انتفاضة المستقبل[1]
أوكتافيو
باث شاعر
ومفكر مكسيكي
محمد
دربال
تنسج الأجيال في كل المجتمعات نسيجا لا يتكون
فقط من تواتر و تكرار بل أيضا من تغييرات. وفي كل منها يحدث بطريقة أو بأخرى, بشكل
صريح أو مستتر، "صراع القدماء و المحدثين". فهناك "حداثات"
كثيرة بقدر العصور التاريخية. لكن لا يوجد هناك إطلاقا مجتمع أو مرحلة تاريخية
أطلقت على نفسها حديثة إلا مجتمعنا. وإذا كانت الحداثة نتيجة عادية لمرور الزمن
فاختيار كلمة حديث كاسم لها هو استسلام مسبق لفقدانه. ما هو الاسم الذي سيحمله في
المستقبل العصر الحديث؟ لمقاومة التعرية التي تمحي كل شيء أطلقت المجتمعات الأخرى
على نفسها اسم إله أو معتقد أو وجهة: إسلام, مسيحية, إمبراطورية الوسط... كل هذه
التسميات تحيل على مبدأ ثابت, أو على الأقل على أفكار و صور قارة. فكل مجتمع يقوم على اسم هو حجره الأساس و في كل اسم لا
تعطي المجتمعات تعريفا لنفسها فحسب بل تؤكده أمام المجتمعات الأخرى. إن الإسم يقسم
العالم قسمين: مسيحيون- وثنيون, مسلمون– كفار, متحضرون-متوحشون, طولطيكاس-شيشيمكاس[2] ...
نحن – هم . مجتمعنا أيضا يقسم العالم إلى قسمين: الحديث – القديم. وهذه النظرة لا
تشتغل فقط داخل المجتمع- حيث تتمظهر من خلال التعارض بين ما هو حديث وما هو
تقليدي-, بل في الخارج أيضا: كل ما واجه الأوربيون و أحفادهم من أمريكا الشمالية
ثقافات و حضارات أخرى إلا و نعتوها بدون تمييزبالمتخلفة. وليست
هذه المرة الأولى التي تفرض فيها حضارة أفكارها ومؤسساتها على بقية الشعوب, ولكنها
المرة الأولى التي, عوض اقتراح مبدإ لازمني, ۥيفرض فيهاكنموذج كوني الزمن
وتغيراته.
إن دونية الآخرين بالنسبة للمسلم أو المسيحي
تتجلى في كونهم لايشاطرونهم نفس المعتقد , كما كان الصيني أو الطلطوكي
يعتبر همجيا بالنسبة للإغريقي, لكن منذ القرن 18 أصبح الإفريقي أو الآسيوي أقل
درجة لأنهما غير عصريين. إن غرابتهما-دونيتهما- مصدرها "تخلفهما". لا
جدوى من طرح السؤال, التخلف بالنسبة لماذا و لمن? فالغرب قد تماهى مع الزمن و لا
توجد حداثة أخرى إلا حداثة الغرب. فلم يعد هناك وجود تقريبا للهمجيين و الكفار,
الوثنيين و الموبوئين, وبطريقة أوضح فالوثنيون الجدد و الكلاب يوجدون بالملايين و
لكن يسمون (يسموننا) متخلفين... هنا يجب أن أستطرد قليلا حول بعض الإستعمالات الجديدة و الشاذة لكلمة
تخلف.
إن صفة الشعوب الأقل نموا
تنتمي لمعجم الأمم المتحدة الفقيرو المخصي وهي عبارة عن لطف تعبيري يستعمل عوض
عبارة كان الكل يستعملها منذ سنوات قليلة: شعب متخلف. فالكلمة ليس لها أي مدلول
واضح في مجال الأنتربولوجيا و التاريخ: ليست مفهوما علميا بل بيروقراطيا. ورغم
مضمونها الفضفاض-أو بسبب ذلك-فهي الكلمة المفضلة لدى علماء الاقتصاد و الاجتماع. وبسبب
غموضها تستعمل أشباه أفكاروخرافات مشؤومة أيضا: أولى هذه الأفكار هي الإعتقاد
بوجود حضارة واحدة و أن الحضارات الأخرى يمكن إرجاعها إلى نموذج واحد هو الحضارة
الأوربية الحديثة; والفكرة
الثانية هي اعتقاد أن تغير المجتمعات و الثقافات هو تغير خطي, تصاعدي, و أنه تبعا
لذلك يمكننا قياسه. هذا الخطأ الثاني خطير للغاية: فإذا كنا قادرين أن نقيس كمية
الظواهر الإجتماعية وأن نحددها بشكل مضبوط-انطلاقا من الإقتصاد ووصولا للفن و
الدين والشبق-فستصبح العلوم المسماة اجتماعية مثل الفيزياء و الكمياء أو
البيولوجيا علوما دقيقة. لكننا نعرف جميعا أن الأمورليست بهذا الشكل.
إن التطابق بين الحداثة و
الحضارة انتشر بشكل كبير لدرجة أن البعض في أمريكا اللاثينية أصبح يتحدث عن تخلفنا
الثقافي. لهذا
نكررثانية بأنه لا توجد حضارة واحدة و أن
التطور ليس خطيا في أية ثقافة: التاريخ يجهل الخط المستقيم. فلا شكسبير
اكثر"تطورا" من دانتي و لا سرفانطس "متخلف" مقارنة مع
هيمنغواي. والحقيقة أن هناك تراكم للمعارف في مجال العلوم ,فيحق لنا بالتالي و
بهذا المعنى أن نتحدث عن تطور. لكن هذا التراكم المعرفي لا يعني بأي حال من
الأحوال أن علماء اليوم هم أكثر" تقدما" من علماء الأمس. وتاريخ العلوم
,من ناحية أخرى, يبرهن ان تطور الاختصاصات العلمية هو الآخرليس مسترسلا و لا خطيا.
لكن يمكن القول أن مفهوم التطور يمكن تبريره في الميدان التقني و انعكاساته
الاجتماعية.غير أن هذا المفهوم يبدو لي في هذا الإطار و بهذا المعنى ملتبسا و خطيرا.
فالمبادىء التي تقوم عليها التقنية هي مبادىء كونية , لكن تطبيقاتها شيء آخر.
عندنا مثال حي و ملموس: إن تبني التقنية الأمريكية بشكل اعتباطي في المكسيك أسفر
عن عدد كبير من المآسي والفظاعات الأخلاقية و الجمالية. فبحجة القضاء على تخلفنا
شاهدنا في العقود الأخيرة انحطاطا في أسلوب حياتنا و في ثقافتنا. لقد كانت
المعاناة كبيرة و الخسائر أكثر من المكاسب.ليس هناك أي حنين ظلامي في ما أقول-إن
الظلاميين الحقيقيين في الواقع هم من يغذون أسطورة التقدم مهما كلف الأمر. أعلم
أننا لن ننجو و أنه محكوم علينا ب "التقدم": فلنجعل إذن هذا الحكم أكثر
إنسانية.
تقدم
,تطورو حداثة: متى بدأت الأزمنة الحديثة? من بين كل طرق قراءة كتب الماضي المهمة
هناك واحدة أفضلها: تلك التي لا نبحث فيها
عما نحن بل بالضبط عما ينفي من نحن. سألجأ مرة أخرى إلى دانتي,المعلم الذي لا مثيل
له, لأنه الأقل راهنية من بين كبار شعراء تقاليدنا. يطوف شاعر فلورنسا و دليله
في حقل شاسع مليئ بالشواهد المشتعلة : إنها الحلقة السادسة للجحيم حيث يحترق
الملحدون و الفلاسفة الأبيقوريون و الماديون.[3] في
واحد من هذه القبوروجدا بطريقا من فلورنسا يدعى فاريناطا ديلي أوبيرتي يقاوم بصبرعذاب النار. تنبأ فاريناطا بمنفى
دانتي و بعدها أسر له أن حتى ملكة النظرالمزدوج سيفقدها "حين تقفل أبواب
المستقبل". بعد يوم الحساب لن يكون هناك أي شيء يمكن التكهن به لأن لا شيء
سيحدث. انغلاق الزمن و نهاية المستقبل: كل شيء سيصير دوما كما هو, بدون تغير ولا
تحول. كلما قرأت هذا المقطع يبدو انني أسمع ليس فقط صوتا من عصر آخر بل من عالم
آخر. وهذه هي الحقيقة: إنه عالم آخرهذا الذي ينطق بهذه الكلمات الرهيبة. فموضوع
موت الإله أصبح مسكوكا و حتى علماء اللاهوت صاروا يتكلمون بدون استحياء عن هذا
الموضوع, لكن الفكرة القائلة بأنه في يوم من الأيام ستقفل أبواب المستقبل...
تجعلني أرتجف و أضحك بالتناوب.
نتصور
الزمن كانصرام دائم٫
مضي أبدي نحو المستقبل; و إذا أغلق المستقبل سيتوقف الزمن. فكرة لا تطاق و لا يمكن
تحملها٫
لأنها تنطوي على فظاعة مزدوجة: إنها تجرح حسنا الأخلاقي حين تستهزئ بآمالنا في
قابلية كمال الجنس البشري وتهين عقلنا حينما تنفي معتقداتنا حول الرقي و التطور.
إن الكمال في عالم دانتي هو مرادف لواقع تام وكامل٫ واقع مستقر في ماهيته. منفصل
عن زمن التاريخ المتغير و المحدود٫
حيث كل شيء باق كما هو عبر القرون. حاضر سرمدي لايتبادر إلى الذهن ومستحيل: إن
الحاضر٫
تحديدا٫
هو شيء لحظي و اللحظي هو الشكل الأكثر صفاء و كثافة ومباشرة للزمن. فإذا أصبحت
كثافة اللحظة زمنا ثابتا٫
سنواجه استحالة منطقية هي في نفس الوقت كابوسا. إن حاضر الخلود الثابت بالنسبة إلى
دانتي هو منتهى الكمال; أما بالنسبة لنا فهوعقوبة حقيقية لأنه يحبسنا في وضعية إن
لم تكن موتا فهي ليست أيضا بحياة. مملكة من الأحياء المحاصرين بين الجدران٫ سجناء بين حيطان ليست من
آجور و حجر بل من دقائق مجمدة. نفي للوجود كما تصورناه و أحسسناه و عشقناه:
إمكانية مستمرة للوجود٫
حركة٫
تحول٫
ذهاب نحو أرض المستقبل المتحركة. هناك٫
في المستقبل٫
حيث الكائن هوحدس الوجود٫
هناك توجد جناتنا...يمكننا أن نقول الآن بنوع من اليقين أن العصر الحديث يبدأ في
هذه اللحظة التي يتجرأ فيها الإنسان على القيام بشيء كان سيجعل دانتي و فارنياطا
ديلي أوبيرتي يرتعدان و يضحكان في نفس الآن: فتح أبواب المستقبل.
***
إن
الحداثة مفهوم غربي فقط و لا نجدها في أية حضارة أخرى. السبب بسيط: كل الحضارات
الأخرى تطرح صورا و تمثلات للزمن لا يمكننا أن نستخلص منها٫ و لو نفيا٫ تصورنا للزمن.فالفراغ البودي٫ الكائن الهندي الذي لا أعراض
و لا صفات له٫
الزمن الإغريقي و الصيني و الأثطيكي[4]
الدائري٫
أو الماضي المثالي البدائي٫
كلها مفاهيم لا علاقة لها بتصورنا للزمن. إن المجتمع المسيحي القورسطي تخيل الزمن
التاريخي كسيرورة محدودة٫
متتالية و لا رجعة فيها; و لما ينقضي هذا
الزمن-أو كما يقول الشاعر: لما تقفل أبواب المستقبل-٫ سيهيمن حاضر سرمدي. في زمن
التاريخ المحدود٫
في الآن٫
يغامر الإنسان بحياته الأزلية. فمن الواضح أن فكرة الحداثة يمكنها أن تخلق فقط داخل هذا التصورللزمن المتتالي الذي لا رجعة
فيه; ومن الواضح أيضا أنها تظهر فقط كنقد للخلود المسيحي. صحيح أنه في حضارة أخرى٫ الحضارة الإسلامية٫ يتطابق النموذج الزمني مع
النموذج المسيحي٫
لكن هناك و لسبب سيظهر لاحقا كان من المستحيل أن يظهر هذا النقد للخلود الذي هو
أساس الحداثة.
كل
المجتمعات تمزقها تناقضات مادية و مثالية في نفس الآن. وتكتسي هذه التناقضات صبغة
صراعات فكرية و دينية أو سياسية٫
بها تحيا المجتمعات ومن أجلها تموت: هي تاريخها. إن إحدى وظائف النموذج الزمني هي
بالضبط إيجاد حل فوق-تاريخي لهذه التناقضات و بالتالي حماية المجتمع من التغيير و
الموت. لهذا فكل تصور للزمن هو عبارة عن استعارة٫ ليست من صنع شاعر ما بل من
صنع أمة بكاملها. انتقال من الاستعارة إلى المفهوم: كل الصور الجمعية العظيمة
للزمن تصبح مادة للتأمل التيولوجي و الفلسفي. وحين تمر, كلها , من غربال العقل و
النقد, تميل إلى الظهور على شكل نسخ واضحة لهذا المبدأ المنطقي الذي نسميه
المطابقة: إلغاء التناقض سواء عن طريق إبطال التعارض الموجود بين النقيضين أو
إلغاء أحدهما. ويصير إبطال التعارض أحيانا جذريا كما هو حال النقد البودي الذي
يلغي النقيضين معا, الأنا و العالم, ليختار مكانهما الفراغ الذي هو بمثابة مطلق لا
يمكن قول أي شيء عنه لأنه فارغ من كل شيء- بل يقول السوترى ماهايانا أنه فارغ من
فراغه. وفي أحيان كثيرة ليس هناك إلغاء بل توفيق وتناسق بين الأضداد كما هو الحال
في فلسفة الزمن في الصين القديمة. إن إمكانية انفجارالتناقض الذي يمكن أن يؤدي إلى
انفجارالنظام ككل ليس خطرا ذو طبيعة منطقية
فقط بل حيوية: إذا انكسر التلاحم يفقد المجتمع أساسه و ينهار. ومن هنا الطابع
المقفل و المكتفي بذاته لهذه النماذج الأصلية, ادعاؤها للمناعة و مقاومتها للتحول.
يمكن لمجتمع ما أن يغير النموذج, أن ينتقل من الشرك إلى التوحيد و من الزمن
الدائري إلى الزمن المنتهي الذي لا يعود كما في الإسلام; أما النماذج المثالية فلا
تتغير و لا تتحول. لكن هناك استثناء لهذه القاعدة الكونية: المجتمع الغربي.
إن
الإرث المزدوج للتوحيد اليهودي و الفلسفة الوثنية يشكل الثنائية المسيحية. إن
التصور الإغريقي للكائن – في كل نسخه, عندالفلاسفة الماقبل سقراطيين, الأبيقوريين,
الرواقيين و الأفلاطونيين الجدد – لا يمكن رده أو إرجاعه إلى الفكرة اليهودية لإله
واحد أحد خالق للكون. و قد شكل هذا التعارض الموضوع المحوري للفلسفة المسيحية منذ
آباء الكنيسة, هذا التعارض الذي حاولت الرواقية حله بتصور للوجود غاية في الذكاء. فالحداثة هي نتيجة لهذا
التناقض و, بطريقة ما, حل لهذا التعارض بطريقة معاكسة للرواقية. إن الصراع بين
العقل و الوحي مزق العالم العربي أيضا, لكن هناك كان النصر للوحي: موت
الفلسفة و ليس موت الله كما حدث في الغرب. انتصار الخلود في الإسلام غير قيمة و
معنى الزمن الإنساني: كان التاريخ بطولة
أو أسطورة و ليس خلقا إنسانيا. أقفلت أبواب المستقبل; فكان انتصار مبدإ المطابقة
مطلقا: الله هو الله. أما الغرب فقد نجا من الحشو و التكرار – فقط ليسقط في
التناقض.
تبدأ
الحداثة عندما يصبح الوعي بالتعارض بين الله والكائن, العقل و الوحي غير قابل للحل
فعليا. و على عكس ما حدث في الإسلام فالعقل بيننا نما على حساب اللآهوت. فالله
واحد أحد, لا يقبل المغايرة و عدم التجانس إلا كآثام للا-كائن; أما العقل فمعروف
عنه أنه يميل إلى الانفصال عن نفسه: كلما حلل نفسه ينشطر, كلما تأمل نفسه إلا و
اكتشفها مغايرة. فالعقل يصبو إلى الوحدة و لكن, على عكس الألوهية, لا يتأسس عليها
و لا يتماهى معها. إن الثالوث الذي هو بداهة لا هوتية, يعتبرلغزا مستغلقا بالنسبة
للعقل. إن الوحدة إن فكرت صارت شيئا آخر: سترى نفسها مغايرة. إن الغرب لما انصهر
مع العقل حكم على نفسه بأن يكون مغايرا دوما, أن ينفي نفسه لكي يستمر.
يظهر
العقل في الأنظمة الميتافيزقية الكبرى التي طورتها الحداثة في بداياتها كمبدإ مكتف
بذاته:
مطابق لذاته, لا يتأسس عاى شيء آخر إلا نفسه و بالتالي هو
أساس العالم. و لكن هذه الأنظمة ستسبدل سريعا بأنظمة أخرى يكون فيها العقل أساسا
نقدا. يعود إلى ذاته, يكف عن خلق أنظمة جديدة. عندما يحلل العقل ذاته يضع حدوده,
يحاكم نفسه, و حين يحاكمها, يكمل تدمير نفسه
كمبدإ موجه و أساسي. بطريقة أوضح, يجد العقل قاعدة جديدة في هذا التدمير الذاتي.
إن العقل النقدي هو مبدؤنا الموجه, ولكن بطريقة فريدة: فهو لا يبني أنظمة منيعة عن
النقد, بل هو نقد نفسه. فهو يحكمنا بقدر ما ينفصم و يصبح
موضوعا للتحليل, شكا و نفيا. ليس معبدا و لا حصنا منيعا, إنه فضاء مفتوح, ساحة
عمومية و طريق: حوار و منهج. طريق في تشكل و تفكك دائمين, منهج مبدأه الوحيد تحليل
كل المبادئ. فالعقل النقدي, نظرا لصرامته, يبرز و يؤكد زمنيته, إمكانيته الوشيكة
دوما على التغير و التحول. لا شيء ثابت: العقل يتماهى مع التواتر و التغير. الحداثة مرادفة للنقد و تتماهى مع التغيير; فهي
ليست تأكيدا لمبدإ لازمني بل اشتغالا للعقل النقدي الذي لا يكف عن مساءلة نفسه و
تحليل ذاته لينهار فيبعث من جديد. فليس
مبدأ التطابق هو الذي يحكمنا و لا الحشو الهائل و الرتيب بل التحول و
التناقض, النقد في كل مظاهره المدوخة. في الماضي كان هدف النقد هو الوصول إلى
الحقيقة; في العصر الحديث الحقيقة نقد. فالمبدأ الذي يؤسس زمننا ليس حقيقة خالدة ,
بل حقيقة التغيير.
***
التناقض الذي كان يحكم المجتمع المسيحي هو التعارض بين
العقل و الوحي, العقل الذي هو فكر يتأمل ذاته و الإله الذي هو أقنوم يخلق; أما
تناقض العصر الحديث فيتجلى في كل هذه المحاولات لبناء أنظمة لها
متانة الديانات و الفلسفات القديمة ولكن المؤسسة, ليس على مبدإ لا زمني, بل على
مبدأ التحول. لقد كان هيغل يطلق على فلسفته: دواء الانفصام. و
إذا كانت الحداثة هي انفصام المجتمع المسيحي و العقل النقدي, الذي هو أساسنا,
انفصام دائم عن ذاته, كيف يمكننا أن نشفى من الانفصام دون نفي أنفسنا و نفي
أساسنا?, كيف نجعل التناقض وحدة بدون إبطاله? إن فسخ التعارض بين الأضداد في
الحضارات الأخرى كان هو المعبر القبلي لتأكيد الوحدة. في العالم الكاثوليكي منحت
درجات الكائن في نظرية الكينونة إمكانية تخفيف حدة التعارض لجعله يختفي تقريبا
بشكل نهائي. في العصر الحديث خاضت الجدلية نفس المغامرة و لكن استعانت بتناقض
ظاهري: جعلت النفي صلة وصل بين النقيضين. لم تحاول إلغاء التعارض بتخفيف التناقض
بل بتضخيمه و المبالغة فيه. و رغم أن كانط
Kant كان قد أطلق على الجدلية "منطق الوهم" فإن هيغلHegel أكد أنه بفضل سالبية المفهوم صار ممكنا
تجاوزالفضيحة الفلسفية التي يمثلها "الشيء في ذاته" الكانطي. ليس من
الضروري الاتفاق مع كانط لنلاحظ أنه حتى لو كان هيغل على صواب, فالجدلية تذيب
التناقضات فقط لتبعث من جديد. إن آخر الأنظمة الفلسفية الكبرى في الغرب تترنح بين
الهذيان التأملي و العقل النقدي; إنه فكريتشكل كنظام فقط لينهار ثانية. علاج
الانفصام بالانفصام. حداثة: في الطرف الأول نجد هيغل و أتباعه الماديين, في الطرف
الثاني نقد هذه المحاولات, من هوم Hume إلى الفلسفة التحليلية. هذا التعارض
هو تاريخ الغرب,هو علة وجوده. و سيكون أيضا في يوم من الأيام سبب وفاته.
الحداثة
انفصال. أستعمل الكلمة في معناها المباشر جدا: الابتعاد عن شيء, افتراق. تبدأ
الحداثة كانشطار عن المجتمع المسيحي. وفية لأصلها فهي قطيعة مستمرة, انفصال
لانهائي عن نفسها. كل جيل يكررالفعل الأصلي الذي يؤسسنا و هذا التكرار هو في نفس
الوقت نفي لنا وبعث جديد. الانفصال يوحدنا بالحركة الأصلية لمجتمعنا و الافتراق
يقذفنا للقاء أنفسنا. كما لو كان الأمر يتعلق بواحد من العذابات التي تخيلها دانتي
Dante (ولكنها بالنسبة لنا ضرب من الغبطة:
جائزتنا على إقامتنا في التاريخ), نبحث عن انفسنا في الغيرية وفيها ننوجد و بعدما
ننصهر بهذا الآخر الذي نخترع, نسرع للانفصال عن هذا الشبح, نتركه وراءنا و نجري
ثانية باحثين عن أنفسنا, وراء ظلنا. ذهاب مستمر إلى هناك, دائما إلى هناك- لاندري
إلى أين. ونسمي هذا: تقدما.
إن
تصورنا عن الزمن كتحول مستمر لا يشكل فقط قطيعة مع النموذج القورسطي المسيحي بل
هوتركيب جديد لعناصره. فزمن المسيحي المنتهي يصبح تقريبا الزمن اللانهائي للتطور
الطبيعي و للتاريخ و لكن يحافظ على خاصيتين أساسيتين منه: اللاتكرار و التواتر. إن
الحداثة تنفي الزمن الدائري بنفس الحدة التي نفاه بها القديس أغسطين: الأشياء لا
تحدث إلا مرة واحدة, لا تتكرر. وفي ما يخص شخصية الدراما الزمنية: لم تعد هي الروح
الفردية بل الجماعة كلها, الجنس البشري. المكون الثاني, الكمال الملازم للخلود,أصبح
صفة للتاريخ. وهكذا تم تثمين التغيير لأول مرة: الكائنات و الأشياء لا تصل إلى
الكمال و التحقق التام في الزمن الآخر للعالم الآخر, بل في زمن الهُنا- زمن ليس
حاضرا سرمديا بل سريع الزوال. التاريخ هو طريقنا نحو الكمال.
لم
تركز الحداثة على الواقع المادي لكل إنسان بل على الواقع المثالي للمجتمع و الجنس
البشري. فإذا كانت أفعال و أعمال الإنسان قد فقدت حمولتها الدينية الفردية – نجاة
أوهلاك الروح- وأصبحت لها صبغة فوق فردية و تاريخية. هدم للقيم المسيحية و في نفس
الوقت هداية: لم يعد الزمن الإنساني يدور حول شمس الخلود الساكنة , بل أصبح يسلم
بكمال غير خارج عن التاريخ , بل داخل التاريخ. وصار الجنس البشري, وليس الفرد, هو
موضوع الكمال الجديد و طريقة بلوغه ليست الانصهار في الله بل المشاركة في الفعل
الدنيوي, في التاريخ. بالأول، أي الكمال الذي هو صفة للخلود حسب الفلسفة السكولاستيكية
(علم الكلام القروسطي المسيحي )، يتم الولوج إلى الزمن; و بالثانية ينفي أن تكون
الحياة التأملية هي أسمى مثال إنساني و يتم التأكيد على القيمة العليا للفعل
الزمني. ليس الذوبان في الذات الإلهية بل في التاريخ: هذا هو قدر الإنسان. العمل
يحل محل الكفارة و التقدم محل الغفران و السياسة محل الدين.
العصر
الحديث يتصور نفسه ثوريا. و هو كذلك بصور شتى: الطريقة الأولى و الأكثر وضوحا لها
بعد دلالي: الحداثة تبدأ بتغيير معنى كلمة ثورة. بجانب المعنى الأصلي – دورة الكون
و الفلك – انضاف الآن معنى ثان هو الأكثر استعمالا: قطيعة عنيفة مع النظام القديم
و إحلال نظام اجتماعي أكثر عدلا و
عقلانية. إن عودة الفلك كانت بشكل ما تمظهرا مرئيا للزمن الدائري. وفي معناها
الجديد غدت كلمة ثورة التعبير الأكثر دقة و كمالا للزمن المتتالي, الخطي الذي لا رجعة
فيه. في الحالة الأولى عودة الماضي الأبدية و في الحالة الثانية هدم الماضي وبناء
مجتمع جديد. لكن المعنى الأول لا يختفي تماما, بل يعرف, مرة أخرى, نوعا من التحول.
إن مفهوم الثورة, بمعناها الحديث, يمثل بدقة كبيرة مفهوم التاريخ كتحول و تقدم لا
مفر منه: إذا لم يتطور المجتمع و أصبح جامدا تحدث ثورة. لكن إذا كانت الثورات
ضرورية فالتاريخ يمتلك ضرورة الزمن الدائري. لغز محير مثل الثالوث, إذ الثورات
تعبير عن الزمن اللارجعي و بالتالي تمظهرات للعقل النقدي: للحرية ذاتها. التباس
الثورة: وجهها يبدي لنا الخصائص الأسطورية للزمن الدائري و الخصائص الهندسية للنقد,
القدم الأكثر عتاقة والجدة الأكثر حداثة.
إن
أكبر تغيير ثوري, أكبر تحول, كان تحول المستقبل. ففي المجتمع المسيحي كان المستقبل
محكوما عليه بالموت: انتصار الحاضر السرمدي, يوم القيامة هو في نفس الوقت نهاية
المستقبل. أما الحداثة فهي قلب للمفاهيم: إذا كان الإنسان تاريخا ويتحقق فقط داخل
التاريخ, و إذا كان التاريخ زمنا مقذوفا جهة المستقبل و المستقبل هو أحسن مكان
للكمال, و إذا كان الكمال نسبيا في علاقته بالمستقبل و مطلقا أمام الماضي... يصبح
المستقبل إذن مركزا للثالوث الزمني: إنه مغنطيس الحاضر وأساس الماضي. شبيها بحاضر
المسيحية الثابت, أضحى مستقبلنا أزليا. أصبح مثله كتيما لا تنفذ له تقلبات الزمن
الحاضر-الآن- و محصنا أمام فظاعات الأمس. و رغم أن مستقبلنا هو تصور للتاريخ, إلا
أنه تحديدا في ما وراء التاريخ, بعيدا عن عواصفه, عن التغيير والتواتر. فإن لم يكن
الخلود المسيحي فهو يشبهه لكونه أصبح ذلك الشيء الذي يوجد في الجهة الأخرى للزمن:
فمستقبلنا هو في نفس الوقت إسقاط للزمن التعاقبي و نفي له. و الإنسان الحديث يرى
نفسه مرميا إلى المستفبل بنفس العنف الذي يرى به المسيحي نفسه مقذوفا إلى الجنة أو
إلى الجحيم.
كان
الخلود المسيحي هو الحل لكل التناقضات و الاحتضارات, نهاية التاريخ و الزمن.
مستقبلنا, رغم أنه مستودع الكمال, فهو ليس مكانا للراحة, ليس نهاية, بل بالعكس, هو
بداية مستمرة, ذهاب دائم إلى ماهو أبعد. مستقبلنا جنة/جحيم. جنة لأنه المكان
الاختياري للرغبة و جحيم لأنه مكان عدم الرضى وعدم القناعة. من ناحية أولى فكمالنا
هو دائما شيء نسبي, لأنه, كما يقول الماركسيون بعيونهم الجاحظة و التاريخانيون
المتمرسون٬
ما أن تحل الصراعات الحالية ستظهر التناقضات في مستويات أعلى. من ناحية ثانية, إذا
اعتقدنا أن في المستقبل نهاية التاريخ و انتفاء التناقضات, سنصبح ضحايا إراديين
لسراب قاس: المستقبل هو تحديدا شيء لا يمكن بلوغه و لمسه. فأرض التاريخ الموعودة منطقة
منيعة و هنا يتجلى بشكل مباشرو مؤثرالتناقض الذي يشكل الحداثة. إن النقد الذي قامت
به الحداثة اتجاه الخلود المسيحي و النقد الذي وجهته المسيحية للزمن الدائري
القديم يمكن تطبيقهما على نموذجنا الزمني. إن تضخيم قيمة التغيير يعني تضخيم قيمة
المستقبل: زمن غيركائن.
***
الأدب الحديث, هل هو حديث؟ إن
حداثته مبهمة: هناك صراع بين الشعر و الحداثة يبدأ مع الشعراء الماقبل رومانسيين و
يستمر إلى يومنا هذا. سأحاول فيما يلي وصف هذا الصراع, ليس من خلال مراحله-فأنا
لست مؤرخا للأدب-, بل سأتوقف عند تلك اللحظات وتلك الأعمال التي يتجلى فيهل هذا
التعارض بشكل واضح. وأتقبل أن يوصف منهجي بالإعتباطي وأضيف أن هذه الإعتباطية ليست
عفوية. وجهات نظري هي لشاعر من أمريكا اللاثينية, و هي ليست عرضا محايدا بل سبرا
لجذوري و محاولة غير مباشرة لتعريفٍ ذاتي. فهذه التأملات تنتمي لذلك النوع الذي
كان بودلير يسميه النقد المتحيز, الوحيد الذي كان يبدو له صالحا.
حاولت تعريف العصر الحديث
كعصر ناقد نشأ عن النفي. والنفي النقدي يشمل أيضا الفن و الأدب: القيم الفنية
انفصلت عن القيم الدينية. حصلت الآداب على استقلاليتها: الشاعري, الفني و الجميل
اصبحت قيما لذاتها دون الإحالة على قيم أخرى. استقلال القيم الفنية أدى إلى تصور
للفن كموضوع و هذا التصور أدى بدوره إلى اختراع مزدوج: المتحف و النقد الغني. و في
مجال الآداب تجلت الحداثة كتقديس "للشيء" الأدبي: قصيدة, رواية, مسرحية.
و هذا الاتجاه بدأ في عصر النهضة و تعمق في القرن السابع عشر, لكن الشعراء لم
ينتبهوا للطابع السريع جدا و المتناقض لهذه الفكرة حتى العصرالحديث: كتابة قصيدة
هو بناء واقع منفرد و مكتفي بذاته. بهذا الشكل يدخل مفهوم النقد "داخل"
الإبداع الشعري. ظاهريا الأمر طبيعي: فالأدب الحديث, في إطار عصر النقد, هو أدب
نقدي. لكن هذه الحداثة إذا تأملناها عن قرب تبدو متناقضة: في كثير من أعمالها
الأكثر عنفا و خصوصية _ أفكر في ذلك التقليد الذي يمتد من الرومانسيين إلى السرياليين
_ يظهر الأدب الحديث كنقد جارف للحداثة. و في واحدة من تجلياتها الأخرى الأكثر
إلحاحا و التي تشمل الرواية و الشعر الغنائي على حد سواء _ أفكر الآن في ذلك
التقليد الذي بلغ أوجه مع مالارميMallarmé و جويسJoyce _ يبدو
أدبنا ايضا كنقد عارم و شامل لنفسه. نقد موضوع الأدب: المجتمع البورجوازي و قيمه,
نقد الأدب كموضوع: اللغة و دلالاتها. في كلتا الحالتين ينفي الأدب الحديث ذاته,
وحين ينفيها يؤكد و يثبت حداثته.
ليس من قبيل الصدفة أن الشعر
الحديث عبر عن نفسه من خلال الرواية قبل الشعر الغنائي. فالرواية هي النوع الحديث
بامتياز و الذي عبر بشكل أحسن عن الشعر الحديث: الشعر المنثور. في حالة الأدباء
الماقبل رومانسيين تصبح حداثة الرواية مزدوجة و متناقضة أي مضاعفة و حديثة بشكل
كامل. و إذا كان الأدب الحديث قد بدأ كنقد للحداثة فالوجه الذي يجسد هذا التناقض
بشيء من المثالية هو روسوRousseau , بحيث
أن العصر الذي يبدأ _عصر النمو و الاختراعات و تطور الاقتصاد الحضري _ يجد في
أعماله ليس فقط واحدا من أسسه بل أيضا نفيه الأكثر شراسة. في روايات جان جاك روسو
و أتباعه يظهر التردد المستمر بين النثر و الشعر كل مرة اكثر عنفا مع ميل واضح
للثاني. النثر و الشعر يقيمان داخل الرواية معركة و هذه المعركة هي ماهية الرواية:
انتصار النثر يجعل الرواية وثيقة سيكولوجية, اجتماعية أو أنتربولوجية و انتصار
الشعر يجعل منها قصيدة. في الحالتين تختفي كرواية. لكي تكون يجب عليها أن تكون
نثرا و شعرا في نفس الوقت, لا هذا و لا ذاك بشكل كامل. فالنثر يمثل في هذا التناقض
الإضافي العنصر الحديث: النقد, التحليل. منذ سرفانتسCervantes يبدو أن النثر بدأ شيئا فشيئا يتغلب في هذا النزال, لكن مع نهاية
القرن الثامن عشر حدث فجأة ارتجاج غير ملامح الهندسة العقلانية. قوة جديدة,
الإحساس, قوضت بنيان العقل. قوة جديدة؟ بل قديمة جدا, قبل العقل و قبل التاريخ. ضد
الجديد و الحديث, ضد التاريخ وأرقامه يضع روسو و أتباعه الإحساس, الذي ليس إلا ما
هو أصيل, ما ليس له تاريخ لأنه قبل الزمن, في البدء.
حساسية الماقبل رومانسيين لن
تتأخر لكي تصبح شغف الرومانسيين. الأولى التئام مع العالم الطبيعي, الثاني خرق
للنظام الاجتماعي. كلاهما طبيعة, لكن طبيعة مؤنسنة: جسد. ورغم أن لواعج الجسد تشكل
أساس الأدب الإباحي العظيم للقرن الثامن عشر,
فقط مع الماقبل رومانسيين و الرومانسيين بدأ الجسد يتكلم. و اللغة التي
يتكلمها هي لغة الأحلام, لغة الرموز و الاستعارات, تحالف غريب بين المقدس و
الدنيوي, بين الجليل و الفاحش. هذه اللغة هي لغة الشعر لا لغة العقل. الاختلاف مع
أدباء عصر الأنوار جذري. ففي العمل الأكثر حرية و جرأة لهذه الفترة, عمل الماركيز
دي سادMarqués de Sade, الجسد
لا يتكلم, رغم أن الموضوع الوحيد لهذا الكاتب هو الجسد و شدوده و انحرافاته: الذي
يتكلم من خلال تلك الأجساد الدامية هي الفلسفة. فسادSade ليس كاتبا عاطفيا,
هذياناته عقلانية و شغفه الحقيقي هو النقد. فهو لا ينفعل أمام أوضاع الأجساد بل
أمام دقة و بهاء البراهين. فإيروسية فلاسفة القرن 18 الإباحيين الآخرين لا تصل إلى
مبالغة ساد, لكنها ليست أقل برودة و عقلانية:ليست عاطفة, بل فلسفة. الصراع يستمر
إلى يومنا هذا: دفيد هربرت لورانس D.H.Lawrence و برتراند روسل Bertrand Russll حاربا التزمت الأنجلوسكسوني,
لكن بدون شك كان موقف روسل اتجاه الجسد سيبدو وقحا
للورانس كما سيبدو موقف هذا الأخير لا عقلانيا لروسل. نفس التناقض بين
السورياليين و المدافعين عن الحرية الجنسية: بالنسبة للبعض الإيروسية مرادفة
للخيال و الشغف, و للآخرين تعني حلا عقلانيا للمشاكل الجسدية بين الجنسين. كان
بطاي Bataille يعتقد أن خرق القانون هو شرط, بل ماهية الإيروسية. الأخلاق
الجنسية الجديدة تعتقد أنه إذا تم حذف أو تخفيف المنع ستختفي أو تتقلص الإنتهاكات
الإيروسية. قال بلاك Blake:" كلانا نقرأ الإنجيل ليل نهار, لكن أنت تقرأ أسود حيث أقرأ
أنا أبيض"[5]
طاردت
المسيحية الآلهة القديمة و أرواح الأرض و الماء و النار و الهواء. حولت تلك التي
لم تستطع نسفها إلى المسيحية: بعضها تحول إلى شياطين و رمي بها في الهاوية حيث
استعملت في بيروقراطية جهنم, و البعض الآخر تم تصعيده إلى السماء ليحتل مراكز في
سلم الملائكة. أفرغ العقل النقدي الجنة و جهنم من قاطنيها, لكن الأرواح عادت
للأرض, للهواء و النار و الماء: عادت إلى جسد الرجال و النساء. هذه العودة تسمى
رومانسية. الإحساس و العاطفة هي أسماء الروح المتعددة التي تسكن الصخر و السحب و
الأنهار و الأجساد. تقديس الإحساس و العاطفة تقديس جدالي يبرز من خلاله موضوع
ثنائي: تمجيد الطبيعة هو في نفس الوقت نقد أخلاقي و سياسي للحضارة و تأكيد لزمن
قبل التاريخ. العاطفة و الإحساس يمثلان ما هو طبيعي: الأصيل أمام المصطنع, البسيط
أمام المعقد و الأصالة الحقيقية أمام الجدة الخادعة. تفوق ما هو طبيعي نابع من
قبليته: المبدأ الأول, أساس المجتمع, ليس هو التحول أو زمن التاريخ التتابعي بل
زمن قبلي, يشبه نفسه دائما. انحلال هذا الزمن الأصلي, الحساس و العاطفي, إلى
تاريخ, تطور و حضارة, بدأ لأول مرة كما يقول روسو Rousseau حينما طوق رجل قطعة أرض و
قال:"هذا ملكي"_ ووجدحمقى قبلوا كلامه. فالملكية الخاصة هي أساس المجتمع
التاريخي. انشطار الزمن السابق على كل الأزمنة: بداية التاريخ. يبدأ تاريخ
اللامساواة.
الحنين
الحديث إلى زمن أصلي و إلى إنسان متصالح مع الطبيعة يعبر عن موقف جديد. رغم انه
يسلم مثل الوثنيين بوجود عصر ذهبي سابق عن التاريخ, فهو لا يدخل هذا العصر في نظرة
دائرية للزمن. العودة إلى العصر السعيد لن تكون نتيجة لثورة الفلك بل لثورة
الإنسان. في الحقيقة الماضي لا يعود: الإنسان,بفعل إرادي مقصود, هو الذي يخلقه و
يضعه في التاريخ. الماضي الثوري شكل يأخذ على عاتقه المستقبل, إنه قناعه. جبرية
القدر اللاشخصية تفسح المجال لمفهوم جديد, إرث مباشر من المسيحية: الحرية. إن
اللغز الذي كان يؤرق القديس أغسطين_كيف يمكن التوفيق بين الحرية البشرية و القدرة
الإلهية؟_ أصبح في القرن 18مشكلة تشغل الثوري و المدافع عن النظرية التطورية على
حد سواء: بأي معنى يحددنا التاريخ و إلى أي حد يمكن للإنسان أن يحول مجراه و
يغيره؟ بالإضافة إلى التناقض الحاصل في التوفيق بين الضرورة و الحرية يجب إضافة
تناقض آخر: تجديد العهد الأصلي يفرض فعلا عنيفا غير مسبوق لكنه عادل, تقويض
المجتمع المبني على اللامساواة بين البشر. هذا التقويض هو بشكل ما تقويض للتاريخ,
لأن اللامساواة تتماهى معه. لكنه يتحقق من خلال فعل تاريخي للغاية: النقد الذي
أصبح فعلا ثوريا. فالعودة إلى زمن البدء, زمن ما قبل القطيعة, يعني قطيعة. لا مفر
من التأكيد, مهما بدت هذه العبارة مفاجئة, أن الحداثة و حدها يمكنها تحقيق عملية
العودة إلى البدايات الأولى, لأن العصر الحديث وحده قادر على نفي نفسه.
نقد
النقد و صروحه, فالشعر الحديث, منذ ما قبل الرومانسيين, يبحث عن أساس له في بداية
سابقة عن الحداثة و نقيضة لها. هذه البداية التي لا يخترقها التغيير و التعاقب هي
بداية البدايات عند روسو Rousseau , و هي أيضا آدم وليام بلاك William Blake , حلم نوفاليس Novalis , طفولة ووردسوورث Wordsworth و خيال كولريدج Coleridge. مهما كان اسم هذه البداية فهي نفي
للحداثة. فالشعر الحديث يؤكد أنه صوت البداية السابقة للتاريخ. الشعر هو لغة
المجتمع الأصلية_شغف و إحساس_ و لهذا بالذات هي اللغة الحقيقية لكل الإلهامات و
الثورات. هذه البداية اجتماعية, ثورية: عودة إلى عهد البداية, قبل اللامساواة,
إنها بداية فردية و تهم كل رجل و امراة:استرداد البرائة الأصيلة. معارضة مزدوجة
للحداثة و للمسيحية, تأكيد مزدوج سواء لزمن الحداثة التاريخي (ثورة) أو لزمن
المسيحية الأسطوري (البراءة الأصلية). في الطرف الأول نجد أن موضوع إحلال مجتمع
آخر هو موضوع ثوري يدخل زمن البدء في المستقبل, و في الطرف الثاني نجد أن إحلال
البرائة الأصيلة هو موضوع ديني يدمج المستقبل المسيحي في ماض سابق عن سقطة
الخطيئة. إن تاريخ الشعر الحديث هو تاريخ الترنح بين هذين الطرفين: الغواية
الثورية و الغواية الدينية.
ــــــــــــ
هوامش
[1] هذه المقالة للشاعر و المفكر المكسيكي أوكتابيو باث Octavio Paz
من كتابه أبناء الطمي, برشلونة, 1987.
[2] قبائل هند أمريكية
[3] الكوميديا
الإلهية,"الجحيم",النشيد 10 .
[4] نسبة إلى حضارة
الأثطيك المكسيكية القديمة
[5] The everlasting Gospel, in The complete poetry of William Blake,