم، الطبعة الأولى، لرياض الريس للكتب والنشر، لندن1990.

- الشاوي، عبد القادر : كان وأخواتها، دار المغربية، الدار البيضاء، 1986.

- الشاوي، عبد القادر : دليل المدى، نشر الفنك، الدار البيضاء، 2003.

- شكري، محمد : الخبز الحافي، طبعة ثانية، طنجة، 1983.

- صنع الله، ابراهيم : اللجنة، الطبعة الثانية، مطبوعات القاهرة، 1982.

- العروي، عبد الله : أوراق، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء، 1989.

- القعيد، يوسف : شكاوى المصري الفصيح، الطبعة الأولى، دار الشروق، بيروت/القاهرة، 1989.

- Joyce, James : Ulysse. Editions Gallimard. Paris, 1957.

- Kafka, Franz : Le procès. Editions Folio. Paris, 1978.

- Kafka, Frenz : La Métamorphose Seconde édition revue. Coll - « Folio – -  - Classique ». Editions Gallimard.Paris, 1990.

- Mann, Thomas : La Montagne magique. Arthème Foyard et Cie. 1931.

- Owell, George : 1984. Editions Gallimard. Paris, 1950.